الطريق الى مؤتمر جنيف

 

(الغلاف)

 

الطريق إلى

 مؤتمر جنيف

 

 

 

 

 

 


الطريق إلى

 مؤتمر جينيف

 

 

الطبعة الإلكترونية الأولى

1426 هـ

2005 م

 

 

 


 

·                الطريق إلى مؤتمر جنيف

·                أحمد الشقيري

·                 الطبعة الإلكترونية الأولى 2005 م

 

 

المحرر

عبـد العزيز السيد أحمـد

 

 

تدقيق التنضيد والإخراج :-

المؤسسة العربية الدولية للنشر والتوزيع

هاتف: 5650630-6-962+  فاكس: 5668860-6-962+

ب.إ: arab_book@hotmail.com

صدرت الطبعة الورقية الأولى ، بغداد ، 1978

 

 
 

 


جميع الحقوق محفوظة                                          All rights reserved   

 

 

 

N

- مؤتمر جنيف وإلى أين تسـير القضية العربية ...............

7

- مؤتمر جنيف جذوره وبذوره ..............................   

15

- واتفق العملاقان مرة أخرى ..................................

31

- كوسيجن وجونسون يضعان حجـر الأساس لمؤتمر جنيف...  

47

- إنهم لا يملكون حتى الملـوك والرؤسـاء.................  

67

- نقبل بعد النصر ما رفضنا بعد الهزيمة .......................   

87

- جــواب إســرائيل حاســم ............................  

105

- حدود إسرائيل ليست حدود أمريكا ...........................

125

- وهزيمة أخرى في السادس من يونيو .......................

137

- أين ذهبنا بالنصـر المجيـد ................................. 

157

- عند الظهيرة طلـع الفجـر ................................. 

177

- تنساني جوارحي وجوانحي إن نسيت اليوم العظيم  ..........

197

- حربنا المجيـدة انقضت في ريعـان الشـباب ............... 

219

- وعادت حليمـة لعادتها القديمـة ............................    

233

- هل يدلنا الحكم العربي على ورقة واحـدة ...................

257

- انسـحب البترول من المعركة قبل أن تنسحب ...............

277

- إسرائيل  هذه لا كلام معها ولا سلام ......................... 

299

- إسرائيل في مؤتمر جنيـف ماذا أرادت وماذا قالت .......... 

319

         

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                 

 

 

       مؤتمـر جنيـف..

وإلى أين تسير القضية العربية؟

 

        هذا هو السؤال الكبير الذي يدور على كل شفة ولسان في الوطن العربي بأسره.. وفي مزيج من الحيرة والمرارة والضياع يتساءل المواطن العربي عن مصير المرحلة السياسية الحاضرة.. أين مرساها ومنتهاها.. وأين خاتمة المطاف في ترحالها وتجوالها..

        وليس من المبالغة إطلاقا أنه ما من ندوة في النهار، حتى ولا سهرة في الليل، بين اثنين أو أكثر، من مختلف طوائف الأمة العربية، إلا وهذه الأسئلة يتداولها الناس فيما بينهم، في المقاهي والنوادي، والمزارع والمصانع، والمكاتب والمتاجر، والمدارس والملاعب،.. حتى وفي المعابد والمساجد حيث الإنصراف إلى السماء دون الأرض.. ذلك أن كل مواطن في هذه الأمة يرى في المرحلة الحاضرة مصيرا لأمته، بل لذاته بالذات..

        والمواطن العربي يحاول جاهدا أن يلتمس الجواب على هذه الأسئلة بكل وسيلة يقع عليها سمعه، أو يسقط عليها بصره.. وهو يقرأ كثيرا، ويسمع أكثر وأكثر..

        إنه يقرأ في الصحف والمجلات، ويسمع في الإذاعات، وخاصة من الأجهزة العربية الرسمية أن القضية العربية قد حققت انتصارات كبرى لم تحقق مثلها في خمسين عاما مضت، وأن مكاسب سياسية رائعة قد حظيت بها القضية الفلسطينية على الصعيد الدولي، وأن إسرائيل قد أصبحت معزولة عالميا، وأن الأمم المتحدة قد أصدرت القرارات تلو القرارات تؤيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وتندد بإسرائيل فيما ترتكب من مخالفات وانتِهاكات لميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي.

        وهذا الذي يقرؤه ويسمعه المواطن العربي ليس مقالات في الصحف أو تعليقات صادرة عن دور الإذاعة والنشر، فحسب، ولكنها في الأعم الأغلب شيء آخر.. إنها خطب وتصريحات مطولة مفصلة، تصدر عن الحكم العربي المعاصر، وكلها تفيض بتمجيد المرحلة السياسية الراهنة وما أثمرت من مكاسب وانتصارات.. وأصبح المواطن العربي أمام حملة إعلامية ضخمة تطالعه لا في الأوقات الخمسة كالصلوات، ولكن في الأوقات الثلاثين أو أكثر، حسب مواعيد الإذاعات الرسمية، وكلها تصيح في أذنه أن القضية العربية تسير في طريقها إلى النصر بخطى ثابتة أكيدة.

        ولا بد من الإعتراف بأن هذه الحملة الإعلامية، تؤدي دورها بصبر وعناد "وشجاعة" مضافا إلى الفصاحة في اختيار الكلمات، والبلاغة في انتقاء المعاني والعبارات.. ومن هنا انطلقت شعارات: السلام القائم على العدل، والجلاء الكامل عن الأرض العربية من غير قيد أو شرط، وتحقيق المطالب المشروعة للشعب الفلسطيني، وإنشاء وطن قومي فلسطيني تقوم فيه دولة فلسطينية يرتفع عليها علم فلسطين، وتحرير القدس العربية.. وما إلى ذلك من الشعارات المجيدة التي تثير في وجدان المواطن العربي أحلى أحلامه، وتريحه من أشد آلامه.

        ورغما عن أن هذه الحملة الإعلامية تلف المواطن العربي من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، فإنه يقابل الخطب والبيانات والشعارات الصادرة عن الحكم العربي المعاصر بالكثير من الحذر والقلق.. ذلك أنه يحس بإدراكه الفطري السليم أن "الانتصارات والمكاسب" التي يقرأ عنها ليل نهار أكبر من حجمها الحقيقي بمرات ومرات، إذا وضعت في المكيال الصحيح، والميزان الصادق الأمين.

        وينتقل المواطن العربي، بعد ذلك، من الحذر والقلق، إلى الشك والريب، حينما تطالعه أجهزة الإعلام العالمية بأخبار عن بلاده لا يقرؤها في صحف بلاده، وتعليقات عن مصير وطنه لا يسمعها في صحف وطنه.. بل إنه واجد في تصريحات رؤساء دول أجنبية في المشرق والمغرب، ما لا يجده في تصريحات رؤسائه، وقد أشرفوا على العشرين، ملكا ورئيسا..

        وليس هذا حكما شاملا على وجه الإطلاق، فلا يخلو أن يقرأ المواطن العربي شيئا آخر بين السطور هنا وهناك في الوطن العربي.. أو أن يكون هذا القطر أكثر حرية من قطر آخر أو أقل انغلاقا.. وهذه حالة من الرحمة على كل حال.

        ومن أجل ذلك ازداد المواطن العربي إلحاحا على السؤال الحائر.. إلى أين تسير القضية العربية في ظروفها الراهنة، إذا استمرت مسيرتها في الفلك الذي تدور فيه.. وأين ستكون نهاية هذه المسيرة.. وإلى أين يقودنا مؤتمر جنيف، وقد أصبح على الأبواب، وربيع عام 1977 يسير بخطى وئيدة، وهل سيكون ربيعه مزهرا مثمرا، أم ينتهي إلى خريف تتساقط فيه الأوراق !!

        وإن البحث عن "النهاية" لا بد فيه من التعرف على "البداية" ذلك أن المسيرة، أية مسيرة حتى ولو كانت خطا هندسيا، يمكن الحكم فيها على النهاية من البداية، إذا استمر "السير" يسلك نفس الطريق خطوة بعد خطوة... ومن هنا أصبح لا بد لنا أن نتعرف على "بداية" المرحلة الحاضرة حتى نستشف معالم النهاية، وحتى نلم بالإطار الحقيقي لمؤتمر جنيف، والنتائج التي سيرسو عليها.

        وهنا لا بد لنا من وقفة غير قصيرة نتبين فيها صورة الماضي القريب، القريب جدا، فإن المرحلة الحاضرة هي امتداد كامل، كالخط الهندسي تماما، لذلك الماضي البغيض، الذي لا نزال نعيشه حتى اليوم متقمصا في المرحلة الراهنة التي نسير في ركابها حتى يومنا هذا.. ومن غير مقدمة أو ديباجة، فإني أبادر إلى القول أن الماضي القريب الذي أعنيه هو معركة الأيام الستة.

        ولست أعني "بالمعركة" حرب الأيام الستة فهذه قد تابعت الأمة العربية أخبارها بالهلع والهول، وهزت ضميرها إلى الأعماق، كما لم يفعل أي حدث تاريخي منذ أن غزا الصليبيون والتتار الوطن العربي في القرون الوسطى، ولكني أقصد معركة سياسية ضارية نشبت في الأمم المتحدة في نيويورك، وكانت مواكبة لحرب الأيام الستة، ساعة بساعة.. وانتهت إلى نفس النتيجة.. هزيمة عسكرية فادحة في الوطن العربي، وهزيمة سياسية فاضحة في المنظمة العالمية.

        ولقد كتبت عن حرب الأيام الستة كتب ومقالات، عربية وإفرنجية، تناولت تلك الأيام الرهيبة بالتفصيل الوافي.. ولكن معركة الأيام الستة- السياسية في الأمم المتحدة، لم يكتب عنها إلا النزر اليسير، ولم تعرف الأمة العربية الكثير عن حقائقها وأسرارها.. وأصبح من الواجب الكشف عن جوانبها المختلفة.. وهذا الكشف بذاته سيكشف لنا "الأرض" التي يقوم عليها مؤتمر جنيف بكل أبعاده وزواياه..

        وليس القصد العودة إلى التاريخ نسرد وقائعه وتفاصيله.. ليس هذا هو القصد إطلاقا.. القصد هو أن ندرس الحاضر القائم أمامنا، الحاضر الذي يعالجه الحكم العربي المعاصر، بطريقته الخاصة.. وأخيرا فإنه الحاضر الذي تبحث الأمة العربية عن مسيره ومصيره، وعن غايته ونهايته..

        ومن هنا فإن الوقوف عند "الماضي" القريب، ليس وقوفا على الأطلال، ولا بكاء على الديار، ولكنه استرجاع لمرحلة ماضية لم يقفل التاريخ عليها دفتيه، فإنها الماضي والحاضر والمستقبل.. فذلك "الماضي" لا يزال نابضا بالحياة، وحين نضع يدنا على "النبض" سنجده واقعا حيا، يتمثل في "الأمر الواقع" الذي تضج منه الأمة العربية..

        ومعركة الأيام الستة، السياسية في الأمم المتحدة، إنما تمثل مشهدا مثيرا في "الملهاة المأساة" الدولية التي تم تأليفها وإخراجها وتمثيلها على المسرح الدولي تحقيقا لقصد واحد، وهو أن تنشغل الأمة العربية عن الهزيمة التي سحقت فؤادها، وتنشد أبصارها صوب المسرح العالمي لتسمع أخباره يوما بعد يوم، وهو هدف "ألف ليلة وليلة" في إشغال الشعب عن السلطان.

        وسنرى ونحن نتابع مجريات تلك الأيام، وذكريات تلك "الملهاة المأساة" أنها تقع في عدة مشاهد.. يتعاقب عليها الستار مشهدا بعد مشهد !!

        وعلى المواطن العربي، ليعلم أين تسير القضية العربية في هذه الأيام، أن يعود إلى المشاهد كلها، يحملق عينيه ليراقبها من البداية إلى النهاية، ويفتح أذنيه ليستمع إلى أبطالها وهم يحاورون ويناورون.. وهناك سيرى الحقائق الخلفية لمؤتمر جنيف وماذا يبيِّته مؤتمر جنيف للأمة العربية، وللشعب الفلسطيني بالذات وسيرى المواطن العربي القضية العربية وهي تنتقل من مشهد إلى مشهد طيلة عشر سنوات، في أروقة الأمم المتحدة، وفي ميادين العمل العربي من قمة الجزائر إلى قمة الرباط، ومن القمة السداسية في الرياض، إلى القمة الكاملة في القاهرة.. كل ذلك في مسيرة متصلة تجاوزت في عمرها عشر سنوات طوال عراك من 1967 إلى عام 1977، تنتقل الأمة العربية خلالها من هزيمة إلى هزيمة، يقودها الحكم العربي المعاصر، في موكب فخيم من أقواس النصر ولا نصر، وعلى ضجيج لا ينتهي من أناشيد الظفر، ولا طفر، ولا يعدو الأمر أكثر من مكاسب إعلامية محدودة جاءت نتيجة تنازلات أساسية في المبادئ القومية. ولا يبقى في هذه المسيرة إلا قافلة المظلوم الأكبر.. حرب أكتوبر المجيدة، والشهداء الأبطال، والأمة العربية الباسلة.

        لقد كانت حربا مجيدة حقا، في توقيتها وإعدادها والتخطيط لها، وتألقها الوهاج في الميدان.

        ولقد رسمت تلك الحرب خطا بيانيا، رفيعا شامخا، للإنسان العربي، وللجندي العربي بالذات، ولكن الخط البياني السياسي الذي جاء بعدها كان دون ذلك بكثير..

        واليوم، وبعد هذه السنوات العشر، يبرز أمام الأمة العربية والشعب الفلسطيني بالذات مؤتمر جنيف. المؤتمر الذي يصفه الحكم العربي المعاصر بأنه سيبحث "جوهر القضية الفلسطينية".. وأنه سيحقق سلاما شريفا عادلا ودائما، وسيعطي الشعب الفلسطيني "حقوقه الوطنية المشروعة"، وسيمنحه "وطنا قوميا" يقيم عليه "دولة فلسطينية" إلى آخر هذه العبارات المزخرفة المزركشة، ذات الطنين والرنين، والخالية من المضامين !!

        وإذا كان مؤتمر جنيف سيولد في عام 1977، فالواقع التاريخي أن أمه قد حملته في عام 1967 بعد حرب الأيام الستة وامتد هذا الحمل عشر سنوات طوال مليئة بالمخاض والمعاناة.

        وليتعرف المواطن العربي على النهاية لا بد أن يعود إلى البداية.

        ولنعد إلى البداية.. إلى الأمم المتحدة، لنرى كيف بدأت الملهاة المأساة.. ولماذا ؟؟؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


                                       

 

مؤتمر جنيف..

بذوره وجذوره

 

        وكما تبدأ التمثيليات، عادة، بالأحداث المثيرة، حتى ينشد انتباه الجمهور من البداية، فقد بدأ مجلس الأمن في مناقشة حرب الأيام الستة بداية مثيرة، ففي الساعة الثالثة والدقيقة العاشرة (حسب توقيت نيويورك) قبيل فجر اليوم الخامس من يونيو 1967 استيقظ رئيس مجلس الأمن (مندوب الدانمارك) من فراشه على جرس التلفون ليبلغه مندوب إسرائيل الدائم رسالة يقول فيها "لقد تلقيت الآن تقارير بأن القوات الجوية والبرية المصرية قد تحركت ضد إسرائيل، والقوات الإسرائيلية هي الآن منشغلة في صد القوات المصرية.." ثم تلا المندوب الإسرائيلي بلاغا صادرا عن وزارة الدفاع الإسرائيلية يقول فيه "منذ الساعات المبكرة من هذا الصباح نشب قتال عنيف بين القوات الجوية والمدرعة المصرية التي تقدمت ضد إسرائيل، وقواتنا التي تحركت لاحتوائها..." هكذا بكلام البلاغ الإسرائيلي.

        كان ذلك ما نقله المندوب الإسرائيلي إلى رئيس مجلس الأمن حينما كانت القوات الإسرائيلية تقوم بهجومها على المواقع المصرية في فجر الخامس من يونيو، ذلك الشهر المشئوم.

        وفي الساعة الثالثة والدقيقة الثلاثين، نهض رئيس مجلس الأمن من فراشه مرة ثانية ليبلغه مندوب مصر الدائم أن "إسرائيل ارتكبت عدوانا غادرا متعمدا على الجمهورية العربية المتحدة هذا الصباح.. لقد قام الإسرائيليون بهجمات على قطاع غزة، سيناء، مطارات القاهرة، منطقة القناة، ومطارات متعددة أخرى في الجمهورية العربية المتحدة... إن الجمهورية العربية المتحدة قد قررت أن تدافع عن نفسها بكل الوسائل بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة".. وهكذا كان مندوب إسرائيل سابقا في الشكوى.. مصداقا للقول الشهير: "ضربني وبكى وسبقني واشتكى".

        وفي الساعة التاسعة والنصف من صباح ذلك اليوم، انعقد مجلس الأمن بناء على دعوة رئيسه، وسط جو مشحون بالتوتر وأبصار العالم مشدودة نحو الشرق الأوسط.

        وتكلم مندوب إسرائيل أولا وسرد البلاغات الصادرة عن إسرائيل، مرددا ومعيدا ومؤكدا، أن القوات المصرية قد بدأت بالعدوان وأنه "لم يكن أمام إسرائيل إلا أن تهب للدفاع عن وطنها وشعبها".

        وتكلم بعده مندوب مصر، فنقل إلى مجلس الأمن الوقائع والتفاصيل التي أبرقت بها القاهرة "عن العدوان الضاري الغادر الذي قامت به القوات الإسرائيلية برا وجوا..".

        وبلغت الساعة الحادية عشرة والربع (حسب توقيت نيويورك) وسكت المجلس سكوت أهل الكهف.. فلم يتكلم أحد من مندوبي الدول العظمى، ولا الصغرى.. وأعلن رئيس المجلس تأجيل الجلسة إلى الساعة العاشرة والدقيقة العشرين مساء.. وهكذا انقضت الجلسة على المرحلة الأولى من المؤامرة الدولية على الأمة العربية.

        ولست أستخدم لفظ "المؤامرة" بصورة عفوية، بعد أن شاع استعمالها حتى أصبحت مبتذلة، ولكني أقصدها قصدا علميا تتوافر كل القرائن والدلائل على صحته ودقته.. وأرقام الساعات التي أوردتها هي أول هذه الدلائل.

        لقد انعقد مجلس الأمن بعد ست ساعات من وصول "البلاغات" عن الحرب، والفرضية الطبيعية أن الحرب قد اندلعت قبل هاتيك البلاغات، ومع ذلك فإن مجلس الأمن لم ينعقد فورا.. والسوابق الدولية منذ عهد عصبة الأمم البائدة إلى عهد الأمم المتحدة الحاضرة تقضي أن يدعى المجلس للانعقاد بصورة فورية، ويستدعى أعضاء المجلس من فراشهم.. فإن السلام كالصلاة، خير من النوم.

        ولكنه كان نوما مقصودا، فقد كان مجلس الأمن في حالة انعقاد دائم في الأسبوعين الماضيين لمعالجة "أزمة الشرق الأوسط" بسبب إغلاق خليج العقبة، وإخراج قوات الطوارئ الدولية والاستعدادات العسكرية التي كانت قد اتخذتها مصر في حينها.. بل إنه في يوم السبت في الثالث من يونيو حزيران كان المجلس منعقدا وأعلن رئيسه عند انتهائه "أن يكون مفهوما بأن يظل الأعضاء على استعداد لجلسة طارئة قبل يوم الاثنين في الخامس من يونيو، إذا تطلبت ذلك أية تطورات جديدة.."(1)!!

        وكائنا ما كان الأمر، فإنه حين انعقدت جلسة الخامس من يونيو، كان

اثنان من الأعضاء على علم كامل بكل ما جرى في ساحة القتال... كانت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي يعلمان أن كفة الحرب راجحة في اتجاه إسرائيل.. وأن الجبهة المصرية قد احترقت، وأن سلاح الجو المصري قد دمر معظمه، وأن الجبهة الأردنية قد سحقت.. وأن الجبهة السورية تنتظر دورها.

        وليس هذا الافتراض من نسيج الخيال، فهو الحقيقة المؤكدة، فالأقمار الصناعية الأمريكية والروسية، وأساطيلهما البحرية والجوية تعرفان سير الحرب أكثر مما يعرفها الفريقان المتحاربان، وباخرة التجسس الأمريكية "ليبرتي" التي ضربتها القوات الإسرائيلية "خطأ" وهي على مقربة من شواطئ سيناء، هي دليل آخر على المؤامرة..

        ورغما عن ذلك كله، ففي الجلسة الأولى لمجلس الأمن صمت المستر جولدبرج، المندوب الأمريكي، اليهودي الصهيوني، ليعطي الفرصة الكاملة لإسرائيل حتى تستكمل انتصارها على دول المواجهة الثلاثة مصر وسوريا والأردن... وكذلك فقد سكت المندوب الروسي المستر فدرنكو، ليتحدث إلى زميله الأمريكي وراء الكواليس.. وهكذا لم يكن الصمت من ذهب في ذلك اليوم، ولكنه كان صمت النار والدمار..

        واستؤنفت الجلسة في المساء، على صفحة ثانية من المؤامرة، ويعلن رئيس الجلسة "أن المشاورات مستمرة، ولا تزال، وستظل إلى صباح الغد، وستؤجل الجلسة إلى الغد الساعة الحادية عشرة ونصف"... وإذا أضفنا سبع ساعات فرق التوقيت، فهذا الموعد يوافق مساء يوم الثلاثاء في الشرق الأوسط، ليعطي إسرائيل مزيدا من الوقت لتصفية بقايا المعركة على الجبهتين المصرية والأردنية، ثم تتفرغ للجبهة السورية.

        وفي مزيد من النكاية بالأمة العربية، وإلحاق الذل بجيوشها.  فإن الجلسة الموعودة (1348) لم تنعقد في الموعد المتفق عليه، بل انعقدت بعد سبع ساعات في الساعة السادسة والنصف من يوم الثلاثاء في السادس من يونيو.. وكانت كل ساعة بل كل دقيقة، لها حسابها في مصير المعركة، وفي مصير الشرق الأوسط لأعوام وأعوام، وربما لأجيال وأجيال..

        وفي بداية الجلسة أعلن الرئيس أنه "نتيجة للمشاورات التي تمت منذ صباح الأمس فقد تم الاتفاق بالإجماع على مشروع قرار يدعو بصورة عاجلة إلى وقف إطلاق النار".. وتلا الرئيس مشروع القرار، فأشار الجميع بأيديهم بالموافقة، وتنص مادته الرئيسية، بعد الديباجة، أنه "يطلب من الحكومات المعنية كخطوة أولى اتخاذ إجراءات لوقف النار فورا، ووقف كل نشاط عسكري في المنطقة"(1).

        وتعاقب أعضاء المجلس على الكلام "يشرحون" تصويتهم، وهو أسلوب يتبع في الأمم المتحدة يبين فيه الأعضاء مواقفهم ومفهومهم لأي قرار يتخذ من قبل المنظمة الدولية.. فتكشفت جوانب جديدة من المعركة السياسية في نيويورك، التي كانت تواكب المعركة العسكرية على الأرض العربية.

        كان المندوب الأمريكي أول المتحدثين، وصدق فيه القول المأثور "كاد المريب أن يقول خذوني" فقد ألقى خطابا طويلا أعلن فيه أن أمريكا بريئة من الاتهامات الشائعة في الوطن العربي حول دورها في مساندة العدوان الإسرائيلي وأن الأسطول الأمريكي السادس في البحر الأبيض المتوسط لم تكن له أية علاقة في المعركة، وأكد أن الولايات المتحدة تريد إعادة السلام إلى منطقة الشرق الأوسط، والاحتفاظ بصداقة دول الشرق الأوسط جميعا، ومن غير استثناء"(!!) وختم كلامه مناشدا الجميع "بأن يبذلوا نفوذهم لتنفيذ القرار الصادر اليوم من مجلس الأمن بوقف إطلاق النار فورا"... ولو كانت هذه الرغبة صادقة من جانب أمريكا لما وقع العدوان الإسرائيلي أصلا، وأمريكا تملك كل الوسائل لتحقيق هذه الرغبة، قبل العدوان وبعده... لو كانت تريد ذلك.. وأنى لها أن تريد..

        وتحدث المندوب الروسي بلهجة غاضبة، فأدان العدوان الإسرائيلي الذي قامت به "العناصر الاستعمارية" ودعا إسرائيل إلى وقف إطلاق النار وسحب قواتها العسكرية إلى ما وراء خطوط الهدنة، وأنه كان يجب على مجلس الأمن أن يتضمن قراره الإدانة والانسحاب، لولا "معارضة بعض الدول".. وكان الخطاب الروسي مؤيدا للموقف العربي، على طول الخط، لولا أن المعركة كانت يومئذ في حاجة إلى غير خطاب من روسيا.. بل أنها لو اتخذت موقفا صلبا عنيدا مع أمريكا لجاء قرار مجلس الأمن مطالبا إسرائيل وتحدث المندوب البريطاني، مدافعا عن حكومته، كما فعل المندوب الأمريكي، وأن ما يقال في الوطن العربي عن مشاركة "دولتي العدوان" لا يمت إلى الحقيقة بصلة، وناشد المجلس أن يهيئ نفسه للقيام بدور السلام بعد تنفيذ وقف إطلاق النار.

        وألقى أبا إيبان وزير خارجية العدو خطابا طويلا أشاد فيه "بالموقف البطولي الذي قامت به إسرائيل دفاعا عن أمنها وسيادتها في وجه الدول العربية المتطلعة إلى تدميرها وإزالتها من الوجود".. ثم دفعته الخيلاء والغطرسة فأعلن أنه "لن يكون هناك شرق أوسط من غير إسرائيل، دولة ذات سيادة في وسط الشرق الأوسط.. وإن وجود إسرائيل بديهية لا تحتاج إلى دليل.. ويجب أن تزول أسطورة عدم وجود إسرائيل.. وهذا معناه الإعتراف من قبل الجيران بالجذور الأصلية لوجود إسرائيل في الشرق الأوسط وأن إسرائيل قد أثبتت صمودها وقوتها، وهي الآن مستعدة لأن تثبت غريزتها في السلام.." وختم خطابه "بأن إسرائيل ترحب بوقف إطلاق النار بالصيغة التي تمت صياغتها في قرار مجلس الأمن"..*.

        وماذا تريد إسرائيل خيرا من هذا القرار وبهذه الصياغة.. إنه خال من أية إشارة لإسرائيل وعدوانها، وقد ساوى بينها وبين الدول العربية المعتدى عليها.. وليست فيه إدانة، ولا مطالبة بالإنسحاب من الأراضي العربية.. والصمت عن هذه الأمور من جانب مجلس الأمن، إنما هو تأييد للإحتلال الإسرائيلي، وأن إسرائيل تستطيع أن تجني ثمرة عدوانها، فلا تنسحب إلا وفق شروطها، وتبقى الأرض العربية في قبضة إسرائيل إلى أن تستجيب الدول العربية لنداء السلام كما تريده إسرائيل.

                ولقد أفلح المندوب الأمريكي ومعه المندوب الإسرائيلي، ومعهما الجمهور اليهودي المحتشد في أروقة مجلس الأمن ليصفق ويهتف في تلك الأيام وفي جميع الأيام التالية نجح هؤلاء جميعا في أن يفرضوا على سائر أعضاءمجلس الأمن هذه "المعادلة الدولية" في أن تظل إسرائيل محتلة للأرض العربية إلى أن تخضع الدول العربية للسلام، كما تريده إسرائيل وأنصار إسرائيل.

        وتحدث مندوبا بريطانيا وفرنسا في الهوامش والفروع، وصمت العضو الرابع، مندوب الصين، فلم تكن الصين الشيوعية قد حلت محلها..

        وطالب مندوب الحبشة بإعلان القدس مدينة مفتوحة، فلم يتحرك أحد من الأكثرية المسيحية في المجلس، وعلى رأسهم حماة المسيحية القدامى، بريطانيا وفرنسا..

        واستبسل مندوبو الدول العربية، يساندهم مندوب بلغاريا، مطالبين بإدانة إسرائيل وجلائها عن الأرض العربية.. ولكن الحكم العربي المعاصر وراءهم في الوطن، لم يستبسلوا في الدفاع عن الوطن.

        وألقى مندوب الهند بيانات رائعة، في تأييد المطالب العربية، ولكن المهزومين في ميدان المعركة، لا ينفعهم القانون، ولا يسعفهم المنطق في المحافل الدولية.

        وفي نهاية الخطب أعلن رئيس المجلس "أن القرار قد أبلغ برقيا إلى العواصم المعنية ونرجو أن ينفذ وقف إطلاق النار من غير إبطاء..".

        وانفضَّ المجلس في منتصف الليل الساعة 11.20 في توقيت نيويورك وهذا معناه في الشرق الأوسط فجر اليوم السابع من يونيو، لتزداد القوات الإسرائيلية زحفا وتوغلا في الأرض العربية.

        وانعقد المجلس في جلستين متعاقبتين (1349-1350) في الساعة الواحدة من بعد ظهر يوم الأربعاء في السابع من يونيو، وكان ذلك بناء على طلب عاجل من المندوب الروسي، فقد شكا أن إسرائيل لا تزال مستمرة في عدوانها، وأنها لم تنفذ قرار وقف إطلاق النار.. ويجب إصدار قرار جديد، يحدد هذه المرة الساعة العشرين حسب توقيت جرينتش لتنفيذ التوقف عن القتال..".

        وطالب المندوبون العرب "أن تعود القوات الإسرائيلية إلى خطوط الهدنة" ولكن أحدا لم يلتفت إلى هذا المطلب الأساسي، وأصدر المجلس بالإجماع قرارا جديدا يطالب "الحكومات المعنية بوقف إطلاق النار والامتناع عن أي نشاط حربي كخطوة أولى، وذلك في تمام الساعة العشرين (توقيت جرينتش) في 7 يونيو 1967" (القرار رقم 234/1967).

        وهكذا امتنع مجلس الأمن مرة ثانية عن مخاطبة إسرائيل، بالكف عن القتال، فإن مصر والأردن كانتا قبلتا قرار مجلس الأمن، ورفضت سوريا الاستجابة للقرار، ذلك أن المعركة لم تبدأ يومئذ على الأرض السورية.. فقد كانت الخطة الإسرائيلية تهدف إلى أن تنفرد بالدول العربية واحدة بعد الأخرى.. وكان لها ما أرادت..

        وأيقن أبا إيبان وزير خارجية العدو، أن مجلس الأمن قد أعطى الضوء الأخضر لإسرائيل، فغادر نيويورك على أول طائرة إلى تل أبيب ليحض القوات الإسرائيلية على تصفية آخر الجيوب في الجبهتين المصرية والأردنية، ولتتفرغ إلى الجبهة السورية لتحتل منها ما تشاء، فقد ترك مجلس الأمن من ورائه في قبضة الولايات المتحدة يبادلها الاتحاد السوفييتي الاتهامات.. وكفى.

        وليس هذا اتهاما "وطنيا" طائشا على الولايات المتحدة، ولكنه اتهام قانوني علمي تتوافر الدلائل لإثباته، مما لا تستطيع هذه الدراسة الموجزة أن تسردها بالتفصيل.. ويكفي أن نشير إلى التصريح الشهير الذي أعلن فيه نائب الرئيس نيكسون بأن "إسرائيل لا تحتاج إلى معاهدة تحالف مكتوبة مع الولايات المتحدة فإن التحالف موجود بروحه" وكذلك ما قاله وزير الدفاع الأمريكي إلى ليفي اشكول رئيس وزراء إسرائيل قبل خمسة أسابيع من حرب الأيام الستة، من أنه "لا حاجة لإسرائيل أن تطلب أسلحة أو تنفق أموالها على شراء الأسلحة.. فإن الأسطول السادس هناك في الشرق الأوسط".. وكلا هذين التصريحين استشهد بهما الخطباء في مجلس الأمن، ولم يستطع المندوب الأمريكي أن ينكرهما، أو أن يقدم لهما تفسيرا أو تبريرا، معقولا أو حتى غير معقول(1).

        وجاء يوم الجمعة (9 يونيو) فكان يوما رهيبا، في الجولان وفي نيويورك معا.. ذلك أن القوات الإسرائيلية، قد تفرغت للجبهة السورية بعد أن فرغت من الجبهتين المصرية والأردنية، وقامت الطائرات والمدرعات الإسرائيلية بهجوم ضار شمل جميع المواقع السورية، وأخذت المعركة تتطور لصالح إسرائيل ساعة بعد ساعة.

        وانعكست هذه الصورة الرهيبة بصورة كئيبة على مجلس الأمن في نيويورك، فقد وصلت أربع برقيات من وزير الخارجية السوري السيد إبراهيم ما خوس في خلال أربع ساعات وكانت كلماتها صائحة بالاستنجاد، صارخة بالاستغاثة، والبرقية الأولى تؤكد قبول سوريا لقرار وقف إطلاق النار، وأن ذلك أعلن من إذاعة دمشق، والثلاثة الأخرى تتضمن تفاصيل العدوان الإسرائيلي وتناشد مجلس الأمن أن يلزم إسرائيل بالكف عن العدوان والتقيد بقرار مجلس الأمن.

        وفي الساعة السادسة من صباح ذلك اليوم اتصل الوفد السوري برئيس المجلس يطلب عقد جلسة مستعجلة، ولكن رئيس المجلس عقد الجلسة بعد ست ساعات ونصف الساعة 12.30 ظهرا يصادف ذلك مساء الجمعة بتوقيت دمشق حين كانت الطائرات والمدفعية والمصفحات الإسرائيلية تقصف المراكز السورية في كل القطاعات.

        ووقع العبء الأكبر في مجلس الأمن، على الوفود العربية، وخاصة الوفد السوري لمعالجة الموقف في يوم الجمعة "الحزينة"، فاستنزفوا كل كلمة في الميثاق، وكل مرجع في القانون.. وكل دمعة في مآقيهم حين كانوا بعيدين عن الأبصار.. وأنا أعلم هذا علم اليقين..

        وخاض الوفد السوري معركته، وهو يعلم أنها خاسرة، ففي اليوم السابق الخميس عقد مجلس الأمن جلسة طويلة (1351) امتدت قرابة أربع ساعات، ألقى خلالها المندوبون بيانات ضافية، ولم يستطع المجلس أن يتفق على قرار واحد يصد الهجمة الإسرائيلية عن أراضي ثلاث دول عربية، هي أعضاء في الأمم المتحدة، مكفولة ومصونة سيادتها على أراضيها بموجب أحكام الميثاق!!

        وامتد النقاش في مجلس الأمن، بعد ذلك، على مدى جلستين متعاقبتين (1352-1353) خطب فيها مندوبو روسيا والاتحاد السوفييتي وبلغاريا وبريطانيا والهند، بالإضافة إلى الوفود العربية.. وكان المندوب السوري "يزود" المجلس بالبيانات التفصيلية عن الهجوم الإسرائيلي ساعة بساعة، ذاكرا المواقع السورية التي تقصفها إسرائيل واحدا بعد الآخر.. وفي كل ساعة كان يتلقى إشارة تلفونية من دمشق تحدد المواقع التي وصل إليها الإسرائيليون، فيبلغها إلى مجلس الأمن من حين إلى حين.. ومن هذه البيانات أن القوات الإسرائيلية تشق طريقها إلى دمشق وما يكاد المندوب السوري ينقل هذا النبأ الصادع حتى يضج الجمهور اليهودي في ردهات المجلس بالابتهاج، ويطلب إليهم الرئيس التزام الهدوء والنظام(1).

        وخاض المندوب الإسرائيلي، يسانده المندوب الأمريكي، في غمرة مهزلة كبرى، فأعلن غير مرة أنه يكذب المندوب السوري، وأن إسرائيل ملتزمة بوقف إطلاق النار، وأن سوريا هي التي تقصف المواقع الإسرائيلية، وأن القوات الإسرائيلية لا تطلق النار إلا دفاعا عن النفس، وأنها مع ذلك، مستعدة أن تؤكد التزامها بقرار مجلس الأمن بشرط.. بشرط أن تذعن سوريا من جانبها وتوقف إطلاق النار!!

        وتلقف المندوب الأمريكي "الكرة" من يد المندوب الإسرائيلي، فألقى خطابا طويلا أعلن فيه أن "الموقف يشوبه الغموض، وأن الأخبار متناقضة.. وأنه يجب القيام بتحقيق دقيق على الطبيعة، وأن المجلس لا يستطيع أن يتخذ إجراء قبل أن يتلقى دلائل قاطعة، وأنه يجب الانتظار (!!) ريثما تصل التقارير النهائية من مراقبي الهدنة.." إلى آخر هذه المماحكات والتعللات.

        أما المندوب البريطاني، فقد اكتفى ببيان موجز، فتحدث في عبارات مختارة ومعانٍ منتقاة، فأبدى حزنه وفجيعته على الضحايا البريئة، ولكن.. ولكن مجلس الأمن لا يستطيع أن يعمل على أساس إشاعات، "ودلائل سماعية"!!

        وكانت الصحافة العالمية، وخاصة صحافة نيويورك، التي كانت بأيدي أعضاء مجلس الأمن، تتحدث كلها على لسان مراسليها في الميدان عن المعركة الضارية التي تشنها القوات الإسرائيلية على المواقع السورية، وفي تلك الصحف خرائط واضحة تبين المراكز التي احتلتها إسرائيل في قلب الأراضي السورية.

        وعبثا حاول الوفد السوري أن يستصدر قرارا من المجلس يطلب إلى إسرائيل أن توقف القتال وتنسحب من الأراضي السورية التي احتلتها، بعد أن ألقى على طاولة المجلس كل ما بيديه من برقيات، وقصاصات صحفية، ومراجع قانونية، وصيحات استصراخ واستغاثة، وقال في ختامها "أن القوات الإسرائيلية تزحف الآن في اتجاه دمشق، وهي أقدم مدينة في التاريخ الإنساني لا تزال حية قائمة إلى يومنا هذا".

        وكانت حصيلة هاتين الجلستين (1352-1353) أن أصدر مجلس الأمن قرارا ثالثا رقم (235/1967) يعلن بعبارات متكاسلة متخاذلة أنه "يؤكد قراراته السابقة بشأن وقف إطلاق النار فورا ووقف الأعمال العسكرية ويطلب وقف الأعمال العدائية فورا..".

        وأثبت مجلس الأمن بقراره هذا أنه مأساة وملهاة دولية معا.. فهو لم يتحدث عن إسرائيل إطلاقا، وهي التي تغزو الأراضي السورية على مشهد ومسمع من العالم أجمع، وهو يطلب إلى سوريا "وقف الأعمال العدائية" كما يطلب من إسرائيل.. ليستوي الجاني والمجني عليه.. بل ليتوقف المجني عليه عن الدفاع عن نفسه، ويمضي المعتدي في عدوانه دون أن يصده أحد..

        وانتهت الجلسة في الساعة العاشرة والدقيقة الخمسين ليلا.. لينام مجلس الأمن ليلة أخرى، وتغزو إسرائيل من الأرض السورية ما تشاء، إلى حيث تشاء.

        ولست أذكر ساعة انفضاض الجلسة، حشوا أو لغوا، بل قصدا وعمدا، ذلك أنه لم تمض ثلاث ساعات، والأعضاء مسترسلون في نومهم العميق، حتى اتصل الوفد السوري في الثانية بعد منتصف الليل برئيس المجلس ليعلمه بأن "الحالة قد ازدادت سوءاً وخطورة، وأن القوات الإسرائيلية قد احتلت القنيطرة وهي الآن في طريقها إلى دمشق.. وأن رئيس الوزراء السوري يطالب بعقد جلسة طارئة للمجلس.." وانعقد المجلس في الساعة الرابعة صباحا من فجر يوم السبت (11 يونيو) والأعضاء يحملقون عيونهم في وجه الوفد السوري، وآذانهم مع الوفد الإسرائيلي.. ولتمض الحرب إلى غايتها.

        وكان يوم السبت، ذاك، أطول يوم في عمر مجلس الأمن منذ أن نشأت الأمم المتحدة في أواسط الأربعينات، فقد انعقد المجلس في ثلاث جلسات متوالية (1354-1356)، فعقدت الأولى في الساعة الرابعة من صباح السبت، في الساعة الثامنة والدقيقة العاشرة من نفس الصباح, والثانية في الساعة التاسعة والدقيقة الخامسة عشرة من مساء ذلك اليوم.. وامتدت الجلسة إلى الساعة الثانية والدقيقة الأربعين من اليوم التالي الأحد 11 يونيو.. وأرجو أن لا يضجر المواطن العربي من هذا التدقيق في الأرقام والتاريخ.. ففي كل دقيقة، وساعة، ويوم، تكمن المؤامرة الكبرى على الأمة العربية، كما تتضح الغفلة الكبرى للحكم العربي المعاصر، فإن كان يدري ما يجري في مجلس الأمن، فإنها مصيبة، وإن كان لا يدري فالمصيبة أعظم.

        وأفاض المندوب السوري في سرد الوقائع، صائحا في وجه المجلس بأن "القوات الإسرائيلية تهاجم القوات السورية، حين أتحدث إليكم في هذه الساعة، على هضاب الجولان، وأعني بذلك الأراضي السورية.. وهي تحاول اختراق الجبهة السورية للوصول إلى دمشق.. وإسرائيل تفعل ذلك رغما عن القرارات الثلاثة التي أصدرها مجلس الأمن بوقف إطلاق النار" وندد المندوب السوري بموقف الولايات المتحدة الذي يستهدف تعطيل حركة المجلس، ورد المندوب الأمريكي بأن الولايات المتحدة "تسعى للسلام، وأنها تبذل كل نفوذها في المنطقة لوقف إطلاق النار"... وتولى المندوب الروسي يؤيده زميله المندوب البلغاري تفنيد المزاعم الأمريكية وأعلن للمجلس بلغة الوعيد والتهديد بأنه "إذا لم ينهض مجلس الأمن بواجباته ويوقف العدوان، فإن ذلك يحدث حالة خطيرة جدا تقع مسئوليتها على عاتق الذين يمنعون المجلس من إصدار القرارات اللازمة" (1) ولم يبال المندوب الأمريكي بهذا التهديد، فهو يعرف المدى الذي يصل إليه الموقف الروسي، وفضلا عن ذلك فإن المعركة قد انتهت لصالح إسرائيل، ولم يبق لها إلا يوم أو بعض يوم..

        ورد المندوب الإسرائيلي بالجواب التقليدي بأن إسرائيل "تقوم بالإجراءات العسكرية التي يقتضيها الدفاع عن النفس في وجه القوات السورية التي تواصل قصفها للقرى الإسرائيلية.."!!

        وتحدث بعض المندوبين، وصمت البعض الآخر.. وامتد النقاش طويلا، حتى أدرك شهرزاد الصباح، وسكتت عن الكلام المباح، ولست أجد غير هذا الكلام الساخر الماجن لأصف سلوك مجلس الأمن في ذلك اليوم، فقد تجاوزت الجلسة منتصف الليل، وانفضت في الساعة الثانية والدقيقة الأربعين من صبيحة يوم الأحد.. على غير قرار.. فكان ذلك دعوة مكشوفة لإسرائيل بأن تواصل عدوانها، إلى أن تبلغ كامل أهدافها في جميع الميادين.

        وكان ذلك ما حصل فعلا ، فقد انطلقت القوات الإسرائيلية تقصف وتقذف، وتحرق وتقتل وتدمر، وما لها لا تفعل هذا وأكثر من هذا، ومجلس الأمن بالأمس، وضع على عينيه نظارة الميدان يراقب المعركة من نيويورك، ليرى إسرائيل تقتحم الميدان وتغزو الأرض السورية جبلا بعد جبل وموقعا بعد موقع.

        واستغاث المندوب السوري للمرة الأخيرة فاتصل برئيس المجلس طالبا عقد جلسة عاجلة، فانعقدت في الساعة العاشرة والنصف ليلا 11 يونيو 1967 وتقدم المندوب السوري ببيانات جديدة عن اعتداءات إسرائيلية جديدة.. ورد المندوب الإسرائيلي "بأن كل شيء هادئ في الميدان.. وأن إسرائيل ملتزمة بوقف إطلاق النار، وأن إجراءاتها العسكرية قاصرة فقط (!!) على إسكات المواقع السورية التي تطلق النار من حين لآخر.." وتكلم المندوبان الروسي والأمريكي مكررين مواقفهما المعروفة.

        وفي هذه الجلسة (1357) انزلقت من لسان المندوب البريطاني عبارة "خطوط وقف إطلاق النار لأول مرة في مناقشات مجلس الأمن.. واعتذر عنها المندوب البريطاني بأنها زلة لسان (!!) ولكن هذه "الزلة" قد عاشت منذ ذلك التاريخ إلى يومنا هذا.. فقد بقي الاحتلال الإسرائيلي جاثما على الأرض العربية، عند خطوط وقف إطلاق النار.. لا خطوط الهدنة كما كان يدور الحديث.. ولا خطوط ما قبل القتال!!

        ولم يجد المجلس مفرا، هذه المرة، من إصدار قرار رابع "يؤكد وقف إطلاق النار.. ومنع أي تحركات عسكرية إلى الأمام.. وإعادة أي قوات تكون قد تحركت إلى الأمام بعد الساعة 16.30 بتوقيت جرينتش في 10 يونيو 1967، إلى مراكز وقف إطلاق النار فورا(1).."


 

 

واتفق العملاقان..

                                    مـرة أخـرى

 

        أمريكا.. يعيش في صدرها حلم قديم، يراودها على الدوام، وكانت وما تزال، تعمل على تحقيقه كلما لاحت الفرصة، وكلما استطاعت إلى ذلك سبيلا..

        هذا الحلم القديم هو أن تفرض "دولة" إسرائيل على الأمة العربية، وأن تفرض على الأمة العربية التفاوض معها، والاعتراف بها، والتعايش إلى جوارها.. وفي عبارة موجزة بسيطة، أن تحمل الأمة العربية على التسليم بفلسطين وطنا لإسرائيل، تمارس عليه سيادة شرعية، من غير منازع ولا معارض.

        وحين أصدرت الأمم المتحدة قرارها المشئوم في خريف 1947، وقف المندوب الأمريكي على منبر المنظمة العالمية ليعلن ابتهاجه بذلك "القرار التاريخي" ويتطلع إلى يوم قريب تكون فيه "الحدود بين الدولة اليهودية والدولة العربية مشمولة بالأمن والسلام، كالحدود القائمة بين أمريكا وكندا والممتدة على مدى ثلاثة آلاف ميل".

        وخابت هذه الأمنية الأمريكية، فما كادت الأمم المتحدة تصدر قرارها حتى اندلعت ثورة الشعب الفلسطيني تسندها الأمة العربية معلنة رفضها للتقسيم ولقيام الدولة اليهودية.

        واستمر القتال في فلسطين، ثم تطور في ربيع 1948 بدخول الجيوش العربية إلى فلسطين، وأعلن الكونت برنادوت الوسيط الدولي للأمم المتحدة أن السلام لم يتحقق في فلسطين "وأن إسرائيل قد ولدت في خضم القتال".

        ويومذاك، حاول المستر فوستر دالاس وزير خارجية أمريكا الشهير، أن يحمل الوفود العربية المشتركة في دورة الأمم المتحدة في باريس على قبول مبدأ التفاوض مع "حكومة إسرائيل المؤقتة"، ولكن المحاولة باءت بالفشل.

        وفي عام 1949 توقف إطلاق النار على جميع الجبهات في فلسطين، فقامت الولايات المتحدة بمحاولة أخرى لحمل الحكومات العربية، وكانت سبعة فقط، على قبول الأمر الواقع، والدخول في مفاوضات مع إسرائيل للوصول إلى تسوية سياسية شاملة وعقد صلح نهائي بين العرب وإسرائيل.

        ولكن الدول العربية، بأنظمتها الرجعية في ذلك الوقت، رفضت رفضا قاطعا حاسما، المقترحات الأمريكية، واقتصر الأمر على عقد مؤتمر رودس، تحت إشراف الوسيط الدولي، دون أن تتلاقى الوفود العربية مع الوفد اليهودي من قريب أو بعيد.. وانتهت اجتماعات رودس إلى عقد أربع اتفاقيات هدنة منفصلة، بين إسرائيل من جانب، وكل من مصر وسوريا والأردن ولبنان.. من جانب آخر..

 

        وكانت نصوص الاتفاقيات في غاية الحيطة والحذر، وأكدت جميعها أن خطوط الهدنة هي خطوط عسكرية أملتها اعتبارات عسكرية محضة وليس لها مدلول سياسي، وأن الاتفاقية في مجموعها لا تمس الجوانب السياسية من القضية الفلسطينية..

        وفي 11 أيار سنة 1949 أصدرت الأمم المتحدة قرارا (273) بالموافقة على انضمام إسرائيل إلى عضوية الأمم المتحدة، بعد أن أعلنت الولايات المتحدة أن "إسرائيل دولة محبة للسلام، وعلى استعداد للوفاء بالالتزامات المنصوص عليها في الميثاق" وبذلك اكتسبت إسرائيل الشرعية الدولية، كدولة ذات سيادة، ولم يبق لأمريكا وإسرائيل إلا أن تفوزا بالشرعية العربية، فتعترف الدول العربية بإسرائيل دولة تملك المقومات الدولية الكاملة، لها شعب، ووطن، وسيادة.

        وبعد ذلك، وعلى مدى ثمانية عشر عاما متوالية، لم تكف الولايات المتحدة، في مناسبة وغير مناسبة، عن تقديم الاقتراحات في الأمم المتحدة وخارجها لعقد صلح بين الدول العربية وإسرائيل، ولم تكن تلقى من الدول العربية إلا الرفض القاطع الحاسم.

        وكان من أبرز المحاولات الأمريكية، مشروع المفاوضات المباشرة بين الدول العربية وإسرائيل لعام 1954، وهو الذي عرف بمشروع الدول الثمانية، وقد ساندته الولايات المتحدة.. وكاد أن يظفر ذبأغلبية ساحقة، لولا أن تصدت له الدول الاشتراكية وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي، وسقط في الجمعية العامة، بعد أن فاز بالأكثرية المطلوبة في اللجنة السياسية.. وكانت قصة مثيرة جعلت لتلك الدورة تاريخا ساخنا في عمر الأمم المتحدة.. (1).

        ولم تتوقف أمريكا، خارج إطار الأمم المتحدة، عن بذل العون العسكري والاقتصادي لإسرائيل، بلا حدود ولا قيود.. ولولا ذلك لسقطت إسرائيل من غير قتال ولا نزال، كما تسقط الثمار الفجة عن شجرة ينقطع عنها الماء..

        ولم تكتف أمريكا بذلك، بل صاغت شعارا دوليا جديدا، ردده الرؤساء الأمريكيون المتعاقبون، "لقد وجدت إسرائيل لتبقى".. وبالغ زعماء الكونجرس الأمريكي بشعار أشد وأنكى.. "إن إسرائيل وجدت لتزدهر وتنمو.."!!

        ولكن الأمة العربية بقيت صامدة، ترفض هذه الشعارات بكل شمم وإباء حتى بعد هزيمة حرب الأيام الستة حين أعلن الملوك والرؤساء في مؤتمر الخرطوم اللاءات الأربع بصدد إسرائيل.. لا صلح، لا اعتراف، لا مفاوضات، لا مساس بالقضية الفلسطينية.. وكان الحكم العربي، يومذاك، يخشى الأمة العربية، أو عنده من ذلك بقية من خشية أو حياء..

        تلك سيرة موجزة، وجداً موجزة، للحلم الرومانسي الأمريكي لفرض صلح إسرائيل على الأمة العربية.. والباحث الدارس المتعمق في خلفيات حرب الأيام الستة، ودور الولايات المتحدة، سيجد بكل يقين، أن "الصلح العربي الإسرائيلي" كان من أهم الأهداف الاستراتيجية التي كانت تتطلع أمريكا إلى تحقيقها..

        ولهذا، ما إن وقع العدوان الإسرائيلي في فجر الخامس من حزيران في عام 1967، حتى اندفعت الولايات المتحدة، في اغتنام هذه الفرصة لاستخدام سياسة "القهر والغلبة" لتحقيق الحلم القديم، فخاضت معركة سافرة في ميدانين متكاملين في وقت واحد، ميدان الحرب تؤيد فيه إسرائيل بكل وسائل التأييد، وميدان مجلس الأمن، تماطل في نظر القضية من جلسة إلى جلسة، ومن صباح إلى مساء، لتعطي الفرصة للقوات الإسرائيلية لاحتلال فلسطين بكاملها، ومعها الأرض العربية في سيناء والجولان.

        وقد تم لأمريكا في ميدان الحرب ما تريد، فقد أكملت إسرائيل خطتها الاحتلالية العسكرية، واصبح ميدان السياسة في مجلس الأمن في قبضة الولايات المتحدة، تصرفه كيف تشاء.

        والمواطن العربي، حين يمعن النظر في جلسات مجلس الأمن، يستطيع أن يضع يده على خيوط المؤامرة الأمريكية، خيطا بعد خيط، وكيف أن "العقل" الأمريكي كان يهدف أولا وقبل كل شيء إلى ما يأتي:

     1- تمكين إسرائيل من إكمال احتلالها للأرض العربية.

       2- إقامة خط جديد لوقف القتال، بدلا من خطوط الهدنة لعام 1949        وكذلك من خط الخامس من حزيران لعام 1967.

     3- رفض أي اقتراح يدعو إلى انسحاب إسرائيل إلى خطوط ما قبل القتال.

     4- تثبيت الاحتلال الإسرائيلي على الأراضي العربية.

        واضح من ذلك كله أن أمريكا قد أرادت أن تجعل إسرائيل في موقع "القوة المحتلة" وأن تجعل الدول العربية في موقع "الغلبة والقهر" وبذلك تكون النتيجة واضحة، والمعادلة بسيطة.. الاحتلال الإسرائيلي باق حتى يتم الاتفاق بين الدول العربية وإسرائيل.. ولا جلاء إلا بالصلح.. ولقد انتصرت أمريكا انتصارا باهرا في جولة مجلس الأمن، كما انتصرت في ميدان الحرب.

        وفي ميدان مجلس الأمن استطاعت الولايات المتحدة أن تستصدر أربعة قرارات جاءت كلها في صالح إسرائيل.

        ففي اليوم السادس من حزيران أصدر مجلس الأمن قراره الأول
(رقم 233)، "يدعو الحكومات المعنية فورا لوقف إطلاق النار وجميع النشاطات العسكرية في المنطقة".

        وفي اليوم السابع من حزيران أصدر مجلس الأمن قراره الثاني
(رقم 234) "يطلب إلى الحكومات المعنية فورا وقف إطلاق النار وجميع النشاطات العسكرية، في الساعة العشرين حسب توقيت جرينتش من اليوم السابع من شهر حزيران 1967".

        وفي اليوم التاسع من حزيران أصدر مجلس الأمن قراره الثالث (رقم 235) "يؤكد قراريه السابقين بشأن وقف إطلاق النار والعمليات العسكرية ويطلب وقف الأعمال العدائية (بين سوريا وإسرائيل).

        وفي اليوم الحادي عشر من حزيران أصدر مجلس الأمن قراره الرابع (رقم 236) "يستنكر انتهاك وقف إطلاق النار.. ويدعو إلى العودة إلى خط وقف إطلاق النار الذي كان قائما في الساعة 16.30 حسب توقيت جرينتش في اليوم العاشر من شهر حزيران 1967"!!

        ويرى المواطن العربي بكل وضوح أن جوانب هامة قد أهملت في هذه القرارات عمدا وقصدا وعن سابق تصور وتصميم، كما يقول رجال القانون.

        من هذه الجوانب أن إسرائيل لم تذكر لا بالاسم ولا ضمنا في هذه القرارات، كأنما إسرائيل لم تكن قد اجتاحت فلسطين كلها، ومعها أراضي دولتين عربيتين هما أعضاء في الأمم المتحدة، سوريا ومصر.

        ومن ذلك، أن القرارات لم تذكر من الذي بدأ العدوان، من المعتدي ومن المعتدى عليه، وكأنما إسرائيل قد احتلت جانبا من الأراضي العربية، والدول العربية قد احتلت جانبا "من أراضي" إسرائيل.

        ومن ذلك أن القرارات لم تطلب عودة المتحاربين إلى الخطوط التي كانت قائمة قبل العدوان، وهو المبدأ المتعارف عليه في القانون الدولي وسوابق الأمم المتحدة نفسها. وعلى العكس فإنها قد أقرت "الخطوط الجديدة" وهي خطوط عدوان تعرفها الدنيا بأسرها.. وليس الأمر بحاجة إلى تحقيق أو برهان.

        ومن ذلك أن قرار مجلس الأمن بشأن الجبهة السورية، قد أشار إلى خط إطلاق النار الذي كان قائما في العاشر من حزيران.. وفي هذا اليوم كانت الجبهة السورية قد تداعت، والقوات الإسرائيلية قد أتمت احتلالها للأراضي السورية في الجولان بأكمله.

        وهكذا، نرى أنه حين صدر القرار الرابع لمجلس الأمن، انتهى الأمر الواقع عند نهايته، نهايته التي أرادته لها إسرائيل، فتوقف إطلاق النار على الجبهة السورية، بعد أن استكملت القوات الإسرائيلية غزوها لهضبة الجولان بكاملها، وبعد أن تم في الأيام الثلاثة الماضية احتلال الضفة الغربية وسيناء.. وأصبح الاحتلال الإسرائيلي جاثما على الأرض العربية من شرم الشيخ جنوبا إلى جبل الشيخ شمالا.. مسنودا بأربعة قرارات من مجلس الأمن.. ليس فيها كلمة واحدة عن الانسحاب.

        وهكذا نفذت إسرائيل قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار، ولكن بعد أن انتهت المعركة

        وجمع الاتحاد السوفييتي كل عزماته وأوراقه وأراد أن يقوم بلعبة دولية أخرى، فقدم إلى مجلس الأمن مشروع قرار من فقرتين.. تنص الأولى على إدانة إسرائيل، ولم يصوت لها إلا الاتحاد السوفييتي، وبلغاريا ومالي والهند، وتنص الفقرة الثانية على مطالبة إسرائيل بسحب قواتها خلف خطوط الهدنة، ولم يصوت لها إلا الاتحاد السوفييتي وبلغاريا ومالي والهند ونيجيريا وأثيوبيا.. وسقط المشروع السوفييتي برمته.. وطوى المجلس جلساته على هذه الفضيحة الدولية التي مارسها مجلس الأمن، وهو أعلى سلطة دولية تضطلع بإقرار الأمن والسلم في العالم بأسره.

        "والفضيحة الدولية" هذه ليست كلمة إنشائية أو لفظة أدبية، ولكنها حقيقة دولية وسياسية، تتحمل الولايات المتحدة الدور الأكبر فيها، ويليها الاتحاد السوفييتي بالمقام الثاني. ووراء هذين الدورين، التخاذل العربي متمثلا في الحكم العربي المعاصر.. والدلائل على ذلك كثيرة..

        يأتي أولا، تخلف مجلس الأمن عن اتخاذ قرار بوقف إطلاق النار فورا منذ الساعة الأولى لاندلاع الحرب في صباح الخامس من يونيو على الجبهتين المصرية والأردنية... ومضت ست وثلاثون ساعة في مشاورات الكواليس بين أمريكا وروسيا، صدر بعدها القرار الأول بوقف إطلاق النار من غير تحديد ساعة أو يوم للتنفيذ!!

        ويأتي ثانيا، أن إسرائيل لم تلتزم بقرار مجلس الأمن الأول، فصدر الثاني والثالث قاصرا على التوكيد المجرد، من غير إجراءات رادعة كالعقوبات أو غيرها.

        ويأتي ثالثا، أن القرار الرابع، بالنسبة إلى الجبهة السورية قد أعطى الفرصة كاملة لإسرائيل لتحقيق أهدافها الكاملة في احتلال هضاب الجولان.

        ويأتي رابعا، أن مجلس الأمن قد رفض أن يحدد الطرف المعتدي، وبالتالي حمى إسرائيل من الإدانة، وجعلها تبرر عدوانها بأنه دفاع عن النفس يكفله ميثاق الأمم المتحدة..

        ويأتي خامسا، أن مجلس الأمن قد رفض أن يدعو إسرائيل إلى الانسحاب إلى ما وراء خطوط الهدنة، أو على الأقل إلى ما وراء الخطوط التي كانت قائمة قبل نشوب القتال، وهذا مبدأ دولي معترف به، وعليه سوابق دولية كثيرة.

        وعلى الجملة فإن مجلس الأمن، قد أبقى الأرض العربية المحتلة تحت احتلال إسرائيل "لتجني ثمرة العدوان.." وذلك ما لا يسمح به القانون والأعراف الدولية، وبهذا تكون إسرائيل في مركز القوة، فلا تجلو عن أراضي الدول العربية إلا وفق التنازلات والتسويات التي تريدها إسرائيل.. وهذا ما تابعه المواطن العربي، وهو يتابع الأحداث منذ حرب الأيام الستة إلى يومنا هذا.

        ولم تكن معالم هذه المؤامرة الدولية، من الأسرار الخفية، ولكنها كانت ظاهرة للعيان والآذان.. لمن يتابع مجلس الأمن في جلساته، ويسمع أعضاءه فيما يقولون.. بل إن الرأي العام العالمي، خارج قاعات المجلس كان يرى خيوط المؤامرة بأم عينه، يوما بعد يوم.. وكانت انطباعات الرأي العام تجد طريقها إلى محاضر مجلس الأمن، على لسان المندوبين، يقتبسونها ويستشهدون بها.

        من ذلك، أن موشي ديان وزير الدفاع الإسرائيلي، قد أعلن بعد ساعة من سقوط بيت المقدس بيد القوات الإسرائيلية "أن إسرائيل قد عادت إلى القدس ولن تغادرها مرة ثانية".. وكذلك ما صرح به ليفي أشكول رئيس الوزراء الإسرائيلي من أن "الصراع قد ولَّد حقيقة سياسية جديدة في الشرق الأوسط".

        ومن ذلك أيضا، ما نقلته جريدة نيويورك تايمز في عددها الصادر في التاسع من يونيو، من أن "الإسرائيلين غير مستعدين لا اليوم ولا في المستقبل القريب أن يساوموا أو يفاوضوا بشأن القدس.. وأنهم لا يريدون أن يكرروا أخطاء الماضي ويتخلوا عن قطاع غزة بعد أن فتحوه".

        ومن ذلك، أخيرا، أن وكالات الأنباء قد بعثت برسالة من تل أبيب في العاشر من يونيو "أن الدبابات الإسرائيلية مسنودة بموجات من الطائرات، اخترقت سوريا لعمق يصل إلى خمسين ميلا.. وأن القوات الإسرائيلية قد استولت على القنيطرة وبدأت بتطويق دمشق.. وأن المصادر المطلعة تتكهن أن النظام السوري سيسقط قريبا".. ولقد كان المندوب الأمريكي يقرأ ذلك كله في الصحف، ويردده المندوبون في مناقشاتهم، ومع هذا، ورغما عن كل هذا، فقد كان المندوب الأمريكي يلح ويلح بأن "البيانات التي يدلي بها الفريقان متناقضة وعلى المجلس أن يتأكد من الحقائق أولا قبل أن يصدر أي قرار"..

        وكانت الولايات المتحدة، تختار سبيل المماحكة والجدل البيزنطي، لتيسر لإسرائيل أطول فرصة ممكنة، لتدمير الجيوش العربية واحتلال الأرض العربية، وتمكنها من أن تفرض على الأمة العربية سلاما أمريكيا وصلحا إسرائيليا.

        ولقد يعد الزمن عند المواطن العربي اليوم عن تلك الحقبة، وقد يظن أن هذه الإدانة للسياسة الأمريكية، لا يقوم عليها أي دليل.. ويكفي أن نقرأ ما قاله المعلق الأمريكي المعروف جيمس رستون في 11 يونيو 1967 في جريدة نيويورك تايمز من أن "هدف إسرائيل واضح جدا.. إنها مصممة على تدمير كل أسلحة العدو.. وهي محتاجة للوقت لتحقيق هذه الغاية.. ولذلك فإنها تخطب في مجلس الأمن إلى ما لا نهاية.. لأن كل جدل معناه تدمير المزيد من الطائرات والمصفحات السورية.. وأمريكا من جانبها تطالب بإثبات كل تقرير عن الحرب، وهي تعلم أن ذلك يعطي وقتا لتدمير المدافع السورية.. وأن تخضع آخر الدول العربية بتهديد دمشق"!!

        ذلك دور أمريكا، أما دور روسيا في مجلس الأمن فإنه امتداد لدور روسيا في الشرق الأوسط، والشرق الأوسط واحد من بضعة عشر موضوعا دوليا يدور حوله الصراع بين روسيا وبين أمريكا.. أو أنه بتعبير أدق واحد من أوراق "اللعبة" الدولية الكبرى في ميزان القوى بين الدولتين العملاقين.

        ولست أتعرض للدور الروسي في الشرق الأوسط بكامله، ولا بدوره في حرب الأيام الستة، ولا على وجه التحديد في ليلة الخامس من يونيو حينما شدد الاتحاد السوفييتي وأكد على الرئيس الراحل جمال عبد الناصر أن لا يكون البادئ بالهجوم، وأن أمريكا ساعية لأن تلتزم إسرائيل بأن لا تبدأ بالهجوم.. ولكني أحصر الكلام الآن في المعركة السياسية، وفي مجلس الأمن بالذات.

        ولا بد لنا، منذ البداية، أن نقرر حقيقة أساسية، وهي أن الاتحاد السوفييتي بصفته عضوا في مجلس الأمن، قد دافع عن الموقف العربي دفاعا مجيدا، فقد أورد جميع الحجج والأسانيد التي تؤيد القضية العربية ، ولم يترك شاردة ولا واردة إلا وثبتها في بياناته المستفيضة، ألقاها المندوب الروسي ليلا ونهارا.. ولا نكران كذلك أن الاتحاد السوفييتي قد طالب المرة بعد المرة بعودة القوات الإسرائيلية إلى ما وراء خطوط الهدنة، مع إعادة أوضاع المناطق المجردة من السلاح في فلسطين، وهو موضوع يكاد أن يكون منسيا يومئذ، ومسألة "ميتة" في هذه الأيام!!

        ولكن الاتحاد السوفييتي، في قضية الشرق الأوسط، ليس عضوا وكفى من أعضاء مجلس الأمن، إنه فريق رئيسي في نزاع الشرق الأوسط، وفي مواجهة الولايات المتحدة، وهذا موقف دولي صنعه الصراع الأمريكي الروسي، وما الشرق الأوسط إلا أحد ميادينه.. وإذا كان للأمة العربية أن تختار لاختارت أن لا يكون للدولتين معا أي مقال أو مجال في الوطن العربي بأسره!

        وحينما وقعت حرب الأيام الستة، وانتصرت إسرائيل انتصارا ساحقا، برزت حقيقة دولية، بأن النصر هو للغرب على الشرق، وبالتحديد فإنه نصر لأمريكا على روسيا.. كان ذلك انطباعا عاما في الرأي العام الدولي، تحدثت عنه الصحافة الغربية من غير مواربة ولا تورية.. حتى أن المندوب الروسي في مجلس الأمن قد اقتبس تعليقات من الصحف الأمريكية تشير بأن كبار المسؤولين في واشنطن يرون في انتصار إسرائيل نصرا للمعسكر الغربي(1).

        وسواء أحببنا أم كرهنا، فقد كان ينظر إلى الاتحاد السوفييتي أنه حليف للعرب في هذه المعركة، من غير حلف مكتوب، كما كانت أمريكا حليفا عسكريا لإسرائيل، من غير حلف مكتوب.. ولا نريد الآن أن نتعرض للجانب العسكري من المعركة وخلفياتها ولاحقاتها ومبرراتها وظروفها، فذلك موضوع متشابك مترامي الأطراف، لا يكاد كتاب كامل بكامله أن يلم بكل أطرافه.. ولكن من حقنا، ومن حق التاريخ، أن نسأل هل كان السلوك السياسي للاتحاد السوفييتي مع الدول العربية، في مجلس الأمن، كسلوك الولايات المتحدة مع إسرائيل.

        الجواب على هذا السؤال نجده في المحاضر الرسمية لمجلس الأمن.. لقد كان موقف المندوب الأمريكي حاسما قاطعا لا تردد فيه، ولا مساومة ولا مهادنة.. ويتلخص هذا الموقف في إطالة المجادلة والمماحكة لإعطاء الفرصة لإسرائيل لتصفية الجبهات العربية تصفية نهائية.. فقد رفض الدخول في أي بحث لمعرفة المعتدي، وامتنع عن إدانة العدوان، واكتفى بقرار وقف إطلاق النار غير مقترن بعقوبات.. وليتكرر القرار إذا لم تذعن إسرائيل.

        أما الموقف الروسي فقد كان سياسيا وجدليا ومنطقيا، بل وعلميا وقانونيا، ولكن روسيا تعلم أكثر من غيرها، أن وقف القتال وإعادة المتحاربين إلى الخطوط السابقة يحتاج إلى مواقف صلبة صارمة لا إلى تهديدات ناعمة، سواء لأمريكا أو لإسرائيل، أو لكليهما معا.. وأين ذلك كله من التهديدات الروسية العاصفة، الغاضبة المزمجرة المنذرة بالقذائف الصاروخية في شوارع لندن، أثناء العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956، حينما قامت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بحرب السويس المعروفة.

        لقد كانت خطب الوفد الروسي في مجلس الأمن، في حزيران 1967، تنبئ كلها أن روسيا لن تفعل شيئا سوى العمل السياسي.. وأن تهديداته اللفظية لن تتعدى أن تكون من العبارات الدولية المألوفة.. وتجلى ذلك حينما أعلن المندوب الروسي في المجلس بأن "الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية الأخرى قد قررت قطع علاقاتها الدبلوماسية بإسرائيل"!! وبدا واضحا أن الجبل قد تمخض، ولكنه ولد فأرا.. وفأرا ميتا..

        وحين أيقنت أمريكا أن "الفأر" ميت حقا، انفردت في السيطرة على مجلس الأمن وحققت لإسرائيل "استثمار" نصرها العسكري بنصر سياسي كبير، يدعم احتلالها للأرض العربية، وأن يظل هذا الاحتلال العسكري حتى يحل محله السلام الإسرائيلي.

        وهكذا انتهت مرحلة مجلس الأمن بهزيمة سياسية للأمة العربية، فوق هزيمتها العسكرية.. وراح الحكم العربي المعاصر ومعه الاتحاد السوفييتي يبحث عن ملهاة أخرى تشغل بها الأمة العربية حيناً من الدهر، ولو لبضعة أيام أخرى.

        وانتصب مسرح جديد، في المنظمة العالمية.. وبدأ المشهد الثاني في الملهاة والمأساة، وكان البطل هذه المرة، هو رئيس وزراء الاتحاد السوفييتي بنفسه.

        إنه السيد اليكسي كوسيجن، بلحمه ودمه ولسانه.. وسنسمع ما يقول، ونرى ما يفعل وجل اهتمامنا بالرئيس السوفييتي أن الآمال معلقة على الاتحاد السوفييتي، في ما يقول وما يفعل.

        أما الولايات المتحدة، فلا أعرف عربيا حصيفا نظيفا، يعلق أملا على ما تقول وتفعل، ذلك أن الأمة العربية قد غسلت يديها من الولايات المتحدة منذ زمن بعيد، ولم تعد ترى في سياستها إلا سياسة الوالد الودود لإسرائيل، والعدو اللدود للأمة العربية.

        وبعد، فقد كانت حصيلة مداولات مجلس الأمن المتواصلة من السادس إلى الحادي عشر من حزيران، أن اتفق العملاقان العظيمان: أمريكا وروسيا، على إصدار أربعة قرارات، ليس في واحد منها دعوة إلى إسرائيل بالانسحاب من شبر واحد من الأرض العربية، وليس فيها إدانة لإسرائيل.

        بل لقد كانت تلك القرارات توكيدا لاحتلال الأرض العربية، ودعوة رسمية لإسرائيل لاستمرار الاحتلال إلى أن يتم الاتفاق بين الطرفين المتحاربين، إسرائيل من مركز الغالب، والدول العربية من مركز المغلوب.

        هذا ما انتهى إليه مجلس الأمن، وهذا ما انتهت إليه إرادة العملاقين العظيمين..

        والمقارنة وإن تكن غير كاملة في جميع أطرافها، فإن المواطن العربي يستطيع أن يرى التقاء العملاقين العظيمين على "قضية فلسطين" في شهر حزيران من عام 1967.. تماما كما التقيا قبل عشرين عاما، في شهر تشرين ثاني من عام 1947، حين أصدرت الأمم المتحدة قرارها المشئوم بتقسيم فلسطين، وقيام إسرائيل.

        كان ذلك باتفاق العملاقين العظيمين، اتفاق قنص وصيد..

        ولكن الشباك مختلفات، وسنرى في الفصول التاليات، كيف أنهما سيلتقيان مرات ومرات.

 

 

 

 



 

 

كوسيجين وجونسون

يضعان حجر الأساس لمؤتمر جنيف

 

        والمشهد الثاني في الملهاة المأساة، ينتقل هذه المرة من قاعة مجلس الأمن الصغيرة، بأعضائها الخمسة عشر، إلى القاعة الكبرى للجمعية العامة بأعضائها الماية واثنين وعشرين دولة، وأروقتها الرحبة حيث يحتشد الجمهور اليهودي في نيويورك، المدينة الإسرائيلية الكبرى عبر الأطلنطي.

        ولقد انعقدت الجمعية العامة في غير موعدها المعتاد، في جلسة "خاصة طارئة" بناء على طلب من الاتحاد السوفييتي بموجب مذكرة موقعة من السيد جروميكو وزير الخارجية السوفييتية، بتاريخ 13 يونيو 1967 للنظر في "تصفية العدوان الإسرائيلي على أراضي الدول العربية وتحقيق انسحاب القوات الإسرائيلية فورا إلى مواقعها الأولى على خطوط الهدنة".

        وبعد أسبوع من المذكرة السوفييتية انعقدت الجمعية العامة، وشهدت الأمم المتحدة إحدى جلساتها الحاشدة بمن حضرها من رؤساء بعض الدول ووزراء خارجيتها.. ولم يحضر الرئيس الأمريكي جونسون أية جلسة من جلسات الدورة استخفافا بالاتحاد السوفييتي والأمم المتحدة معا، فقد حققت أمريكا نصرا ساحقا في ميدان الشرق الأوسط، ومالها وللأمم المتحدة.. وأوكل الرئيس الأمريكي الدفاع عن أزمة الشرق الأوسط إلى اثنين لا ثالث لهما الأول الوزير الإسرائيلي أبا إيبان.. والثاني السفير الصهيوني الأمريكي المستر جولدبرج، وهو الذي أعلن غير مرة في الأمم المتحدة أنه صهيوني، وأنه يفخر بصهيونيته!!

        والواقع أن الدورة "الخاصة الطارئة" قد طلبها الاتحاد السوفييتي، وهو يعلم علم اليقين أنها لن تحقق الغرض المعلن الذي انعقدت من أجله.. والرئيس كوسيجن ومعه وزير خارجيته على يقين قاطع بأن القضية التي فشل مجلس الأمن، قبل بضعة أيام، في تسويتها بصورة مرضية، لا يمكن أن تجد لها حلا في الجمعية العامة.. غير أن الاتحاد السوفييتي قد أراد أن يضرب عصافير متعددة في حجر واحد.. وهو يعلم أن "حجره" لن يصيب عصفورا واحدا.

        ولقد كشفت الأيام الستة التي قضاها الرئيس كوسيجن في الأمم المتحدة أنه أراد أن يغتنم "الدورة الطارئة الخاصة" ليلتقي بالرئيس جونسون ليبحث معه عدة مشاكل دولية، آخرها أزمة الشرق الأوسط.. وأن يكون جو هذه اللقاءات مفعما بالمودة والوفاق، لا يعكره جو الدورة "الطارئة".. وكل ما في الأمر أن يغطي الاتحاد السوفييتي "هزيمته" في الشرق الأوسط وأن يبرئ نفسه أمام الأمة العربية من موقفه المتخاذل في حرب الأيام الستة.

        وكان الاتحاد السوفييتي في حاجة إلى هذه الملهاة المأساة في الأمم المتحدة.. ذلك أن الأمة العربية، ما إن عرفت بالدمار الذي حل بالجيوش العربية في الأيام الأولى من الحرب حتى ارتفعت  أصابع الاتهام في الوطن العربي تدين الاتحاد السوفييتي.. بالتهاون في ساعة الشدة.. وسارت المظاهرات الشعبية في كثير من البلاد العربية(1) مستنكرة موقف الاتحاد السوفييتي، ولم تنج السفارات والقنصليات السوفييتية في الوطن العربي ، من الإحراق والتدمير، إلا بإجراءات أمنية بالغة الشدة.

        ولقد زاد من سقوط هيبة الاتحاد السوفييتي في تلك الحقبة، ومعها هيبة الدورة الطارئة.. أن إسرائيل قد رمت قفازها من تل أبيب إلى قاعة الأمم المتحدة، من خلال تصريحات مفعمة بالغطرسة والتحدي.. فقد أعلن الوزير الإسرائيلي إيبان، وهو يركب الطائرة إلى نيويورك 17 يونيو في حديث إلى جريدة جيروسالم بوست الإسرائيلية أن "إسرائيل لن تعود إلى خطوط الهدنة القديمة حتى لو صوتت الجمعية العامة ضد إسرائيل بماية وواحد وعشرين صوتا.. وأن إسرائيل قد أخطرت الدول الكبرى بهذا الموقف" وما أن وصل الوزير الإسرائيلي إلى قاعة الأمم المتحدة حتى أعقبه وزير الدفاع الإسرائيلي الجنرال ديان بتصريح آخر أعلن فيه أن إسرائيل.. "لن تتزحزح من المناطق المحتلة الواقعة بين القنطرة والقنيطرة حتى يوقِّع العرب معاهدات سلم دائمة"..

                وفي جو هذه العوامل العربية والسوفييتية والأمريكية والإسرائيلية، وقف الرئيس كوسيجن في صباح اليوم التاسع عشر من شهر حزيران على منبر الأمم المتحدة في نفس المكان الذي وقف فيه سلفه الرئيس خروشوف قبل بضع سنين(2)... وتطلعت أبصار الوفود، والصحفيين، وعدسات التلفزيون، كلها محدقة جاحظة، لترى الفارق بين الرجلين،بين الخطابين، بل بين الموقفين..

        امتد خطاب الرئيس كوسيجن ما يزيد على ساعة، فكان خطابا عاديا في نبراته وعباراته، يصح أن يلقيه أي رئيس لدولة وسطى أو صغرى.. ولقد كان خطابا جيدا من غير شك، سرد الوقائع والنتائج من البداية إلى النهاية، بأسلوب منطقي واضح.. ولكنه لم يكن خطاب دولة عملاقة، عازمة ومصممة على وضع الأمور في نصابها الصحيح..

        بل وأوضح من ذلك، أن الرئيس كوسيجن قد رمى القضية برمتها في أحضان الدول العظمى، حين قال في خطابه "أن الكثير يعتمد على جهود الدول العظمى.. ويكون من الخير إذا كانت وفودهم تجد لغة مشتركة للوصول إلى قرارات تدعم السلام في الشرق الأوسط والسلام العالمي".. وحين تُلقى هذه العبارة من دولة عملاقة، وفي قاعة الجمعية العامة، فإن المعنى وراء ذلك واضح لا يحتاج إلى إيضاح.. المعنى أن الاتحاد السوفييتي يريد أن يؤدي جهدا سياسيا إعلاميا وكفى.

        وفوق ذلك فإنه أراد أن يطيِّب خاطر الأمة العربية بكلمات تروق لها، فندد بإسرائيل وعدوانها الغاشم بعبارات قاسية، وأن إسرائيل هي المسؤولة عن بدء الحرب ونتائجها، ثم أفاض الرئيس السوفييتي يشرح الفظائع التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية أثناء القتال على المدنيين الآمينن، وأن "الشعب في الضفة الغربية وقطاع غزة يطرد من مدنه وقراه.. وأن الإسرائيليين يطلقون النار على المسجونين والنساء والأطفال وسيارات الإسعاف أثناء نقل الجرحى.. وأن الأمم المتحدة لا تستطيع أن تتجاهل هذه الجرائم، وأنه يجب معاقبة الذين يقترفون مثل هذه الجرائم في المناطق العربية المحتلة، وأن شعوب العالم سوف تعاقبهم..".

                وقد كان الرئيس كوسيجن يقصد من وراء هذه العبارات أن يخاطب جماهير الأمة العربية ليستل غضبها على الاتحاد السوفييتي.. وكانت أجهزة الإعلام العربي، وهي التي وقعت تحت "احتلال" الحكم العربي المعاصر تنشر هذه العبارات بالعناوين الضخمة لتلقي في روع المواطن العربي أن الاحتلال الإسرائيلي سيجلو قريبا عن الأرض العربية.. وأن الاتحاد السوفييتي سيجبر أمريكا لتجبر إسرائيل على الانسحاب الناجز، وخلال بضعة أسابيع.. أو بضعة أشهر على الأكثر.. وبذلك أصبح الحكم العربي المعاصر"الفريق المنتفع" بهذه الملهاة المأساة التي دفعها الاتحاد السوفييتي إلى مسرح المنظمة الدولية.

        وإمعانا في هذه كله، فإن الإعلام العربي قد حجب عن الأمة العربية كثيرا من الجوانب الهامة في خطاب الرئيس كوسيجن، وهي الجوانب التي تؤكد الأهداف التي كان يرمي إليها الاتحاد السوفييتي من الإلحاح على عقد الدورة الطارئة، وأن يشخص الرئيس كوسيجن بنفسه ليرأس وفد بلاده في اجتماعات الدورة.

        لقد حجب الإعلام العربي عن الأمة العربية أن الرئيس كوسيجن قد افتتح خطابه بقوله "أنه لا أعمال عدائية هناك في الشرق الأوسط في هذه البرهة.. لقد حصل وقف إطلاق النار.. وهذه الواقعة هي نصر أكيد للقوى المحبة للسلام، والفضل في ذلك، إلى حد غير قليل، يعود إلى مجلس الأمن، وإن كان قد قصر بصورة كاملة عن القيام بواجباته كما هي منصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة.." وكيف يمكن أن يكون وقف إطلاق النار نصرا أكيدا، وهو لم ينفذ إلا بعد احتلال إسرائيل لكامل الأرض العربية.. وهو كذلك لم يطلب إلى إسرائيل العودة إلى خطوط ما قبل القتال.

        ثم ينتقل الرئيس كوسيجن بعد ذلك، وقبل أن يشرح أزمة الشرق الأوسط، إلى الحديث عن قضية فيتنام، فيعلن أن الولايات المتحدة قد أزاحت الستار في السنوات الثلاث الأخيرة وأصبحت تقوم بعد وأن مباشر على شعب فينتام ... وأن القصد من هذه الحرب هو أن يفرض على الشعب الفيتنامي نظام يتفق مع رغبات الدوائر الاستعمارية الأجنبية.." ويواصل كوسيجن شرحه لقضية فيتنام ويقترح الحل اللازم لها.

        ومن قضية فيتنام ينتقل الرئيس كوسيجن إلى قضية كوبا، ومن هذه إلى قضية الكونجو، وثم إلى قضية جمهورية الدومينيكان.. وبعدها إلى قضية السلام في أوروبا.. ويتناول بعد ذلك مشكلة ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية.. وليخلص من ذلك كله إلى "أن الأحداث التي جرت في الشرق الأوسط فيما يتعلق بالصراع بين إسرائيل والشرق الأوسط يجب أن تبحث حتما في إطار الحالة الدولية الشاملة في العالم"(1).

        ولا ريب أن الاتحاد السوفييتي على "حق" في هذه النظرة السياسية، بالنسبة إلى مصالحة الاستراتيجية العالمية في إطار صراعه الكبير مع الولايات المتحدة.. وأنه على "حق" كذلك في أن يحشر قضية الشرق الأوسط مع سائر القضايا الدولية الأخرى ليواجه بها الولايات المتحدة، ويصل معها إلى اتفاق أو وفاق بشأنها كلها، أو معظمها، أو بعضها.. وهذا هو هدف الاتحاد السوفييتي من الدورة الطارئة، ومن مجيئه شخصيا إلى نيويورك تحت مظلة أزمة الشرق الأوسط.. بل هذه هي العصافير المتعددة التي أراد الرئيس كوسيجن أن يضربها بحجر واحد!

        وثمة هدف آخر أراد الرئيس كوسيجن أن "يعتذر" به عن تأييد الاتحاد السوفييتي لقيام إسرائيل في عام 1948، فكان العذر أسوأ من الذنب، حين قال في خطابه.. "لقد كان الاتحاد السوفييتي، عبر الخمسين عاما الماضية يعامل جميع الشعوب باحترام.. ويؤكد أن من حق كل شعب أن يقيم دولة قومية له.. فهذا مبدأ أساسي من مبادئ الاتحاد السوفييتي.. وعلى هذا الأساس لقد وافقنا في عام 1947 على إنشاء دولتين، دولة يهودية، وأخرى عربية في إقليم فلسطين, المستعمرة البريطانية السابقة.."(1)

        ولم يكن الاتحاد السوفييتي جاهلا أن فلسطين كانت تحت الانتداب البريطاني ولم تكن مستعمرة بريطانية، ولكن الرئيس كوسيجن أراد أن يستغل جهل الكثيرين فوصف فلسطين بأنها "مستعمرة" بريطانية، ليبرر أن سياسة الاتحاد السوفييتي عام 1948 قد "حررت" فلسطين من الاستعمار ووافقت على إقامة دولتين مستقلتين حرتين، إحداهما يهودية والأخرى عربية.

        وكذلك فإن الرئيس كوسيجن قد سرد عذرا آخر كان أقبح من الذنب، فقد جاء في معرض خطابه قوله بأن "الاتحاد السوفييتي كان قد بدأ يستلم معلومات تفيد بأن حكومة إسرائيل قد اختارت نهاية شهر أيار 1967 كوقت لضربة عاجلة على سوريا بقصد سحقها، ومن بعد ذلك الانتقال بالقتال إلى أراضي الجمهورية العربية المتحدة"(2) وهذا الكلام لا يبقي أية قيمة سياسية، أو عملية للدورة الطارئة.. فقد كان واجب الاتحاد السوفييتي، وهذه "المعلومات" بين يديه، أن يبادر فور أن تلقاها إلى الدعوة لدورة طارئة للحيلولة دون القتال قبل وقوعه.. لا للدعوة إليها بعد وقوعه.. ناهيك عن الواقعة الرهيبة الخطيرة التي تتمثل في "اقتحام" السفير السوفييتي لمنزل الرئيس الراحل عبد الناصر، عند منتصف ليلة الخامس من يونيو، لمناشدته أن لا يبادر بالضربة الأولى.. استنادا إلى أن أمريكا من جانبها قد "أخذت" وعدا مماثلا من إسرائيل.

        هذه الجوانب وغيرها من خطاب الرئيس كوسيجن قد حجبها الحكم العربي المعاصر في أجهزته الإعلامية عن أسماع الأمة العربية، واكتفى بإبراز ما ينفع في إلهاء الجماهير وإشغالها عن الحقائق، ونشر في صدر الصحافة العربية ترجمة دقيقة لمشروع القرار الذي قدمه الرئيس كوسيجن في خطابه إلى الجمعية العامة وناشد الأمم المتحدة أن توافق عليه.

        ولا إنكار أن مشروع القرار السوفييتي يتفق مع وجهة النظر العربية على طول الخط، فإن عبارات الديباجة تعبر عن مطالب الأمة العربية.. والفقرات الأساسية "تطالب بالانسحاب من الأراضي العربية، لا ما إلى وراء خطوط القتال في يونيو، بل إلى ما وراء خطوط الهدنة في عام 1949.. وتطالب كذلك بإدانة إسرائيل لأعمالها العدوانية.. وبدفع تعويضات كافية للدول العربية عن الخسائر الناتجة عن العدوان".. ولم تكن الدول العربية تطمع في أكثر من هذه المطالب.

        ولكن الرئيس كوسيجن، كان يعلم علم اليقين أن مشروع القرار هذا صائر إلى الفشل لسببين: أولا , لأن إسرائيل وأمريكا لا تقبلان به إطلاقا وقد أعلنا ذلك قبل انعقاد الدورة الطارئة وأثنائها.. وثانيا، لأن الرئيس السوفييتي نفسه قد ناشد الدول العظمى من على منبر الأمم المتحدة البحث عن "قرارات ذات لغة مشتركة تحقق السلام في الشرق الأوسط وفي العالم.."ومن أين الوصول إلى هذه اللغة المشتركة، ودولتا العدوان، بريطانيا وأمريكا، كما كانتا تسميان في ذلك الوقت، ترفضان انسحاب القوات الإسرائيلية.. أما فرنسا، وهي الدولة العظمى الرابعة فلم تكن مستعدة لأن تنفرد بمبادرة سياسية ليس لها حظ من النجاح.

        وكائنة ما كانت الظروف والأهداف فلم يكد الرئيس السوفييتي يفرغ من خطابه حتى شق الوزير الإسرائيلي أبا إيبان طريقه في القاعة، يمشي في زهو وخيلاء، إلى المنبر، ليلقي خطابه مباشرة بعد الخطاب السوفييتي.. وكان خطابا طويلا تجاوز إلقاؤه ساعتين كانتا تجأران بالحقد والغطرسة..

        وما أن بدأ الوزير الإسرائيلي يقول "سيدي الرئيس حضرات الأعضاء" حتى نهض السيد أندريه جروميكو الوزير السوفييتي، ونهض معه وفود دول أوروبا الشرقية وانسحبوا جميعا من القاعة ليعربوا عن استنكارهم لإسرائيل وإهمالهم لما يقوله الوزير الإسرائيلي.. وقد أراد الوزير السوفييتي من وراء هذه "الحركة" أن يرضي عواطف الأمة العربية التي كانت تتابع أخبار الدورة الطارئة.. ولكن فات الدول الاشتراكية وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي أن الانسحاب من القاعة هو "تكريم" لإسرائيل، والقضية في مجموعها كانت في حاجة إلى إجراءات أكثر جدية من قبل الدولة العملاقة ومعها الاشتراكيات الأخرى!!

        على أن هذا التصرف السوفييتي قد أغدق على إسرائيل كسبا سياسيا جزيلا.. فقد ازداد اهتمام المعسكر الغربي بإسرائيل وبما سيقوله الوزير الإسرائيلي.. وازداد حماس الجمهور اليهودي في أروقة الجمعية العامة وهو يرى أن إسرائيل قد بلغت من الأهمية بحيث يضطر الاتحاد السوفييتي إلى الانسحاب من قاعة المنظمة الدولية... وكان لا يفعل ذلك إلا في الأزمات الحادة مع الولايات المتحدة، الزميلة العملاقة..

        وفي بداية الكلام، حمل الوزير الإسرائيلي على الاتحاد السوفييتي حملة قاسية منددا بالسياسة السوفييتية بأنها "كانت سياسة تتجافى مع السلام في الشرق الأوسط عبر سنوات طويلة، وأنها تتحمل جانبا كبيرا من المسؤولية عن القلق والاضطراب اللذين سادا المنطقة طيلة تلك المدة..

وأن خطاب الرئيس كوسيجن الذي ألقاه اليوم هو مثال على فقدان الموضوعية والاتزان وساهم إلى حد كبير في حالة القلق والهلع التي تملأ حياة الشرق الأوسط"(1).

        ولقد شدد الوزير الإسرائيلي النكير على الاتحاد السوفييتي مرات ومرات لا ليفند موقف الاتحاد السوفييتي لمجرد التفنيد، ولكن ليصل بالمزيد من العمق في الضمير الأمريكي، ويستدر مزيدا من العطف، والتأييد الاقتصادي والعسكري. ولم تكن الجوانب العقائدية هي التي تحفز الوزير الإسرائيلي ليكيل التهم جزافا إلى الاتحاد السوفييتي.. وقدر ما كانت فرصة انتهازية استغلالية ليجعل من إسرائيل جزءا من الشعب الأمريكي يتصدى للشيوعية، ويبارزها في كل ميدان!!

        واستغل أبا إيبان الفرصة حتى الثمالة.. وشفى غليل الأمريكان وعملاء الأمريكان.. وانتقل الوزير الإسرائيلي، بعد ذلك إلى أحداث الحرب، فصال وجال واختال مخمورا بالنصر، وراح ليروي كيف "أن القوات المصرية قد تحركت ضد إسرائيل (!!) في صبيحة الخامس من يونيو.. وكان الخيار أن تبقى إسرائيل أو تزول.. ولكن إسرائيل قد خرجت في تلك اللحظات السوداء من الخطر الماحق إلى المقاومة المجيدة المنتصرة.. و.. و.." وغير ذلك من العبارات المتغطرسة المتعجرفة التي لا تحتمل أوراقي سردها كلها..

        ثم مال الوزير الإسرائيلي ميلة ثقيلة على الدول العربية وتهديداتها وتلا سيلا من القصاصات الصحفية، ومقتبسات من الإذاعات العربية، وفقرات من خطب الملوك والرؤساء وخاصة على لسان الرئيس عبد الناصر، ووضع ذلك كله في إطار صورة كبيرة للعالم العربي يريد أن ينقض على دولة صغيرة تقوم على رقعة صغيرة من شواطئ البحر الأبيض المتوسط.

        وبعد هذا التجوال الطويل حول الموقفين الروسي والعربي، أخذ الوزير الإسرائيلي يناقش مشروع الاتحاد السوفييتي الذي يدعو إلى انسحاب القوات الإسرائيلية.. وهنا بلغ العتو الإسرائيلي ذروته فراح يسخر من المشروع وأعلن "أن عودة كل شيء إلى ما كان عليه الحال قبل الخامس من

يونيو هو أمر مرفوض بصورة مطلقة... إن ذلك الحال السابق قد تحطم وتحول إلى ذرات، ولا يمكن إعادة قيامه مرة ثانية... وإنها واقعة تكنولوجية بأن الوصول إلى القمر أسهل من إعادة تركيب بيضة مكسرة.. ولا بد أن يبنى شيء جديد ولقد رفض مجلس الأمن وعن حق (منذ بضعة أيام) العودة إلى الوراء كما يريد لنا الاتحاد السوفييتي".

        واسترسل الوزير الإسرائيلي في الإصرار على عدم الانسحاب، بعبارات وصياغات متعددة، حجبها الحكم العربي المعاصر في إذاعاته وصحافته عن أسماع الأمة العربية، فقد كانت حملة التخدير التي تقودها السياسة العربية، يومذاك، أن الانسحاب قد أصبح قاب قوسين أو أدنى.. بضعة أسابيع أو بضعة أشهر وتجلو إسرائيل عن الأرض العربية.. ويعود ما كان إلى حيث كان..

        ولم يكتف الوزير الإسرائيلي برفض الانسحاب، ولكنه عرض على الدول العربية الخطوط العريضة للسلام.. سلام المنتصر على المهزوم... سلام الغالب على المغلوب.. ولو رجع المواطن العربي إلى ذلك القسم من  خطاب الوزير الإسرائيلي، لوجد أن السلام المطروح اليوم، وبعد حرب رمضان المجيدة، هو السلام الإسرائيلي بلحمه ودمه، وريحه ورائحته.. وأن مؤتمر جنيف الذي يقدر له الانعقاد في ربيع عام 1977 هو بداية المطاف لبلوغ السلام والصلح بين العرب وإسرائيل!!

        وتحدث الوزير الإسرائيلي طويلا عن أسس السلام الذي يقترحه، وأنه يجب أن يتم "في إطار حوار واضح وصريح بين إسرائيل وكل من الدول العربية المجاورة... وأن على الشعوب العربية والإسرائيلية، مدفوعين بالحب المشترك للمنطقة التي يقضي القدر بالمشاركة فيها، أن يعملوا لعالم جديد في البحر الأبيض المتوسط، بالتعاون مع أوروبا الناهضة، وكل من آسيا وأفريقيا المتطلعتين إلى دورهما الاستقلالي على مسرح التاريخ... وفي ظل السلام نستطيع أن نبني المنطقة من جديد... وفيها مواصلات تمتد من حيفا إلى بيروت ودمشق في الشمال.. وإلى عمان وما بعدها شرقا... وعبر جنوب النقب يمكن أن تستأنف المواصلات بين وادي  النيل والهلال الخصيب.. والمملكة الأردنية الهاشمية تستطيع أن تصدر وتستورد البضائع على الشاطئ الإسرائيلي.. وبالتعاون المشترك بين العقبة وإيلات، تستطيع كل من إسرائيل والأردن الاتصال بأفريقيا الشرقية الناهضة، وآسيا النامية.. و.. و.. وإن الطريق إلى هذا المستقبل المزدهر هو طريق واحد... إنه الاعتراف، والاتصال المباشر، والتعاون الصادق، والتعايش السلمي".

        ولم يكتف الوزير الإسرائيلي بإعلان أطماعه الصهيونية في بناء الشرق الأوسط وحوض البحر الأبيض المتوسط، وما وراء ذلك من الأبعاد والآماد.. فقد تعرض لموضوع بيت المقدس، وأعلن الموقف الإسرائيلي بشأنها في إطار مشروع السلام، فأكد في عبارة لا لبس فيها ولا إبهام، "أن هذا الطريق طريق السلام يؤدي إلى بيت المقدس.. وهي المدينة التي توحدت الآن بعد تقسيمها المفجع... وفي تاريخنا ساعات قليلة كانت أكثر تأثيرا مثل الساعة التي عاد فيها اتحادنا مع الحائط الغربي "للهيكل".. لقد عاد شعب إلى مهد ميلاده... وما أطول وأعمق الذكريات التي تثيرها عودة الوحدة.. (مع بيت المقدس)..

        وفي لهجة متورمة بالغطرسة والخيلاء، ختم الوزير الإسرائيلي خطابه بقوله "إن على الأمم المتحدة أن تدعو الفرقاء إلى أن يتفاوضوا بشأن مستقبل تعايشهم السلمي، وأن هذا هو السبيل الوحيد الذي تستطيع أن تأخذ به الأمم المتحدة..".. ثم في لهجة مشوبة بالتحذير قال الوزير الإسرائيلي "قد يبدو أن إسرائيل تقف وحدها بين خصوم أقوياء ومتعددين.. ولكنا نثق بالقوى التي لا تفنى في تاريخ شعبنا، والتي كثيرا ما قدمت النصر النهائي للروح على المادة، وللحق على الكثرة..".

        وعاد الوزير الإسرائيلي إلى مقعده وسط هتاف الجماهير اليهودية في قاعة الجمعية العامة، حتى بدت الأمم المتحدة وكأنها منعقدة في قاعة الكنيست الإسرائيلي. وإني أتمنى على المواطن العربي أن يقرأ الخطاب الإسرائيلي بكامله حتى يزداد معرفة بالأهداف الإسرائيلية، ويزداد رسوخا بأن "دولة هذه أهدافها وأحلامها لا يمكن التعايش معها" ولا يصح الدخول معها في مفاوضات، أو اتفاقات سلام، فلا سلام مع العدوان، ولا تعايش مع الاحتلال، ودولة الاحتلال.

        وفي صباح اليوم الثاني 20 يونيو عاد الجمهور اليهودي في قاعة الجمعية العامة إلى التصفيق من جديد، فقد وقف السفير الأمريكي اليهودي الصهيوني، آرثر جولدبرج يلقى خطابه بالنيابة عن الولايات المتحدة، ولم يكن في حاجة إلى شرح وتفصيل فقد أعفاه زميله الإسرائيلي أبا إيبان عن سرد وجهة النظر الأمريكية سواء فيما يتعلق بالجانب العربي أو السوفييتي.

        ثم إن السفير الأمريكي، ومن ورائه الرئيس الأمريكي، لم يكن مكترثا بالدورة الطارئة ولا بما قال الرئيس السوفييتي، فإن المعركة قد حسمت في الميدان في الشرق الأوسط.. والمعركة السياسية قد حسمها مجلس الأمن قبل بضعة أيام لصالح أمريكا وإسرائيل، وهذه الدورة الطارئة لن تتعدى أن تكون خطبا سياسية ومشروعات قرارات، وستنتهي إلى نصر الولايات المتحدة وهزيمة للاتحاد السوفييتي.

        وبدأ السفير الأمريكي خطابه بالإشارة إلى المبادئ الخمسة التي أعلنها الرئيس الأمريكي من واشنطن قبل يوم مضى، وهي:

        أولا- حق كل شعب في المنطقة بأن يحيى، وأن يُحترم هذا الحق من قبل الدول المجاورة.

ثانيا- تحقيق العدل للاجئين..

ثالثا- احترام الحقوق الدولية الملاحية وحق الملاحة الحرة لجميع الشعوب.

رابعا- الحد من سباق التسلح.

خامسا- احترام الاستقلال السياسي والسيادة الإقليمية لجميع دول المنطقة..

        ولو أن الرئيس الأمريكي كان حريصا على أن يكون موقفه السياسي منسجما مع المنطق، لتجنب ذكر البند الخامس.. فالدورة الطارئة التي عقدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة كانت من أجل الحفاظ على "السيادة الإقليمية" على الأراضي العربية.. ولكن الولايات المتحدة لا تحترم المبادئ التي تعلنها إلا حينما تكون لصالح إسرائيل.. "فالاستقلال السياسي والوحدة الإقليمية" إنما تخص إسرائيل بالنسبة للشرق الأوسط وحينما يكون الأمر متعلقا بالدول العربية، فإن هذه المبادئ تصبح هشيما تذروه الرياح!!

        ولو كان السفير الأمريكي منطقيا مع منطقة في المبدأ الخامس الذي أعلنه الرئيس الأمريكي لوجب عليه أولا أن يميز بين المعتدي والمعتدى عليه، وأن يرد المعتدي عن الأرض المعتدى عليها، وأن يدعم حق السيادة الإقليمية، ولكنه تجاوز عن ذلك كله، بل إنه تهرب من ذلك كله، وقرر في عبارة صغيرة "أنه في اليوم الخامس من يونيو انقطع خيط السلام.." هكذا "انقطع" وحده!! من غير أن يقول من الذي قطع الخيط الذي انقطع.. كل ذلك من أجل أن يدفع عن إسرائيل تهمة العدوان، وأن يمكنها من البقاء في الأرض إلى أن تفيء الدول العربية إلى الاستسلام..

        ثم شن السفير الأمريكي حملة ساخرة على المشروع السوفييتي، وخاصة ما تعلق بالانسحاب.. وهنا بيت القصيد الأمريكي.. فأمريكا لا تريد أن تنسحب إسرائيل إلى ما وراء خطوط القتال قبل أن ترضخ الدول العربية للحل الإسرائيلي الأمريكي... فإن الاقتراح السوفييتي، كما قال السفير الأمريكي يقول لإسرائيل.. "اسحبوا قواتكم، وليعد كل شيء إلى ما كان عليه قبل الخامس من يونيو.." ويرد السفير الأمريكي على ذلك قائلا "وبهذا يتعين علينا أن ندير الفيلم إلى الوراء، إلى نقطة الصباح الباكر من الخامس من يونيو حين بدأ القتال.. وهذا أمر لا يمكن أن تقبله الأمم المتحدة"!!..

        وعرض السفير الأمريكي في ختام خطابه مشروع قرار مضاد لمشروع الاتحاد السوفييتي يدعو "إلى قيام سلام دائم على أساس الاعتراف المتبادل بالاستقلال السياسي والوحدة الإقليمية لجميع دول المنطقة، يدخل في ذلك الحدود المعترف بها وفك الارتباط وسحب القوات، وحرية الملاحة البحرية.. مع حل عادل لمشكلة اللاجئين.. والاعتراف بحق الدول في الوجود بسلام وأمان.." ولا تريد إسرائيل خيرا من هذا المشروع الذي يضع القضية الفلسطينية في قبضة إسرائيل مقابل الأرض العربية، فلا تنسحب إسرائيل عنها إلا بعد أن تعترف الدول العربية لإسرائيل بالوطن الفلسطيني أو معظمه وطنا شرعيا للشعب اليهودي..

        وخاضت وفود الدول الأعضاء في غمرة الخطب والمناقشات تقدمت خلالها ثلاثة مشروعات قرارات:

        الأول- المشروع الألباني ويدعو إلى إدانة العدوان الإسرائيلي ومساندة أمريكا وبريطانيا له، والمطالبة بانسحاب قوات إسرائيل فورا وبدون شروط، وإلزام إسرائيل بدفع تعويضات..

        الثاني- مشروع دول عدم الانحياز ويدعو إلى انسحاب إسرائيل لقواتها إلى ما وراء مواقع 5 يونيو 1967، ومطالبة السكرتير العام بتعيين ممثل له لمساعدته في تنفيذ ذلك، ومطالبة مجلس الأمن ببحث جميع نواحي الموقف في المنطقة وإيجاد طرق سليمة لحل جميع المشاكل.

        والثالث- مشروع دول أمريكا اللاتينية، وهو قريب الشبه بالمشروع الأمريكي.. وقد أوحت به الولايات المتحدة بقصد "بعثرة" الأصوات في الأمم المتحدة.. وهو تكتيك اعتادت أمريكا أن تلجأ إليه حتى ترسو الأمم المتحدة على قرار أمريكي، أو على غير قرار!!

        وخطب رؤساء الوفود العربية، وكان في مقدمتهم الدكتور نور الدين الاتاسي رئيس الدولة السورية، والملك حسين عاهل الأردن، والسيد أحمد محمد محجوب رئيس وزراء السودان، والعشرة المبشرة، من وزراء خارجية الدول العربية، جميعهم ثلاثة عشر يمثلون عدد الدول العربية يومئذ الثلاثة عشر.. فكانوا ثلاث عشرة لهجة ومنطقا، لا يجمع رقابهم إلا نير الهزيمة، ويا بئس النير.. ويا بئس المصير..

        ومضت أيام، والمناقشات دائرة، ولكن الدورة الطارئة أصبحت تدار في خارج الأمم المتحدة.. ذلك أن الرئيس السوفييتي قد انتهت مهمته في الأمم المتحدة غداة أن ألقى خطابه، ثم بدأت مهمته الحقيقية مع الرئيس جونسون، بعيدا عن الأنظار والأسماع... بعيدا عن الأمم المتحدة.. ليتفقا مرة أخرى على قضية فلسطين وشعب فلسطين..

        وتم اللقاء بين الرئيسين الأمريكي والسوفييتي وسط مظاهر حافلة بالترحاب والمودة، وقد امتد الاجتماع الأول قرابة خمس ساعات.. وكان الاجتماع مغلقا بين الرئيسين وحدهما.. فلم يكن معهما أحد من الوزراء والخبراء، وانتهى الاجتماع وخرج الرئيسان إلى الصحفيين، فلم يكشفا عن شيء بالتحديد،ولكن تصريحهما قد كشف أن أزمة الشرق الأوسط قد غاصت في خضم الأمور العالمية الأخرى.. فقال الرئيس الأمريكي على مسمع من الرئيس السوفييتي: "لقد أتاح لنا اجتماعنا هذا فرصة ليتعرف كل منا على الآخر..وتبادلنا خلال الاجتماع الآراء حول عدد من المسائل الدولية، من بينها الموقف في الشرق الأوسط وفيتنام ومنع انتشار الأسلحة النووية.. وقد اتفقا أن الوصول إلى اتفاق بمنع انتشار الأسلحة النووية أمر في غاية الأهمية الآن.. وتبادلنا الرأي بالعلاقات الثنائية بيننا.." وقال الرئيس السوفييتي بدوره على مسمع من الرئيس الأمريكي ".. أشكر الرئيس جونسون على ترتيب اجتماعنا في مدينة على هذا القدر من الجمال.. وقد فهمتم مما قاله الرئيس جونسون أننا حشدنا عددا ضخما من المسائل إلى حد لم نتمكن معه أن نكون قادرين على التعرف لها جميعا اليوم، ولهذا قررنا أن نجتمع يوم الأحد.. وليس لدي ما أضيفه إلى ما قاله الرئيس جونسون فإن بيانه قد صيغ على نحو سليم جدا..".

        وجاء يوم الأحد، ليسبغ على اجتماع الرئيسين سلاما وأمنا وصفاء.. فكان أشبه باجتماع عائلي تسوده حرارة الأسرة الواحدة حين تلتقي بعد غياب طويل، ذلك أنه حينما وصلت سيارة الرئيس كوسيجن إلى منزل الرئيس جونسون الريفي، قالت وكالات الأنباء، "أن الرئيس الأمريكي وزوجته أسرعا للقاء الرئيس السوفييتي وابنته لودميلا، ورحبا بهما ترحيبا حارا، ودخل الجميع إلى المنزل حيث التقطت لهم جميعا صور تذكارية.. ثم دخل الرئيسان غرفة الاجتماع ودخل معهما المستر أفريل هاريمان الخبير بشؤون فيتنام لمدة ربع ساعة.. وبعد ذلك دخل أعضاء الوفدين الأمريكي والروسي واستمر الاجتماع خمس ساعات.." كما جرى في الاجتماع السابق فقد أدلى الرئيس الأمريكي للصحفيين بتصريح قال فيه "أنهما بحثا عددا ضخما من المشكلات، بالتفصيل،واتفقا أن يظلا على اتصال بالمستقبل.." وقال الرئيس السوفييتي من جانبه أنهما "تناولا عددا من المسائل الدولية كما فعلا في اجتماعهما الأول، وأن هذه الاجتماعات قد أتاحت الفرصة لاستعراض حالة العلاقات الأمريكية السوفييتية ومقارنة المواقف إزاء المشاكل البارزة"..

        واضح من تصريحات الرئيسين أن الدورة الطارئة قد "طرأت" عليها أمور أهم وأعظم من الشرق الأوسط وحاضره ومستقبله، والويل لمن يكون على جدول العملاقين.. إنه يفقد القدرة على تقرير المصير بل وعلى رؤية المصير.

        وفي اليوم التالي فقدت الدورة الطارئة، كذلك، القدرة على تقرير المصير.. فقد سافر الرئيس كوسيجن وحاشيته، كما قالت وكالات الأنباء، (على متن طائرة تابعة لسلاح الجو الأمريكي إلى شلالات نياجرا، وهي من أبرز معالم السياحة في أمريكا) وكان مقدرا أن تتساقط مناقشات الأمم المتحدة عند مساقط شلالات نياجرا، وإن تحتجب وراء أقواس قزح، التي تتهادى في سماء تلك المدينة الفاتنة..

        وليس هذا الكلام مجازا أو خيالا، فما أن فرغت الوفود من الخطب والمداولات وشرح مشروعات القرارات، وأضدادها وأندادها، حتى وصلت المنظمة الدولية إلى مرحلة التصويت على المشروعات.. وكانت مصادفة غريبة عجيبة أن كان ذلك اليوم هو الخامس من يوليو، أي بعد شهر كامل من حرب الأيام الستة..

        وكما سقطت الضفة الغربية وسيناء والجولان قبل ثلاثين يوما في ميدان القتال، سقطت مشروعات القرارات كلها في المعركة السياسية وعلى مسرح الأمم المتحدة.

        وكانت نتيجة الدورة الطارئة أن انتهت إلى غير قرار، وبقى الاحتلال الإسرائيلي جاثما على الأرض العربية.. وعاد الرئيس كوسيجن، إلى موسكو دون أن يحقق أي هدف للأمة العربية..

        وهذا ليس بالأمر المهم، فالمهم أن العملاقين العظيمين قد التقيا، وقد اتفقا.. وكانت قضية فلسطين هي محور التلاق والاتفاق.

        وستمر الأيام والشهور والأعوام، ويأتي بعدها مؤتمر السلام في جنيف في ربيع 1977 تحت رياسة الدولتين العظميين.

        أما حجر الأساس فقد وضع في نيويورك قبل عشر سنوات، على يدي الرئيسين العملاقين، جونسون وكوسيجن.. والويل ثم الويل لمن يرميه القدر بين يدي عملاقين رحيمين، حبيبين!!

 

 

 

 

 

 


 

 

إنهم لا يملكون..

حتى الملوك والرؤساء

 

        ما أن انتهت الدورة الطارئة حتى دخلت الملهاة المأساة إلى مجلس الأمن مرة ثانية.. ولم يكن الدافع لدخولها نوازع العدل المطلق والحق المجرد.. ولا الاحتلال الإسرائيلي الباسط ذراعيه وساقيه على الأرض العربية.. فإن مجلس الأمن لا يتحرك بهذه النوازع، ولا تدفعه هذه الدوافع.. وإنما تحرك أحداث الصراع ووقائع القتال، حتى ولو كان صغيرا.. وهذا ما جرى فعلا فقد وقع تبادل إطلاق النار على الجبهة المصرية أكثر من مرة، وانعقد مجلس الأمن في جلسات عاجلة للنظر في الموقف.. وكانت القاهرة من غير شك وهي على حق هي البادئة بإطلاق النار، وتقصد من وراء ذلك "تسخين" الموقف، حتى يتحرك مجلس الأمن.. فإذا اختل الأمن تحرك المجلس، والمجلس لا تحركه إلا الصواريخ والقذائف..

        والموقف قد انفجر في اليوم الحادي والعشرين من شهر أكتوبر، ولم يكن في الواقع مفتعلا من جانب مصر.. ولكنه كان عدوانا سافرا من قبل إسرائيل، من غير شك ولا ريب، ففي ذلك اليوم كانت المدمرة الإسرائيلية إيلات تتبختر في المياه الإقليمية المصرية على مقربة من شواطئ بورسعيد، وكانت وجهتها نحو مدينة بورسعيد.. فتصدى لها زورق مصري بالصواريخ فأصيبت إصابة مباشرة، وغرقت المدمرة الإسرائيلية وقتل من جنودها تسعة عشر، وفقد ثمانية وعشرون، وأصيب واحد وتسعون بجراح، وبعضهم كانت إصابتهم خطيرة..

        وفي دقائق قليلة كان النبأ قد انتشر في كل أنحاء العالم، لعظم الخسارة التي حلت بإسرائيل من جراء هذه الضربة العسكرية العربية الحاسمة..وأصيبت إسرائيل بذعر بالغ انتشر في الجماهير اليهودية، وقد رأت فيه أن العرب قادرون أن يحركوا عقارب الساعة في صالحهم.. أما في الوطن العربي فقد تفجرت عواطف الأمة العربية بالبهجة والنشوة، ولعلعت الإذاعات العربية والتصريحات الرسمية والتعليقات الصحفية وكلها تشيد بالجندية المصرية العربية، وتنظر إلى تدمير إيلات على أنه الخطوة الأولى على الطريق.. اقتلاع الهزيمة أولا، وبلوغ النصر ثانيا.

        وكان المتوقع أن تبادر إسرائيل إلى الثأر العاجل، كما جرت السوابق مع إسرائيل منذ أن انعقدت الهدنة في عام 1949، ولكن إسرائيل نامت على جراحها ثلاثة أيام بلياليها، إلى أن حل اليوم الرابع والعشرون فكان يوما رهيبا نزلت فيه في مصر خسارة رهيبة.

        واختارت إسرائيل الساعة الثانية والنصف من ظهر ذلك اليوم، في فترة ملائمة لقصف الطائرات وقذف المدافع، فراحت القوات الإسرائيلية البرية والجوية تضرب مدن القناة من الشمال إلى الجنوب مركزة نيرانها حيثما كان.. على المدن والمزارع، على المنشآت والمصانع، على المستشفيات والمعابد والمدارس وعلى جماهير المدينة.. واستمرت موجات الغارات الإسرائيلية قرابة ست ساعات وأصبحت معركة كاملة أشبه ما تكون بحرب الأيام الستة، ولكن مصغرة مكثفة، بالساعات الستة بدلا من الأيام الستة.

        ودعا الوفد المصري في نيويورك إلى جلسة طارئة لمجلس الأمن، فانعقد في مساء اليوم نفسه في الساعة التاسعة مساء حسب توقيت نيويورك.. يقابله فجر اليوم التالي حين كانت النيران ما تزال مشتعلة في منطقة القنال.

        ولقد كان هذا العدوان الإسرائيلي الغادر "شاهدا" علميا، ومثلا قانونيا يشبه "الشواهد" و "الأمثلة" التي يستشهد بها في المراجع العلمية والقانونية لإثبات العدوان، فإن جميع الوقائع والقرائن تثبت بما لا يرقى إليه الشك أنه عدوان وحشي مدبر، لا يستطيع مجلس الأمن إزاءه إلا أن يدين المعتدي وأن يوقع عليه العقاب.. والدلائل متوافرة.. ويبقى أن تتوافر النية والرغبة لدى الدول العظمى.

        لقد كانت الخسائر جسيمة إلى حد بعيد، فإن منطقة السويس تحتوي على منشآت ومصانع مدنية تؤلف قسما كبيرا من ثروة مصر القومية، وعلى رأسها مصنع تكرير البترول، ومصنع الأسمدة، ومصنع البتروكيماويات، ومنشآت الميناء.. وغيرها.. كل ذلك أشعلتها ودمرتها القوات الإسرائيلية، وبقيت النار متأججة فيها عدة أيام، والوهج من حولها ممتد إلى بضعة كيلومترات.

        وشرح مندوب مصر، العدوان الإسرائيلي، مبتدئا خطابه بعبارة مثيرة "إن السويس تحترق" وانتقل بعد ذلك إلى سرد تفاصيل العدوان وما آل إليه من تدمير وتقتيل وتهجير..ذلك أن المنطقة مزدحمة بالعمال والفلاحين، وقد هاجر الألوف منهم إلى مختلف أنحاء الجمهورية، ليزيدوها ازدحاما على ازدحام..

        وقد تعززت هذه الوقائع بالتقرير الذي بعث به كبير المراقبين الدوليين وأصبح وثيقة رسمية من وقائع المجلس.. غير أن التقرير قد كشف عن جانب خطير من العدوان الإسرائيلي يتلخص في أن هيئة الرقابة الدولية قد حددت موعدا لوقف إطلاق النار لثلاث مرات.. وفي هذه المرات الثلاث رفضت إسرائيل الإذعان.. وقبلت مصر وقف إطلاق النار.. وكان الجواب الإسرائيلي في كل مرة أن إطلاق النار، وقفه واستمراره، تقرره القيادة الإسرائيلية.. وأن هذه القيادة قررت وقف إطلاق النار في الساعة 15.30 حسب توقيت جرينتش.. وفي هذه الساعة كان الهجوم الإسرائيلي قد بلغ غايته وحقق خطته كاملة شاملة..(1)

        وهكذا أوقفت إسرائيل إطلاق النار في معركة السويس بعد أن أحرقت ودمرت وقتلت، جميع ما استهدفت تدميره وإحراقه وتقتيله.. تماما كما جرى في معركة الأيام الستة، لم تذعن إسرائيل لوقف إطلاق النار إلا بعد أن أتمت احتلال جميع الأراضي العربية التي تستهدفها، سيناء والجولان والضفة الغربية..

        وثمة عاملان يضاعفان شناعة العدوان الإسرائيلي وبشاعته.. الأول: أنه وقع في الوقت الذي تجلت فيه الأريحية العربية حين سمحت مصر للقوات الإسرائيلية أن تبحث عن غرقاها في المياه الإقليمية المصرية، والثاني: أن العدوان الإسرائيلي قد وقع في ذكرى ميلاد الأمم المتحدة، غداة كانت الأسرة الدولية تمجد ميثاق المنظمة العالمية، وتفاخر بأحكامه..

        والواقع أن إسرائيل كانت عازمة على العدوان من غير مبالاة بهذين العاملين.. وكانت تصريحات المسؤولين الإسرائيليين تبيت الغدر والعدوان، وصدرت عنهم التصريحات المتعددة في أنهم لن يتقدموا بالشكوى إلى مجلس

الأمن،ورغما عن كل هذه الوقائع والمواقف، فقد وقف السفير الأمريكي الصهيوني، المستر جولدبرج، موقف اللامبالاة بالخسائر الجسيمة التي ألحقها العدوان الإسرائيلي بمصر، وراح يربط بين حادثة المدمرة ايلات وملحمة السويس، ضاربا عرض الحائط بالميثاق وأحكامه، ومبادئ القانون الدولي، وقرارات مجلس الأمن المتعددة التي تدين العدوان، حتى ولو كان العدوان ثأرا أو انتقاما، أو ردا على العدوان بالعدوان.

        بل وذهب السفير الأمريكي إلى أبعد من ذلك، فقدم مشروع قرار، لا يشير إلى العدوان الإسرائيلي من قريب أو بعيد، وكل ما ينص عليه هو "إدانة جميع انتهاكات وقف إطلاق النار.. ودعوة الحكومات إلى الكف عن إطلاق النار".. وماذا تريد إسرائيل خيرا من هذا القرار.. الذي يمكن أن يعني أية منطقة أخرى في العالم خلاف الشرق الأوسط!!

        واشترك أعضاء المجلس في المناقشات وتقديم مشروعات قرارات... وكان للاتحاد السوفييتي مشروعان، تقدم بالأول في بداية الجلسات، وكان يتضمن عبارات صارمة تؤيد وجهة النظر العربية، وتقدم بالثاني في المراحل الأخيرة من المناقشة وكانت صياغة "ناعمة" طمعا في أن يفوز بإجماع المجلس.

        ولكن أمريكا كانت مسيطرة على مجلس الأمن في أزمة الشرق الأوسط، لأن ربيبتها إسرائيل كانت مسيطرة على الأرض العربية، ولم يكن الفيتو وحده هو قوة أمريكا، فقد كانت قوة أمريكا الحقيقية في إدارة الصراع السياسي في مجلس الأمن، مستندة في الأصل إلى "النصر العسكري الساحق الذي حققته إسرائيل".. يضاف إلى ذلك أن الاتحاد السوفييتي قد جنح إلى العمل السياسي والضغط الدبلوماسي لزحزحة إسرائيل عن الأرض العربية، وبقى ميزان القوى راجحا نحو أمريكا وإسرائيل معا.

        وتأجلت جلسات الأمن غير مرة.. وبات واضحا أن العدوان الإسرائيلي على منطقة السويس سينتهي من غير عقاب حتى ولا قرار.. لا عنيفا، ولا خفيفا، ولا لطيفا..

        وبدأ العمل وراء الكواليس، واتفق العملاقان، روسيا وأمريكا، على مشروع قرار، وعرض المشروع على المجلس فأقره بالإجماع.. فجاء صيغة أخرى للمشروع الأمريكي، وقد نص على "إدانة انتهاكات وقف إطلاق النار، والأسف على الضحايا والخسائر، والتوكيد على احترام وقف إطلاق النار، ومطالبة الحكومات بالكف عن إطلاق النار والتعاون مع هيئة الرقابة الدولية(1)...

        وهكذا انتهى العدوان الإسرائيلي وانتهت معه المجزرة والملحمة والمذبحة، على معالم الحياة في منطقة السويس، من غير تنديد بإسرائيل، فكانت نصرا آخر لأمريكا وربيبتها إسرائيل، وهزيمة أخرى للاتحاد السوفييتي وأصدقائه حكام العرب الميامين!!

        ولكن العدوان على منطقة السويس قد فتح ملف أزمة الشرق الأوسط من جديد أمام مجلس الأمن، وانتقل إلى الموضوع الكبير "التسوية السلمية لأزمة الشرق الأوسط.." وهو الموضوع الذي تركه وراءه منذ أن انتهت السخونة في حرب الأيام الستة.. فإن مجلس الأمن يمتلك ثلاجة كبرى يضع فيها القضايا الدولية الباردة، لتزداد برودة على برودة.

        وبدأ مجلس الأمن في اجتماعاته داخل المجلس، وفي الاجتماعات وراء الكواليس، يقرع أبواب الصراع العربي الإسرائيلي بحثا عن النقطة الضعيفة لينفذ منها إلى تسوية سلمية بين إسرائيل والدول العربية.. ودخل الموضوع في مراحل متعددة، ابتداء من شهر يوليو إلى شهر نوفمبر.. والمناورات والمداورات تدور في حلقات مفرغة.. لا لأن القضية بالغة التعقيد إلى هذا الحد، ولكن لأن المساعي الدولية كانت تستهدف تحقيق المستحيل.. والمستحيل هنا هو الصلح على الوطن.. والوطن هنا هو فلسطين.. وفلسطين، في هذه المرحلة، يجب أن يكون معظمها لإسرائيل.. وأن يعترف العرب بذلك، وأن يلتزموا بسيادتها وسلامها، ذلك ما يريده العملاقان الكبيران "ولكل وجهة هو موليها"!!

                لقد كان هذا هو الهدف الدولي طيلة ربع القرن الماضي منذ أن نشأت إسرائيل، ولم تدخر الولايات المتحدة وأعوانها، داخل الأمم المتحدة وخارجها، الجهد بعد الجهد لتحقيق هذا الهدف، ولكن هذه الجهود المتلاحقة لم تحقق ما كانت تسعى إليه.. إلى أن وقعت حرب الأيام الستة وسقطت الأرض العربية تحت الاحتلال الإسرائيلي.. فكانت الفرصة الكبرى لأمريكا وإسرائيل معا لاستغلال هذا "النصر" واعتصاره إلى آخر قطرة.. واعتصار آخر قطرة حتى الذرة..!!

        ولم تكد حرب الأيام الستة تضع أوزارها على مشارف القتال، وضفاف الأردن.. وهضاب الجولان، حتى اندفع الرئيس الأمريكي جونسون يعلن في غير مواربة أن أزمة الشرق الأوسط لا يمكن تسويتها إلا بالصلح بين الدول العربية وإسرائيل، والاتفاق على جميع المنازعات القائمة بينهما.. ومن هنا أصبح الانسحاب الإسرائيلي عن الأرض العربية جزءاً من صفقة السلام.. وأصبح الوطن الفلسطيني في صميم هذه الصفقة..

        ولقد تحقق لإسرائيل وأمريكا النجاح المطلوب في المرحلة الأولى من مناقشات مجلس الأمن حين كان البحث دائرا حول وقف إطلاق النار.. هل يرافقه أو لا يرافقه طلب بالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية.. وأفلحت أمريكا بقدراتها وسلطاتها الضاغطة.. وبتخاذل الاتحاد السوفييتي، في أن يكون قرار مجلس الأمن قاصرا على وقف إطلاق النار، من غير انسحاب.. وبقيت الأرض العربية تحت الاحتلال، وتلك هي حصيلة موقف مجلس الأمن..

        ولقد زاد من هذا "النصر" لأمريكا وإسرائيل أن الجمعية العامة التي انعقدت في دورتها الخاصة الطارئة بناء على اقتراح الاتحاد السوفييتي، قد انتهت إلى غير قرار.. وكان ذلك تكريسا لاحتلال إسرائيل للأرض العربية.

        وجاءت ثالثة الأثافي على يد الدول العربية، فلم تكد الدورة الطارئة تقفل جلساتها، حتى انعقد مؤتمر القمة العربي في الخرطوم في شهر أغسطس من عام 1967، فانصرف عن سياسة النضال القومي العربي، وتبنى الأخذ بالتسوية السياسية.. مقدما الدليل على "حسن النية" بالقرار الاستسلامي الشهير "باستئناف ضخ البترول العربي"، دعما لما أسماه الصمود العربي.. الصمود في ساحة الهزيمة!!(1)

        كل هذه العوامل دخلت في حساب الولايات المتحدة، وهي تخطط لاستصدار قرار "يلزم" الدول العربية وإسرائيل، بالتفاوض وحل الخلافات بينهما.. وفي النهاية الدخول في الصلح النهائي.. وما أن بدأ مجلس الأمن

في بحث الشكوى العربية بصدد معركة السويس حتى بدأت الولايات المتحدة تُردِّد نغمتها القديمة بالصلح العربي الإسرائيلي، وتتخذ من معركة السويس برهانا جديدا على صحة رأيها.. وراحت تندب الخسائر والضحايا البريئة، وتتساءل: ألم نقل لكم أن الأمر خطير.. وأنه ستقع أحداث جسام إذا لم تتم تسوية الأزمة بالاتفاق والسلام؟..

        وجاء دور الخطب فلم تتورع الولايات المتحدة عن مناشدات السلام بكل تقوى وورع، وشارك في هذه الحملة المندوب البريطاني اللورد كارادون، الذي كان اسمه قبل هذا اللقب المستر فوت، وكان أحد الحكام البريطانيين في فلسطين في عهد الانتداب البريطاني.. فقد وصلت به المبالغة بالتعلق بالعدالة والحق أن أنشد بيتا من الشعر الإنجليزي، هو غاية في السمو الإنساني.. ففي إحدى الجلسات استشهد اللورد كارادون بالشعر والشاعر بلهجة مؤثرة فقال(1):

Earth is Sick

And Heaven is weary of Hollow Words

Which states and kingdoms utter

When they speak of truth and justice

وترجمتها: "ملت الأرض، والسماء ضجرت من الكلمات الفارغة، التي تنطق بها الدول والممالك حينما تتحدث عن الحق والعدل " .. ويكاد المرء لا يصدق أن يكون هذا الشعر انجليزيا , وإن يستشهد به مندوب بريطانيا في مجلس الأمن , ولو ادعاه شاعر عربي او اسيوى أو أفريقي لصحت دعواه , وكان لهذا الشعر مغزاه ..

 والواقع أن هذا الشعر الإنجليزي كان مقدمة لدور كبير يلعبه الوفد الإنجليزي في مجلس  الأمن خارج المجلس وداخله , وقد كشف اللورد كارادون عن ذلك بنفسه , ففي خطاب الذي ألقاه غداة معركة السويس قال : "إنه ووفود المجلس كانوا يعملون في الأيام الماضية القليلة على وضع المبادئ التي يجب ان يتضمنها مشروع قرار منصف ومتوازن لتسوية أزمة الشرق ،الأوسط" (1) وتعبير "منصف ومتوازن" يجمع بين النقيضين.. فالإنصاف ينفي التوازن، والتوازن ينفي الإنصاف!!

        وعلى هذا فقد عُرضت على مجلس الأمن ثلاثة مشروعات: الأول مشروع الدول غير المنحازة وهو أقرب ما يكون إلى وجهة النظر العربية.. والثاني وهو مشروع أمريكي يؤيِّد وجهة النظر الإسرائيلية.. والثالث وهو مشروع روسي لا يختلف كثيرا عن المشروع الأول.. والهدف من تقديمه أن الاتحاد السوفييتي قدم مشروعا لصالح الدول العربية..

        والملاحظة المشتركة على هذه المشروعات الثلاثة، على اختلافها في الأولويات، أنها قد نصت على الانسحاب إلى خطوط ما قبل القتال.. ولم يكن في أي منها دعوة للانسحاب إلى خطوط الهدنة لعام 1949، وبين خطوط 1967، وخطوط 1949، ما يزيد على بضعة آلاف كيلومتر مربع من الوطن الفلسطيني "تخلت" عنها المشروعات الثلاثة إلى إسرائيل.. ولم لا تفعل ذلك الدول الصديقة والعدوة على السواء، ما دام الموقف العربي الرسمي نفسه قد رضي بهذا التراجع، الحزين المشين!!

        ولقد حدث أن السكرتير العام للأمم المتحدة، المستر يوثانت رحمه الله، قد أنجد الموقف العربي، حيث لا تنفع النجدة، فأدلى قبل بضعة أيام من على منبر الأمم المتحدة بتصريح هام قال فيه ".. ليست هناك أية إشارة سواء في الجمعية العامة أو في مجلس الأمن تدل على تغيير في صحة أو تطبيق اتفاقيات الهدنة نتيجة للحرب الأخيرة أو حرب 1956، والواقع أن كل اتفاقية تتضمن نصا يفرض أن تظل نافذة إلى أن تتم تسوية سلمية بين الفريقين.. وتنص الاتفاقيات بأنه بموافقة الفرقاء يمكن تعديل أو تعليق هذه الاتفاقات.. وليس فيها نص بأنه يمكن إنهاؤها من طرف واحد.. وهذا هو موقف الأمم المتحدة دائما، وسيظل هذا الموقف إلى أن يقرر مرجع مختص غير ذلك"..(1)

        ولكن مجلس الأمن كان يسير في اتجاه آخر.. وكانت المشاورات خلف الكواليس متخلفة حتى عن الخطب الرسمية التي كانت متخلفة بدورها عن "موقف الحق والعدل" الذي نادى به الشاعر الإنجليزي، ولو في أدنى حدوده، واللورد كارادون نفسه قد ذكَّر المندوب السوفييتي بالفارق بين "خطبته في المجلس وأحاديثه وراء الكواليس.."(2)

        والمندوب الروسي الذي جاء خصيصا من موسكو لحضور هذه المرحلة من مناقشات مجلس الأمن هو السيد كوزتنسوف نائب وزير الخارجية السوفييتية، وهو معروف منذ أزمة كوبا الشهيرة التي كادت أن تؤدي إلى مواجهة عسكرية بين أمريكا وروسيا، بأنه من الحمائم في السياسة الروسية، وأنه يجنح إلى اللين والتوافق في الأزمات الحادة.. ولم يكن سرا لدى الوفود العربية أن المندوب الروسي يريد الانتهاء من مجلس الأمن بقرار، بأي قرار، بعد أن فشل المجلس والجمعية العامة معا في استصدار قرار بانسحاب القوات الإسرائيلية.. بل إن هذا الفشل بذاته هو الذي أدى إلى زيادة التصلب في الموقف الإسرائيلي..

        وفي الجانب الآخر، فقد كانت أمريكا تأخذ بناصر إسرائيل جهارا ونهارا، ولم يتردد السفير الأمريكي الصهيوني المستر آرثر جولدبرج في أن يعرض مشروع قرار لا تصنع إسرائيل خيرا منه.. ففي هذا المشروع ربطت أمريكا بين الانسحاب الإسرائيلي والصلح العربي ربطا لا انفصام فيه.. وفي خطابه في مجلس الأمن في جلسة 15 نوفمبر أعلن السفير الأمريكي "أن هذا الترابط ليس مصطنعا.. نحن لم نصنعه.. إنه في صميم القضية وفي صميم تاريخ القضية.. فلا انسحاب من غير حدود آمنة معترف بها.."(1)

                إزاء هذا التعارض بين الموقفين: الأمريكي والروسي، جاء دور بريطانيا في اللعبة السياسية، وكان هذا الدور في ظاهره يمثل دور الوسيط بين الموقفين للوصول إلى قرار "منصف ومتوازن".. ومن هنا دخل اللورد كارادون إلى حلبة النقاش بعد أن غمس لسانه بالشهد المصفى، فقال للوفود العربية "إن موضوع الانسحاب هو رأس المشكلة عندكم، وأنتم تريدون العدل لا الإحسان،والوصول إلى تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين.." وقال لإسرائيل "وأنتم لا تريدون الانسحاب إلى خطوط هدنة هشة.. ولكن إلى سلم دائم، إلى حدود آمنة.." ثم خاطب الفريقين بقوله: "وكلا الفريقين على حق في مطالبهما.. وإن أهدافهما غير متضاربة.. بل إنها يكمل بعضها بعضا.."(1)

        وهذه الصياغة البريطانية تذكر المواطن العربي بصيغة وعد بلفور سنة 1917، قبل نصف قرن من الزمان، حينما أعلنت بريطانيا التزامها "بإنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين بشرط عدم الإضرار بمصالح الطوائف غير اليهودية.." وإن هذين الالتزامين لا يتعارضان بل يكمل بعضهما بعضا.

        وانطلاقا من الصياغة البريطانية هذه تقدم اللورد كارادون بمشروع قرار ينص على الآتي:-

        إن مجلس الأمن (بعد الديباجة):

1- يؤكد أن تحقيق مبادئ الميثاق يتطلب إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط ويستوجب تطبيق كلا المبدأين التاليين:-

                              أ‌-         سحب القوات المسلحة الإسرائيلية من أراض احتلتها في النزاع الأخير..

         ب‌-  إنهاء جميع ادعاءات أو حالات الحرب واحترام واعتراف لسيادة ووحدة أراضي كل دولة في المنطقة، واستقلالها السياسي وحقها في العيش بسلام ضمن حدود آمنة ومعترف بها وحرة من التهديد أو أعمال القوة.

  2- يؤكد أيضا الحاجة إلى:

  أ- ضمان حرية الملاحة في الممرات المائية الدولية في المنطقة.

  ب- تحقيق تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين.

  ج- ضمان المناعة الإقليمية والاستقلال السياسي لكل دولة في المنطقة عن طريق إجراءات بينها إقامة مناطق مجردة من السلاح.

  3-  يطلب من الأمين العام تعيين ممثل خاص للذهاب إلى الشرق الأوسط، كي يقيم ويجري اتصالات مع الدول المعنية بغية إيجاد اتفاق، مساعدة الجهود لتحقيق تسوية سلمية ومقبولة وفقا لنصوص ومبادئ هذا القرار..

  4-  يطلب من الأمين العام أن يرفع تقريرا إلى مجلس الأمن حول تقدم جهود الممثل الخاص في أقرب وقت ممكن.."

        وواضح أن هذا المشروع قد أعطى لإسرائيل كل مطالبها التي كانت تصبو إليها منذ قيامها في عام 1948، وكان من الطبيعي لذلك أن يصفه اللورد كارادون في خطابه بأنه "أعظم قرار أصدرته الأمم المتحدة حتى الآن".

        ولم يعلق الجانب العربي على مشروع القرار من قريب أو بعيد، كأنه لم يعرض على المجلس، واكتفى الجانب العربي بتوكيد موقفه من الانسحاب.. وكذلك فعل المندوب الإسرائيلي فلم يذكر مشروع القرار بخير أو بشر.. وواضح أن هذا الصمت من الجانبين كان قبولا صامتا لمشروع القرار البريطاني.

        وتأجلت الجلسة مرتين بحجة أن بعض الوفود تريد أن تدرس مشروع القرار "نظرا لأهميته وخطورته ولتلقي تعليمات بشأنه من حكوماتهم"... ولكن التأجيل كان في الواقع، من أجل إقناع الوفد البريطاني بإدخال بعض تعديلات تكون أقرب إلى وجهة النظر العربية، وأكثر توازنا.. قد أعطى المشروع البريطاني لليهود معظم مطالبهم، وأسقط للعرب معظم مطالبهم!!

        وانقضت أربعة أيام وراء الكواليس (16/20 نوفمبر) والدول العظمى في محاورة ومناورة فيما بينهم، والوفد البريطاني مصر على مشروعه يسانده الوفد الأمريكي، وعاد المجلس إلى الانعقاد فعرض الاتحاد السوفييتي في بداية الجلسة مشروعا أخف وألطف من مشروعه السابق، ولا يكاد يختلف عن المشروع البريطاني.. حتى أنه في قضية اللاجئين لم ينص على عودتهم إلى ديارهم وفق ما قررته الأمم المتحدة في بضعة عشر قرارا، بل استخدم نفس النص البريطاني "تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين".. وظهر جليا أن المندوب السوفييتي لم يكن يهدف إلا إلى مجرد تقديم مشروع قرار، نجح أو لم ينجح.

        وقد برَّر المندوب السوفييتي مشروعه الخفيف اللطيف، بخطاب طويل يكاد أن يكون مبررا للمشروع البريطاني فقد قال.. ".. يجب أن نلاحظ أنه قد برزت مؤخرا ظروف ملائمة للوصول إلى تسوية سياسية لموضوع إزالة آثار العدوان الإسرائيلي.. ولقد أظهرت الدول العربية مصلحتها في تسوية سلمية، واستعدادها للبحث في الطرق التي تؤدي إلى سلام دائم في الشرق الأوسط.. والاتحاد السوفييتي من جانبه له مصلحة حيوية في توحيد السلام في منطقة الشرق الأوسط.."(1) وبهذا قد تحدث المندوب السوفييتي نيابة عن الاتحاد السوفييتي "وأصالة" عن الدول العربية..

        وعاد اللورد كارادون لشرح مشروعه، وكشف النقاب عن المحاولات التي كانت تجري وراء الكواليس لإدخال تعديلات عليه، وكيف أنه أصر على كل كلمة وحرف فيه.. فقال "لقد تعرضت لضغط شديد من قبل الفريقين لإدخال تعديلات، وخاصة في ما يتعلق بالانسحاب.. ولكن ذلك يهدم التوازن المتساوي في المشروع.. لقد ذكرنا "الانسحاب من أراض" وهذا النص واضح.. ونحن غير مستعدين لإجراء أن تغيير في هذا النص أو فيما يتعلق بالسلام الدائم.. ونحن إذا حاولنا أن نزيل "قرميدة" هنا أو "قرميدة" هناك.. فإن الهيكل العام الذي بني بعناية سيهوى ساقطا"!!

        وكان المطلب العربي قد تواضع إلى القاع، فإنه لم يرفض المفاوضات والتعايش والصلح مع إسرائيل، كما نادى مؤتمر الخرطوم في "لاآته" الثلاثة التي أعلنها قبل شهرين سبتمبر وكذلك لم يكن المطلب العربي يدعو إلى تحرير فلسطين وغير ذلك من المواقف "المتطرفة".. فقد حصر كل مطلبه في أن يضيف المندوب البريطاني على مشروعه "أل" التعريف عند كلمة "أراض" وذلك ليكون الانسحاب شاملا جميع الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حرب الأيام الستة.. ولكن المندوب البريطاني قد رفض إضافة "أل" التعريف، واعتبر أن إضافتها ستكون "القرميدة" التي تجعل "هيكل" المشروع يتساقط على الأرض.

                وكما يفعل اللاعبون في كرة القدم، تناول السفير الأمريكي "الكرة" وأعلن أنه مستعد أن يطرح صوته إلى جانب المشروع البريطاني رغما عن أنه قدم للمجلس مشروعا أمريكيا خاصا في السابع من نوفمبر، لأن المشروع البريطاني حسب تعبيره، "يمثل الاتجاه العام في المجلس ولأنه يتفق مع المبادئ الخمسة التي أعلنها الرئيس جونسون في أعقاب حرب الأيام الستة ".. ثم وجه ما يشبه الإنذار إلى المجلس بأن لا يحاول إدخال أي تعديل على المشروع البريطاني،لأنه كما قال: "يراعي المصالح الأساسية للفريقين، ويقوم توازنه على حد الشفرة.."!!(1) ويقينا إنها الشفرة التي ستقطع أوصال فلسطين.

        واستشعر مجلس الأمن، بعد هذا التحذير الأمريكي المبطن، أن أمريكا غير مستعدة أن تضيف حرفا واحدا على المشروع البريطاني وطلب المندوب البلغاري، وهو الذي يحاول على الدوام أن يتستر على مواقف الاتحاد السوفييتي، تأجيل الجلسة يومين آخرين، للتشاور وطلب التعليمات.. فتمت الموافقة على التأجيل إلى يوم الأربعاء في الثاني والعشرين من شهر نوفمبر..

        ولا بد لنا أن نقف قليلا عند هذا التاريخ.. الثاني والعشرين من شهر نوفمبر.. فقد تكرر على الأسماع العربية، بعد ذلك لسنين طويلة، في الصحف والإذاعات، وفي خطب الملوك والرؤساء.. حتى غدا من الأيام القومية!! وازداد تكراره بعد أن أصبح مؤتمر جنيف حديث القاصي والداني، والرعية والراعي!!

        وانعقدت الجلسة في الساعة الثالثة والنصف من بعد ظهر يوم الأربعاء حين كان الظلام يسود الوطن العربي من المحيط إلى الخليج.. وكانت مصادفة توقيتية فيها بعض العزاء، وإن كان الوطن يجل عن العزاء ولا يجدي فيه السلوان.

        وكان أبرز المتكلمين في هذه الجلسة هو مندوب الهند.. ومنذ أن وقعت حرب الأيام الستة والمندوب الهندي يدافع عن القضية العربية بمنطق وعلم ودفء، وقد فاق مواقف الاتحاد السوفييتي على وجه التأكيد، فراح مندوب الهند يوضح مواطن الضعف في المشروع البريطاني، ثم انتقل بعد ذلك إلى القول "بأنه في حالة تبنيه من قبل المجلس فإنه يعني الانسحاب الشامل من جميع الأراضي العربية المحتلة.. وإني أكرر، من جميع الأراضي.. وبكلمات أخرى.. الانسحاب من جميع سيناء وغزة، القدس القديمة، المنطقة الأردنية الواقعة غربي نهر الأردن، والمنطقة السورية".

        وما أن ألقى المندوب الهندي الكرة على الهدف في إصابة مباشرة، حتى تلقفها المندوب البريطاني فإنها موجهة إلى مشروعه.. فأعلن بإصرار ووضوح، على "حد الشفرة"، حسب تعبير المندوب الأمريكي "بأن لكل وفد ملء الحرية والحق في أن يحدد سياسة حكومته في مجلس الأمن، وأن مشروع القرار لا يخص هذا الفريق أو ذاك، أو أي وفد من الوفود.. إنه يخصنا جميعا.. وإن القرار وحده هو الذي يلزمنا، ونحن نعتبر صياغته واضحة.. وأي وفد إنما يتكلم بالنيابة عن نفسه.."ورد المندوب الإسرائيلي بعبارات أخرى بمثل ما رد به المندوب البريطاني.

        واستنفد الموضوع كل قول وجهد، فأصبح كل قول معادا، وكل جهد مكررا، فأعلن الرئيس أن الوقت قد حان لإقفال المناقشة، وفتح باب التصويت.. وأن أمام المجلس أربعة مشروعات: مشروع الدول غير المنحازة، المشروع الأمريكي، مشروعان من قبل الاتحاد السوفييتي، والمشروع البريطاني.

        وهنا ختمت الملهاة المأساة بمسرحية صغيرة.. فقد أعلنت وفود الدول غير المنحازة عدم الإصرار على مشروعهم، وأعلن الوفد الأمريكي أنه لا يطرح مشروعه للتصويت، وأعلن الوفد السوفييتي أنه لا يرغب التصويت على مشروعيه في هذه المرحلة.. وبقي المشروع البريطاني على مائدة المجلس فطرح للتصويت، فارتفعت الأيدي بالإجماع، وتمت الموافقة على المشروع البريطاني.. وأصبح يعرف منذ ذلك الوقت بقرار مجلس الأمن رقم 242 الصادر في 22 نوفمبر 1967.. وسنرى كيف أصبح هذا القرار، وباتفاق أمريكا وروسيا، هو المظلة التي ينعقد تحتها مؤتمر جنيف.

        وهكذا التقى العملاقان: روسيا والولايات المتحدة، مرة أخرى، على قضية فلسطين، كما فعلا عام 1947 في تقسيم فلسطين، وكما فعلا قبل ثلاثة شهور بشأن وقف إطلاق النار.

        وستمر على القرار المشئوم (242) عشرة أعوام ينعقد بعدها مؤتمر جنيف، تحت رياسة العملاقين إياهما، ليتفقا على تصفية قضية فلسطين، بصورة أخرى..

        ولقد فات هؤلاء جميعا، العملاقان الكبيران، ومن تحتهما، أن حركة التاريخ أكبر منهما، وأن إرادة الشعوب أعظم منهما، وأن "الاتفاقات والتسويات" صائرة إلى زوال.

        إنها لا تعدو أن تكون هشيما تذروه الرياح، وستذرو معها جميع التوقيعات التي تحملها، كائنا من كان أصحابها.

        إن فلسطين هي ملك الأمة العربية جميعها، بأجيالها الماضية، وأجيالها القائمة وأجيالها الوافدة، ولا يملك أحد أن يصالح عليها، أو أن ينزل عن شبر واحد منها، حتى ولو كان ملك الملوك، أو رئيس الرؤساء.

        حتى ولو كان الملوك جميعا، والرؤساء جميعا، والتاريخ أمامنا وأمامكم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نقبل بعد النصر

ما رفضنا بعد الهزيمة

 

        في الساعة السابعة من مساء يوم الأربعاء في الثاني والعشرين من شهر نوفمبر في عام 1967 كانت آخر كلمات مدونة في محضر مجلس الأمن، تقول ".. لن أحمل إلى حكومتي إلا شيئا واحدا: هو النص الإنجليزي لمشروع القرار البريطاني.. وحينما تدرس نص المشروع فإن حكومتي ستحدد موقفها من قرار مجلس الأمن على ضوء سياستها الخاصة كما بينتها.." (1)وانفض مجلس الأمن على هذه الكلمات، وبهذه الكلمات انتهى مجلس الأمن من مناقشة أزمة الشرق الأوسط..

        وكان صاحب هذه الكلمات هو الوزير الإسرائيلي أبا إيبان، وكانت فرنسا هي السبب في الموقف الختامي الذي أعلنه الوزير الإسرائيلي.. وكانت "أل" التعريف هي الحافز على هذا الموقف.. وخلاصة القصة، وهي قصة تروى، أن المندوب الإفرنسي في مجلس الأمن، وكان ذلك في عهد ديجول، لم يكن مستريحا إلى مناورات الدول الثلاثة العظمى: روسيا وبريطانيا وأمريكا.. فقد أظهر تململه من ربط الانسحاب الإسرائيلي بإقامة السلام بين الدول العربية وإسرائيل وأكد "أن الدول العربية يجب أن تقبل التسوية السلمية بحرية كاملة، حرية خالية من أي ضغط بسبب وجود قوات إسرائيلية على أراضيهم"...(1)

        ثم إن المندوب الإفرنسي قد تناول نقطة هامة أخرى، فقد أشار إلى أن "النص الإفرنسي لمشروع القرار البريطاني قد احتوى على "أل" التعريف إلى جانب كلمة "أراضي.." وأنه يفهم القرار بهذا المعنى.. وكانت هذه الإشارة هي التي أثارت حقد الوزير الإسرائيلي على "أل" التعريف.. وقال ما قال..

        والواقع أن "أل" التعريف كانت السبب في تأجيل جلسات مجلس الأمن لأربعة أيام، والوفود العربية ومعهم أصدقاؤهم من الدول غير المنحازة، يجادلون اللورد كارادون ويناشدونه أن يضع هذه الكلمة الصغيرة المؤلفة من ثلاثة أحرف باللغة الإنجليزية The   قبل لفظة "أراضي" ولكن من غير جدوى.. وسانده في هذا الموقف الوفدان الأمريكي والإسرائيلي.. وكانت "أل" التعريف عند المندوب البريطاني هي "القرميدة" التي ينهار بها البناء كله.. أو هي الشعرة التي تقصم ظهر البعير، كما يقول الأعراب.

        ولكن الحقيقة التي لا مراء فيها أن هذا الجدل حول "أل" التعريف، لم يكن بيزنطيا ولا لغويا.. لقد كان موضوعيا يتصل بالموضوع كله.. إنه يتصل بالانسحاب الإسرائيلي.. الانسحاب من الأرض العربية كلها أو معظمها، أو بعضها!!

        ولم يكن الخوف من "أل" التعريف وهما أو خيالا فإن النصوص الأخرى في قرار مجلس الأمن تبرر هذه المخاوف.. إنها تؤيدها ولا تبددها.. فقد أشار قرار مجلس الأمن إلى "الحدود الآمنة، المتفق عليها، والمعترف به" وبذلك انتفى الجلاء عن كامل الأراضي العربية المحتلة.. وأصبح الانسحاب غير كامل ولا شامل، إنه يتم بمقدار، وإلى حدود معينة، يجب وضعها والاتفاق عليها والاعتراف بها.. والاتفاق هنا من جانب إسرائيل، والاعتراف من جانب الدول العربية.. وإسرائيل هي التي تقبض على الأراضي العربية.

        ولذلك فإن "أل" التعريف، على حجمها الصغير تطوي وراءها سهولا وجبالا، وأودية وهضابا، وقرى ومزارع، تطمع إسرائيل في الاستيلاء عليها، وبسبب الحدود الآمنة التي تتعلل بها وتتدلل عليها.

        والمواطن العربي حين يستعرض مناقشات مجلس الأمن خلال الأشهر الخمسة التي جاءت في أعقاب حرب الأيام الستة تفاجئه سلسلة من التراجعات السياسية، وآخرها ما جاء في قرار مجلس الأمن، ففي المرحلة الأولى من المناقشات في مجلس الأمن، كان الحديث يدور حول الانسحاب الإسرائيلي إلى خطوط الهدنة لعام 1949 التي تحددت باتفاق مفصل، موقَّع من الدول العربية وإسرائيل، وجرى التصديق عليه من قبل مجلس الأمن.. ثم تراجع الموقف إلى الحديث عن الانسحاب إلى خطوط الخامس من يونيو لعام 1967 .. ثم جاء قرار مجلس الأمن رقم 242 ليسجل تراجعا آخر، حينما نص على انسحاب إسرائيل، إلى خطوط جديدة، لم يتم تحديدها، بل تركت لاتفاق الطرفين، على أن يراعى فيها أن تكون "حدودا آمنة ومعترفا بها"..

        وهذا التراجع الجديد له معنى واحد وليس له معنى سواه.. معناه أنه يتعين على الفريق العربي أن يتنازل عن "الأرض الفلسطينية" التي تقع بين خطوط التقسيم لعام 1947 إلى حدود أخرى متقدمة لصالح إسرائيل، تقع في إطار القرار 242.. وهذه تشمل مساحة من الأرض الفلسطينية تزيد على خمسة آلاف كيلومتر مربع أي خُمس مساحة الوطن الفلسطيني بأجمعه.. وينتج عن ذلك أن تصبح إسرائيل سيدة شرعية، ومالكة قانونية لأربعة أخماس التراب الفلسطيني، بعضه عطاء من الأمم المتحدة في عام 1947، والبعض الآخر سخاء من مجلس الأمن في عام 1967.. وعلى الدول العربية في الحالتين الموافقة على هذا العطاء وهذا السخاء..!!

        وليس هذا الكلام مجازا ولكنه ما يدعو إليه مجلس الأمن حينما نص في قراره الفقرة ب من المادة الأولى "على إنهاء جميع الادعاءات.." وذلك يشمل "الادعاء" العربي بشأن فلسطين!!

        وقد يطول بنا المجال لو أننا أردنا أن نضع دراسة تحليلية لقرار مجلس الأمن، وحسب المواطن العربي أن يدرك أنه قد حقق لإسرائيل كل مطالبها التي كانت تتطلع إليها منذ زمن طويل.. تلك المطالب التي حاولت إسرائيل تحقيقها عن طريق الأمم المتحدة وخارجها، فلم تفلح أبدا.. ذلك أن دورات الأمم المتحدة كلها قد شهدت محاولات جادة لاستصدار قرار بالمفاوضات والصلح بين العرب وإسرائيل، وكان نصيبها الفشل.. ومن أهم هذه المحاولات مشروع القرار الشهير الذي قدمته ثماني دول غربية، في عام 1954، للشروع بمفاوضات بين الدول العربية وإسرائيل، وفاز المشروع في ذلك لأصوات الاتحاد السوفييتي، والدول الرفاق.(1) وبديهي أنه لو قدر لمشروع الدول الثمانية أن يفوز بالأغلبية المطلوبة فإنه من الميسور على الدول العربية أن تتجاهله، لأن الأرض العربية لم تكن عامئذ محتلة من قبل إسرائيل، كما أصبح عليه الحال في عام 1967.

        وحين ننتقل من التعميم إلى التخصيص يمكننا أن نحدد أن قرار مجلس الأمن قد حقق لإسرائيل ما يلي:-

أولا- فرض على الدول العربية، لأول مرة منذ قيام إسرائيل ,الصلح مع إسرائيل، والتعايش معها، والاعتراف بوجودها وبسيادتها على الأرض الفلسطينية، وبإنهاء حالة الحرب معها، وإلغاء الادعاءات السالفة.. وهذه مجموعة مطالب إسرائيلية، حشدها مجلس الأمن في بند واحد.. وهذه المطالب سبق أن رفضتها الأمة العربية بالإجماع شعوبا وحكومات عبر عشرين عاما منذ عام 1947.

ثانيا- ألزم الدول العربية بالاعتراف لإسرائيل بحق الملاحة الحرة في خليج العقبة وقناة السويس، وذلك ما كانت رفضته مصر ومعها الدول العربية.

ثالثا- التخلي عن المقاطعة العربية لإسرائيل، والامتناع عن القيام بأي عمل عدائي ضد إسرائيل، وهذا يشمل الشعب الفلسطيني في تحركاته من الأرض العربية..

رابعا- أزاح العبء عن إسرائيل فيما يتعلق بمشكلة اللاجئين فلم ينص قرار مجلس الامن , كما كانت تفعل الجمعية العامة في كل دوراتها على عودة اللاجئين إلى ديارهم وإنما نص على "تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين" والتسوية العادلة عند إسرائيل، تساندها الدول العظمى، هي توطين اللاجئين حيث هم في الوطن العربي.. ومعنى ذلك بالأرقام بقاء مليونين من الشعب الفلسطيني بعيدين عن مدنهم وقراهم.

خامسا- إتاحة الفرصة لإسرائيل أن تطالب الدول العربية بالبقاء في مناطق معينة من الأرض العربية غير الفلسطينية بحجة أن إسرائيل في حاجة إليها كجزء من "الحدود الآمنة"..

سادسا- تحديد مناطق مجردة من السلاح في الأراضي العربية والفلسطينية وفي ذلك انتقاص لسيادة الدول العربية على أراضيها فضلا عن الأرض الفلسطينية..

سابعا- الترابط العضوي بين المطالب الإسرائيلية والانسحاب الإسرائيلي.. بحيث أصبح الزمام في قبضة إسرائيل. لا تسلم الأرض العربية إلى الدول العربية، إلا إذا سلمت الدول العربية بالمطالب الإسرائيلية، وبذلك تكون إسرائيل قد فرضت على الدول العربية الصلح بشروط إسرائيلية، أو كما قال المندوب الافرنسي في مجلس الأمن.."تضطر الدول العربية إلى قبول تسوية سلمية تحت ضغط الاحتلال الإسرائيلي للأرض العربية..".

ثامنا- إن قرار مجلس الأمن لم يحدد زمنا للانسحاب، مضافا إلى أنه لم يحدد أبعاده ومداه.. بل ربطه بموافقة إسرائيل.. تنسحب حين تشاء، وتبقى إلى حين تشاء.

        تاسعا- وهذا هو الأول والآخر.. إن قرار مجلس الأمن ينهي النزاع العربي الإسرائيلي، ويقفل ملف القضية الفلسطينية على الصعيدين العربي والدولي، ويصبغ على إسرائيل، "كدولة ذات سيادة"، الشرعية العربية، بعد أن ظفرت بالشرعية الدولية، وسنتناول هذا الموضوع الخطير، بتفصيل واف في فصل خاص...

        ويتساءل المواطن العربي، وماذا يعطي قرار مجلس الأمن بالمقابل، إلى الدول العربية.. وفي هذا المجال فإننا لا نجد بنوداً كثيرة نسردها.. فإن نصيب الدول العربية في قرار مجلس الأمن، في أحسن الأحوال، انسحاب غير كامل، في زمن غير محدد، ووفق شروط الغالب على المغلوب..!!

        وما أن نشر قرار مجلس الأمن وذاع خبره في الوطن العربي، حتى ضجت الأمة العربية، بالغضب والرفض، ولم يكن الأمر في حاجة إلى تحليل واسع وتفسير كبير، فقد استشعرت الأمة العربية بحسها المرهف ونظرتها السليمة أن القرار يؤدي إلى تصفية القضية الفلسطينية.. هكذا بإيجاز ووضوح.

        وكان أول صوت عربي مسؤول يرتفع في التنديد بقرار مجلس الأمن هو صوت الشعب الفلسطيني، فقد صدر القرار في الثاني والعشرين من نوفمبر- وفي اليوم التالي عقدت مؤتمرا صحفيا بمقر منظمة التحرير الفلسطينية في القاهرة أعلنت فيه باسم الشعب الفلسطيني رفض القرار جملة وتفصيلا، وشرحت الأسباب بكل إسهاب.. وقد حضر المؤتمر جمع من الصحفيين الأجانب وأبرقوا به إلى صحفهم، وحظي بانتشار واسع في الصحف العربية، خارج القاهرة.. وقد أوجعني ذلك، فإن القاهرة تعيش معي إلى جوار بلدي، مسقط رأسي، ومهوى فؤادي..

        وصادف في ذلك اليوم 23 نوفمبر اجتماع مجلس الأمة وكان قد أعد له في وقت سابق، وأعد الرئيس عبد الناصر نفسه ليخاطب الشعب المصري والأمة العربية فيما يهمها في تلك الأيام المهمومة.. وتحدث الرئيس عبد الناصر كعادته وبلهجته كل شيء عن كل شيء.. وفي ختام خطابه أكب الرئيس على ورقة صغيرة، فراح يقرأ منها ولم يرفع بصره عنها إلى أن فرغ منها.. وهو حريص أن لا يضيف كلمة ولا أن يحذف أخرى..

        كان هذا القسم من خطابه يتعلق بقرار مجلس الأمن الذي صدر في الليلة الفائتة، وحدد موقفه منه بالعبارات التالية أنقلها بنصها ".. مع أن التفسيرات التي أعطيت للقرار البريطاني تحقق بعض الوضوح.. فإن القرار البريطاني في رأينا غير كاف.. ماذا نفعل بقرار مجلس الأمن.. فيما يتعلق بنا نحن ندرسه ونتشاور بشأنه مع أصدقائنا.. وهناك نقطتان محددتان بالنسبة لنا ليست موضع جدال، ولا يمكن أن نقبل فيهما أي أخذ وعطاء.. الأولى هي الانسحاب الكامل من كل الأراضي العربية، من كل شبر من الأراضي العربية التي جرى احتلالها في معارك يونيو.. والنقطة الثانية أننا لن نسمح لإسرائيل مهما كان الثمن ومهما كانت التكاليف أن تمر في قناة السويس.. إن المرور في قناة السويس جزء لا يتجزأ من قضية فلسطين الأصلية.. وهو ليس جزءاً من قضية إزالة آثار العدوان، وبعد هاتين النقطتين.. فنحن على التزام بالخطوط الأربعة التي حددها مؤتمر القمة العربي في الخرطوم.. لا اعتراف بإسرائيل.. لا صلح معها، ولا مفاوضة، ولا تصرف بالقضية الفلسطينية لأنها ملك شعب فلسطين..".

        ولقد كان هذا الموقف من الرئيس عبد الناصر واضحا لا يحتاج إلى إيضاح.. صحيح أنه لم يستخدم عبارات الرفض.. وكذلك فإنه لم يندد بقرار مجلس الأمن.. ولكن القيود الاحترازية التي سردها تؤدي حتما إلى رفض قرار مجلس الأمن.. فإن لاءات مؤتمر الخرطوم تتنافى مع قرار مجلس الأمن بما لا يقبل التوفيق..

        أما الجانب الإسرائيلي، فقد اعتبر قرار مجلس الأمن نصرا كبيرا، دون أن يعلن قبوله بصوره واضحة وصريحة ورسمية.. وحتى حين كان قرار مجلس الأمن لا يزال مشروع قرار بريطاني يتداوله المجلس أعلنت وكالة البرقيات اليهودية 20 نوفمبر "أن الإسرائيليين قد أشاروا بصورة غير رسمية بأنهم يمكنهم أن يعيشوا مع المشروع البريطاني، لأنه لا يحدد زمن الانسحاب، ولا يفرض أن يكون الانسحاب إلى حدود الخامس من يونيو.." وهذا استنتاج منطقي نابع من منطق القرار نفسه.

وبعد أن أصبح المشروع البريطاني قرارا صادرا من مجلس الأمن توالت التصريحات الإسرائيلية بالترحيب به.. فلم تمض ساعات على صدور القرار حتى أعلن "إسرائيل جاليلي" وزير الإعلام الإسرائيلي "أن القرار يرتكز بشكل رئيسي على مبدأ الاتفاق المشترك بين إسرائيل والدول العربية وأن الخطوط الحالية لوقف إطلاق النار باقية على حالها إلى أن تستبدل بها حدود آمنة متفق عليها ومعترف بها".. وبعد يومين من صدور القرار أعلن الوزير الإسرائيلي أبا إيبان: "أن إسرائيل ستكون مجنونة إذا انسحبت من الأراضي المحتلة قبل إيجاد تسوية سلمية دائمة.. وأن إسرائيل ترحب بقدوم الدكتور جونار يارنج ممثلا للأمين العام للأمم المتحدة لبحث التسوية السلمية في إطار قرار مجلس الأمن.." وفي اليوم نفسه وصل إلى لندن الجنرال إسحق رابين رئيس أركان الجيش الإسرائيلي فصرح للصحفيين في المطار "بأن إسرائيل ترحب بقرار مجلس الأمن بشأن إرسال مبعوث دولي إلى الشرق الأوسط للوصول إلى تسوية سلمية.." وحينما عاد الوزير الإسرائيلي أبا إيبان من اجتماعات مجلس الأمن 26 نوفمبر أعلن غداة وصوله إلى تل أبيب "أن قرار مجلس الأمن يربط بين انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي العربية المحتلة وإحلال السلام وإقامة حدود آمنة ومتفق عليها.. وإن فشل جميع مشروعات القرارات التي طالبت بانسحاب إسرائيل دون ربط ذلك بموضوع السلام الدائم والحدود المتفق عليها، يعتبر انتصارا لإسرائيل..".

        ولم تكتف إسرائيل بتوكيد قرار مجلس الأمن بالتصريحات الرسمية ولكنها راحت تعززه بمجموعة من "الأمر الواقع".. تستند إليه في تنفيذ قرار مجلس الأمن، بالطريقة التي تريدها وضمن الحدود التي تقترحها، وكانت مدينة القدس القديمة أبرز الجوانب في إقامة "هيكل" الأمر الواقع.. وصولا إلى إعادة بناء الهيكل القديم، كما يتمنون!!

        والواقع أن إسرائيل كانت تبني الأمر الواقع قبل صدور قرار مجلس الأمن، ومضت تستكمل بناءه بعد صدوره.. ففي اليوم الأول من سقوط القدس القديمة بأيدي القوات الإسرائيلية 7 يونيو توالت النذر بأن إسرائيل قد "فتحت" القدس ولن تخرج منها.. فلم تمض ساعة على اقتحام المدينة المقدسة، مدينة الطهر والجلال والجمال، حتى وصل الجنرال موشي ديان إلى حائط المبكى وقال كلمته المعروفة "لقد رجعنا، ولن نتخلى عن القدس.. لقد حررت قواتنا المدينة المقدسة عاصمة إسرائيل، أقدس مقدساتنا ولن نتركها أبدا.." وجاء بعده ليفي أشكول رئيس الوزارة الإسرائيلية، فصلى عند الحائط ووجه كلامه إلى المصلين اليهود قائلا: "إن هذا يوم عظيم في التاريخ اليهودي، أنا أعتبر نفسي الآن وفي هذا المكان ممثلاً للشعب اليهودي بأجمعه، ولأجيال كثيرة من اليهود الذين كانت تحن أرواحهم نحو القدس ومقدساتها".

        وتعزيزا لهذه التصريحات قامت الجرارات الإسرائيلية في اليوم الثاني باقتلاع أحياء بكاملها حول حائط المبكى أحياء تمثل تراثنا إسلاميا رفيعا وتاريخا عربيا مجيدا، فانهدمت منازل قديمة رائعة، ومساجد فاتنة، وزوايا وتكايا، ورباطات ومدارس ومكتبات.. وأزيلت، بذلك، من على وجه الأرض معالم تاريخية مجيدة.. ولكن سيظل التاريخ يذكرها على مر الزمان، وسيعيد أبناؤنا وأحفادنا من بعدنا بناءها على أروع ما يكون البناء..

        جرى كل هذا، ومجلس الأمن يناقش العدوان الإسرائيلي، وإسرائيل غير مبالية بالرأي العام الدولي.. ثم "شرعت" لهذا العدوان، بقانون إسرائيلي يعلن ضم القدس القديمة إلى إسرائيل، معلنة "وحدة القدس بشطريها عاصمة لإسرائيل..".

        وكانت الأمم المتحدة، في تلك الفترة، تعقد جلساتها الطارئة، فثارت ثائرة الوفود العربية والإسلامية، فأصدرت الجمعية العامة قرارا أعربت فيه عن "شديد القلق للحالة السائدة في القدس نتيجة للتدابير التي اتخذتها إسرائيل لتغيير مركز المدينة، وتعتبر أن تلك التدابير غير صحيحة، وتطلب إلى إسرائيل إلغاءها، والامتناع فورا عن إتيان أي عمل من شأنه تغيير مركز القدس.. وتطلب إلى الأمين العام إعلام الجمعية العامة ومجلس الأمن عن الحالة وتنفيذ القرار، وذلك في غضون أسبوع على الأكثر من تنفيذه.."(1).

ومضى الأسبوع المحدد, ومضت إسرائيل في تهويد المدينة, دون أن تنفذ من القرار شيئا, مع أنه صدر بأكثرية تسعة وتسعين صوتا. ولم يصوت ضده أحد.. وامتنعت عن التصويت عشرون دولة على رأسها الولايات المتحدة..

        وفعلت الجمعية العامة ما تستطيع أن تفعله.. فأصدرت قرارا ثانياً بعد عشرة أيام من قرارها الأول " تعرب عن أشد الأسف وابلغ القلق لعدم التزام إسرائيل بالقرار, وتأسف جداً لتخلفها عن تنفيذه, وتكرر الطلب بإلغاء جميع التدابير التي صار اتخاذها, والامتناع فورا من إتيان أي عمل من شأنه تغيير مركز القدس.. وتطلب من الأمين العام إعلام مجلس الأمن والجمعية العامة عن الحالة وعن تنفيذ القرار , ومثل القرار السابق فقد صوت إلى جانبه تسع وتسعون دولة, ولم يصوت أحد ضده, وامتنعت عن التصويت ثمان عشرة دولة على رأسها الولايات المتحدة(1).. وجاءت بعد ذلك قرارات أخرى مماثلة سنعرض لها في حينها.

        ولم تقتصر إسرائيل على موقفها هذا بالنسبة لعدم الانسحاب من بيت المقدس, فقد أقامت في إطار الأمر الواقع, مستعمرات في الأرض العربية لتعرقل الانسحاب من الأراضي المحتلة, ولتدق فيها مسمار جحا, كما يقول المثل العامى .. ففي الضفة الغربية أقامت إسرائيل مستعمرتين , اسمت الأولى "حوش عصيون" بين الخليل والقدس , وأسمت الثانية "هاعرفا" في سهل أريحا , وفي المرتفعات السورية أنشأت إسرائيل مستعمرة قرب بانياس , وعلى الساحل الشمالي من سيناء أنشأت إسرائيل مستعمرة , عند سبخة البردويل : اسمتها "موشي شاريت" رئيس وزراء إسرائيل السابق , وأنشأت إسرائيل بعد ذلك مستعمرات أخرى في سيناء والجولان والضفة الغربية , مستهدفة (تنفيذ ) قرار مجلس الأمن , وفق الشروط التي تفرضها .. وصعد عدد المستعمرات اليهودية على الأرض العربية إلى ما فوق الخمسين !!

ونخلص من هذا العرض الموجز أن قرار مجلس الأمن رقم 242 كان هزيمة سياسية لحقت بالأمة العربية , الهزيمة العسكرية التي نزلت بها في حرب الأيام الستة .. ومن حق المواطن العربي أن يتساءل : ومن المسئول عن هذه الهزيمة السياسية ..؟

         مرة ثانية .. إن الحكم العربي المعاصر , على درجات متفاوتة بين ملوكة ورؤسائه , يتحمل المسئولية الكاملة عن هذه الهزيمة : السياسية , بقدر مسئوليته الكاملة عن الهزيمة العسكرية في حرب الأيام الستة , وما ألحقت بالأمة العربية من ذل وعار .. فالهزيمة العسكرية كانت السبب في احتلال إسرائيل للضفة الغربية وسيناء والجولان .. وعلى رأس ذلك بيت المقدس. والهزيمة السياسية ثبتت الاحتلال الإسرائيلي للأرض العربية, إلى أن ترضخ الإرادة العربية لمشيئة إسرائيل.

ولا شك أن مجلس الأمن في مجموعة يتحمل قسطاً وافراً من المسئولية بإصداره مثلّ ذلك القرار الذي ييسر للمعتدى أن يجني ثمان عدوانه, ويهيئ له أن يفرض التسوية من مركز القوة, ويُلزم المعتدى عليه أن يفاوض المعتدي تحت مظلة الاحتلال.. وهذا الجانب من المسئولية الدولية يقع على كاهل أمريكا أولاً, والاتحاد السوفيتي ثانياً.. غير أن الحكم العربي المعاصر, وبقدر متفاوت بين الملوك والرؤساء, يقف بين يدي التاريخ, وفي عنقه الإدانة العادلة, والمسئولية الأولى والأخيرة عن الاحتلال وتثبت الاحتلال , على السواء .. ولنعد قليلاً إلى مؤتمر الخرطوم.. فعنده الخبر اليقين..

إن استذكار الجو العربي العام الذي ساد الأمة العربية بعد حرب الأيام الستة, وما تلا ذلك من انعقاد مؤتمر الخرطوم في صيف 1967, ليس ميسوراً في صفحات قليلات .. إنه صورة تلك الأيام بنبضاتها الحية وظلالها المتموجة تحتاج إلى مجلد كبير .. ولكن شيئا واحداً يجب إبرازه وهو أن الهزيمة العسكرية في الأيام الستة قد أثارت أشجان الأمة العربية وأججت غضبها, وكانت صيحتها في تلك الأيام , القتال القتال , والوحدة الوحدة , البترول البترول..

كانت هذه الصيحات في كل دنيا العرب , صادقة وأمينة ومخلصة , وراءها عزم وإيمان, وصبر على التضحيات مهما غلت .. تجلى ذلك في كل يوم , وخاصة في يومين بارزين : الأول يوم المظاهرات الكبرى التي قامت في الجمهورية العربية المتحدة تطالب الرئيس عبد الناصر بالرجوع عن استقالته, والثاني يوم وصول الرئيس عبد الناصر إلى مطار الخرطوم في آخر شهر أغسطس 1967 ,غداة أن خرج الشعب السوداني , عن بكرة أبيه ليستقبل الرئيس المنكسر بصيحات خالدة: شعب واحد، جيش واحد..

        كان هذا حال الأمة العربية: تصميم صادق وعزم أكيد على استئناف النضال ولو بعد حين.. وكان الشعب في كل أقطار العرب قد أخذ زمام المبادرة بمقاطعة دولتي العدوان "بريطانيا وأمريكا" مقاطعة شاملة كاملة، هكذا طوعا واختيارا.. من غير طلب ولا تشريع.. وهذا الاندفاع الشعبي دفع الدول البترولية إلى وقف ضخ البترول.. وكان اجتماع عربي، عقد في بغداد، ضم وزراء البترول والمال والاقتصاد العرب قد أوصي بالإجماع اتخاذ تدابير اقتصادية بصدد رصيد الدول العربية من الدولار والإسترليني، بالإضافة إلى إجراءات البترول الرادعة..

        في هذا الجو المتأجج، حين كانت الأمة مستعدة بكل صدق وجد لكل تضحية، انعقد مؤتمر الخرطوم تحت شعار إزالة آثار العدوان.. وكانت الأمة العربية تتطلع إلى المؤتمر وهي تنتظر انبثاق خطة عربية متكاملة عسكرية واقتصادية وسياسية. خطة نضالية لإزالة آثار العدوان.. وتنتظر من قائد مسيرتها الرئيس عبد الناصر أن يخرج من هذا المؤتمر وعلى كتفيه مقدمات هذه الخطة وأعباؤها.. والانطلاق إلى التنفيذ من غير تباطؤ ولا هوادة..

        ولكن مسيرة المؤتمر قد جنحت إلى خطة أخرى، أسمتها: التسوية السلمية لإزالة آثار العدوان.. وكانت خلاصتها أن المساعي السياسية عن طريق الأمم المتحدة وخارجها يمكن أن تؤدي خلال بضعة أشهر إلى إزالة آثار العدوان، كما جرى إبان العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956..

        ولقد شاركت في مؤتمر الخرطوم بوصفي رئيسا لمنظمة التحرير، وقدمت إلى الملوك والرؤساء مذكرة مسهبة شرحت فيها ملابسات القضية العربية في تلك المرحلة، وسردت طائفة من المقترحات لمعالجة الموقف، وأبديت مخاوفي من الاتجاه العام الذي يسود جو المؤتمر، وأشرت "بأن الاتجاه العام في مناقشات المؤتمر يمكن تلخيصه فيما يلي:

        1- استبعاد استئناف القتال في وقت قريب.

        2- عدم الموافقة على قطع العلاقات السياسية والاقتصادية مع الدول التي ساندت العدوان.

        3- التخلي عن وقف ضخ البترول جزئيا أو كليا، لزمن محدود أو غير محدود.

        4- عدم الموافقة على سحب الأرصدة العربية من منطقتي الدولار والإسترليني.

        "وإذا كان هذا ما سينتهي إليه الأمر فإن مؤتمر القمة يكون قد اقتصر غاية جهده على المساعي السياسية المجردة من كل دعم وقوة، تاركا لمعركة الكلام وحدها في الأمم المتحدة وغيرها أن تخرج العدو من الأرض العربية.."(1) كان هذا ما كتبته في مذكرة رسمية قدمتها إلى مؤتمر القمة في الخرطوم، وقد صحت توقعاتي، فبدأت المشاورات وراء الكواليس، وتخلى مؤتمر الخرطوم عن أسلحة النضال السياسي والاقتصادي والبترولي، وفي الجلسة الأخيرة التي عقدها المؤتمر تقرر استئناف ضخ البترول، بعد أن كانت دولتا العدوان بريطانيا وأمريكا تخشيان أن تستمر الدول العربية في وقف ضخ البترول.

        وتنفس المعسكر الغربي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، الصعداء، فقد كان الخريف يدق أبواب أوروبا وأمريكا، وكانت الخشية أن تنزل المصائب والمصاعب بالصناعة الغربية بأسرها، وأن تعود الحياة إلى القرون الوسطى، في المصانع والمزارع، والمطابخ والمنازل، والمدارس والمستشفيات حياة بدائية خالية من جميع وسائل المدنية المعاصرة.

        ولو أن الدول العربية قد مضت في استخدام الأسلحة الاقتصادية والبترولية، لهب العالم كله وفي المقدمة أمريكا وبريطانيا، واقتلع إسرائيل من الأرض العربية المحتلة، وأعاد إلى الدول العربية سيناء والجولان والضفة الغربية وبيت المقدس.. أجل لأعادها على طبق من الأرصدة العربية، وعلى صفيحة من البترول.. وخلال بضعة أسابيع أو بضعة شهور، على الأكثر، ولكن ماذا تجدي "لو"، والملوك والرؤساء يقولون ما لا يفعلون!

        وحين أصدر مؤتمر الخرطوم قراراته هذه، كانت الأمم المتحدة تتهيأ لعقد دورتها العادية الثانية والعشرين، ومن بعدها دورات مجلس الأمن.. فكان طبيعيا أن لا تحفل المنظمة العالمية بالأمة العربية، وكان طبيعيا أن تتجه الجمعية العامة ومعها مجلس الأمن إلى "التسوية السلمية" ما دام ملوك
 العرب ورؤساؤهم يتطلعون هم بأنفسهم إلى التسوية السلمية.. وقد استجاب لهم مجلس الأمن، فأصدر قراره الشهير 242 ليدعو إلى إقرار "سلام دائم وعادل في الشرق الأوسط"..!!

        وهكذا قدر للحكم العربي المعاصر أن يلحق بالأمة العربية هزيمة سياسية على أرض الخرطوم، بعد أن ألحق بها هزيمة عسكرية في سيناء والجولان والأرض الفلسطينية.

        ولقد حذرت الملوك والرؤساء، كما فعل غيري، من مغبة الذهاب إلى معركة الأمم المتحدة من غير سلاح، ولكن ما حيلتنا في "الحاكم العربي" الذي يحسب أن تاريخ الأمة العربية قد ابتدأ بحكمه، وأن النضال العربي قد ولد يوم مولده.

        وإزاء هذا الموقف، فعلت الذي أستطيع أن أفعله.. لقد انسحبت من مؤتمر الخرطوم وأعلنت إلى الملوك والرؤساء "أنني لا أستطيع المشاركة في هذه السياسة، ولا أن أحمل مسؤوليتها، ومن أجل ذلك فإني أنسحب من المؤتمر".

        وخرجت من القاعة، وأعلنت في مؤتمر صحفي أسباب انسحابي من المؤتمر، ومضت مسيرة التسوية السلمية في طريقها الذي أراده لها الملوك والرؤساء في مؤتمر الخرطوم وما هي إلا بضعة أسابيع حتى جاء اليوم الثاني والعشرون من شهر نوفمبر من عام 1967 وجاء معه قرار مجلس الأمذن، وجعل الأرض العربية، ومعها الكرامة العربية في قبضة إسرائيل، مرهونة بمشيئتها، تجلو عنها، يوم تشاء، وكما تشاء..

        ومن المسؤول.. من المسؤول.. من المسؤول

الجواب، يردده كل مواطن عربي.. إنه على كل شفة ولسان..

إنه الحكم العربي المعاصر.. إنه المسؤول، ولا مسؤول سواه..

كان ذلك بعد حرب الأيام الستة، بعد الهزيمة النكراء، أما بعد حرب رمضان المجيدة، فإن الحكم العربي المعاصر قد وقع في خطأ أكبر!!

        إنه يقبل اليوم، وبعد النصر، قرارا، أملته الهزيمة.. وتلك مسؤولية كبرى نرجو أن يخرج منها قبل فوات الأوان..

 

 

 

 

 


 

 

جواب إسرائيلي حاسم:

"لن تنسحب إسرائيل إلى خطوط ما قبل 5 يونيو"

من مذكرة إسرائيلية إلى السفير يارنج

 

        في البند الثالث من قرار مجلس الأمن رقم 242 الصادر في 22 نوفمبر من عام 1967 طلب المجلس من السكرتير العام للأمم المتحدة أن "يعين ممثلا خاصا يتوجه إلى الشرق الأوسط لكي يقيم اتصالات مع الدول المعنية من أجل الوصول إلى اتفاق، ومساعدة الجهود الرامية إلى تحقيق تسوية سلمية ومقبولة وفقا للنصوص والمبادئ الواردة في هذا القرار وهذا بند "تنفيذي" جميل، لولا أن "المبادئ" الواردة في القرار تؤلف أغلالا وأصفادا في عنق الحكومات العربية، لا تنفك إلا بالتنازل عن الأرض العربية والسيادة العربية.

        وكان المستر يوثانت السكرتير العام، يبحث أمر تعيين ممثل خاص له قبل أن يصدر قرار المجلس، فقد كانت هذه الفكرة نقطة اتفاق أساسية في مناقشات المجلس منذ الأيام الأولى لانعقاده للنظر في حرب الأيام الستة.. ولذلك لم يكد مجلس الأمن يصوت على قراره في الثاني والعشرين، حتى أبلغ المستر يوثانت مجلس الأمن في الثالث والعشرين أنه قد وقع اختياره على السفير جونار يارنج سفير السويد في موسكو ليكون ممثله الخاص في تنفيذ المهام الملقاة على عاتقه بموجب قرار المجلس.. وقبل السفير السويدي القيام بهذه المهمة، وغادر منصبه في موسكو ووصل إلى مقر الأمم المتحدة في نيويورك في السادس والعشرين من شهر نوفمبر.. فكان الإجراء سريعا من الأمين العام ومن ممثله الخاص. وبقي أن نسير في ركاب السفير يارنج عبر ستة أعوام طوال لنرى مصير قرار مجلس الأمن، ومواقف الدول المعنية من نصوصه وأحكامه، ولنرى مصير الأرض العربية المحتلة.

        وكان اختيار السفير يارنج لهذه المهمة موفقا من غير شك، فهو يجمع بين الكفاءة والنزاهة والاستقامة والمثابرة، ولم يكد يفرغ من قراءة محاضر جلسات مجلس الأمن حتى بادر إلى الاجتماع بالمندوبين الدائمين لكل من الجمهورية العربية المتحدة والأردن ولبنان وإسرائيل، فرادى، ليضع أمامهم أفكاره العريضة في خططه للاتصال بالدول المعنية في الشرق الأوسط، والتباحث معهم في تنفيذ قرار مجلس الأمن، ولم يجتمع السفير يارنج بمندوب سوريا الدائم، فقد أعلنت سوريا، يومذاك، رفضها لقرار مجلس الأمن جملة وتفصيلا، ولهذا لم يكن الاتصال بسوريا واردا.

        واتخذ السفير يارنج مقرا له في قبرص، كما فعل زميله في الماضي الكونت برنادوت حين جعل مقره في رودس، وقد حسب أنه سيكون أقرب إلى الشرق الأوسط وأوفر حظا من زميله شهيد الأمم المتحدة الذي سقط في شوارع بيت المقدس في صيف 1948.

        ومن قبرص طار السفير يارنج إلى تل أبيب أولا، فإن زمام الأمور بيد إسرائيل، فالأراضي العربية المحتلة في قبضتها، والانسحاب يمثل حجر الزاوية في قرار مجلس الأمن.. ودخل ممثل الأمم المتحدة في أبحاث مستفيضة مع الحكومة الإسرائيلية، وبصورة خاصة مع أبا ايبان وزير الخارجية الإسرائيلي.. وكانت النتائج الأولية مدعاة للذهول.. ولولا أن الصبر هي حصن الدبلوماسية الأول، لاختار السفير يارنج العودة إلى موسكو والتخلي عن المهمة.. ولكن الدبلوماسيين يجدون عارا عليهم أن يفزعوا من الصدمة الأولى.. ولا بأس أن يكون الفشل في النهاية..

        ولقد وجد السفير يارنج أن "لدى الحكومة الإسرائيلية رأيا قاطعا بأنه لا يمكن الوصول إلى تسوية لمسألة الشرق الأوسط إلا عن طريق مفاوضات مباشرة بين الفرقاء تنتهي بمعاهدة سلام، وأنه لا يمكن سحب قواتها قبل تسوية كهذه"... وهذه العبارات ليست ولكنها مقتبسات من تقرير الأمن العام الذي قدمه فيما بعد إلى مجلس الأمن(1).

        ولم تكتف إسرائيل بالنقاش الجدلي مع السفير يارنج حول قرار المجلس رقم 242 ومراحل تنفيذه، فقد سلم الوزير الإسرائيلي مذكرة إلى السفير يارنج تتضمن "جدول السلام" كما تراه إسرائيل، وينص الجدول على أربعة بنود لم ترد فيها لفظة الانسحاب، لا في عناوينها ولا في تفاصيلها..وهي في مجملها تلخيص للمطالب التي كانت إسرائيل تنادي بها منذ ربع قرن من الزمان... والبنود الأربعة كما صاغتها الرسالة الإسرائيلية هي كما يلي:

        "أولا- المشاكل السياسية والقانونية: استبدال ترتيبات وقف إطلاق النار بمعاهدات سلام تنهي حالة الحرب وجميع الأعمال والتهديدات العدائية وتجسد تعهدا بعدم الاعتداء المتبادل.

        ثانيا- مشاكل الأراضي والأمن: تحديد حدود متفق عليها وترتيبات أمن، والاتفاق على هذا الإجراء سيحدد وضع القوات المسلحة بعد وقف إطلاق النار.

        ثالثا- مشاكل الملاحة: يجب مناقشة وسائل عملية لضمان حرية الملاحة لجميع الدول بما فيها إسرائيل، في قناة السويس وخليج العقبة عندما يحل السلام محل وقف إطلاق النار، ومن الواضح على ضوء تجارب محزنة أن الإعلانات الدولية لا يمكن بحد ذاتها أن تحل هذه المشكلة. والمطلوب هو إجراءات وضمانات محددة.

        رابعا- مشاكل اقتصادية: مقترحات لإنهاء عمليات المقاطعة وتأسيس علاقات اقتصادية طبيعية"..

        كان هذا هو جدول السلام الإسرائيلي مع الجمهورية العربية المتحدة.. أما جدول السلام الإسرائيلي مع الأردن فقد نصت عليه مذكرة إسرائيلية مؤرخة في 7/1/1968 وهي تسرد البنود الأربعة السالفة الذكر يضاف إليها بندان آخران خاصان بالأردن وهما:

        "خامسا- المشاكل الإنسانية: في المفاوضات المقترحة يجب إعطاء أسبقية لحل مشكلة اللاجئين بتعاون دولي وإقليمي.

        سادسا- الأماكن الدينية والتاريخية: يجب مناقشة موضوع الوصول إلى الأماكن ذات الأهمية الدينية الخاصة. وقد أوضحت الحكومة الإسرائيلية آراءها في الموضوع في عدة اتصالات شفهية وخطية إلى الأمم المتحدة".

        ثم أضافت المذكرة الإسرائيلية الموجهة إلى الأردن أنه "من الضروري في الوقت الحاضر إيقاف انتهاكات وقف إطلاق النار ونشاطات "فتح" وغيرها من المنظمات المماثلة، ويجب بذل كل جهد من الجانبين لتجنب تبادل النار".

        وواضح من المذكرتين الإسرائيليتين أن إسرائيل تريد أن تفرض على مصر والأردن شروط الاستسلام تحت شعار السلام، فهي تريد أن تضع الحدود مع مصر والأردن، عند المواقع الآمنة التي تطمئن إليها وتوافق عليها، وعلى مصر والأردن أن يشربا البحرين/ الأحمر والأبيض، إذا لم توافقهما شروط إسرائيل.. والأرض العربية تبقى تحت الاحتلال!!

        وتوجه السفير يارنج إلى القاهرة وعمان ونقل إلى الجانبين المصري والأردني وجهة النظر الإسرائيلية بشأن "جدول السلام" وسلمهما صورة من المذكرة الإسرائيلية، واستمع إلى آرائهما، وكان الرد العربي مماثلا في عباراته وألفاظه، على خلاف العادة في السياسة العربية.. مؤكدا "أن انسحاب القوات الإسرائيلية إلى المواقع التي كانت عليها قبل يونيو 1967 هو خطوة أساسية وأولية بالنسبة لتسوية سلمية في الشرق الأوسط.. وأنه لا يمكن إجراء محادثات بين الفرقاء قبل أن تنسحب القوات الإسرائيلية إلى المواقع التي كانت تحتلها في التاريخ المذكور..".

        وهنا بدأ التناقض الحاسم بين الموقفين العربي والإسرائيلي، شكلا وموضوعا، وأسلوبا وهدفا.. وكان على السفير يارنج أن يجد له مخرجا من هذا المأزق، فعاد السفير يارنج إلى جعبته الدبلوماسية فأخرج منها أول تميمة سحرية أو "حجاب" كما يقول العامة.. وكانت هذه التميمة أن يطلب السفير يارنج من الفريقين تأكيدا قاطعا بلغة واضحة حاسمة، بأنهما يلتزمان بقرار مجلس الأمن، وأنهما على استعداد لتنفيذه بصورة كاملة وشاملة.. وكان في تقدير السفير يارنج أن صدور مثل هذا التصريح من الجانبين سيكون نقطة الانطلاق في اتجاه تنفيذ القرار من الفريقين معا..

        ووضع السفير يارنج "الحجاب" على صدر كل من الفريقين وطالبهما بإصدار البيان.. ولكن هذه المحاولة للخروج من المأزق قد قادت الأمر إلى مأزق آخر أشد تعقيدا.. وإسرائيل بارعة في هذه الهواية.. هواية التعقيدات وراءها وأمامها حشد من التفسيرات والتبريرات.

        كان جواب إسرائيل مبثوثا ومفروشا في عدة مراسلات بعثت بها إلى السفير يارنج، وكان آخرها بتاريخ 19/3/1968 أي بعد ثلاثة أشهر من صدور القرار ليعيد المراوغة ويكرر المخاتلة، فقد أعلن الوزير الإسرائيلي "احترامه لقرار مجلس الأمن وموقفه الإيجابي منه.. وتعاونه التام لتحقيق تسوية مقبولة لإقامة سلام عادل ودائم.. ولكن".. مضي الوزير الإسرائيلي يقول ".. إن موقف إسرائيل كان دائما يرى أن أحسن طريقة لتحقيق هدف قرار مجلس الأمن هي من خلال مفاوضات مباشرة.. إلا أننا كدليل آخر على تعاون إسرائيل، مستعدون أن يتم ذلك في اجتماع يعقده المبعوث الخاص للسكرتير العام.. وإن إسرائيل لن تعارض شكلا غير مباشر للمفاوضات بشرط أن تكون مؤدية إلى مرحلة تالية من مفاوضات مباشرة واتفاق".

        وهذا الموقف الإسرائيلي يستهدف تحطيم اللاءات الثلاثة التي أقرها مؤتمر الخرطوم في صيف 1967، التي أعلنت لا مفاوضة  ولا صلح مع إسرائيل ولا تصفية للقضية الفلسطينية، وتحويل كل "لا" إلى "نعم".

        وذهب الوزير الإسرائيلي إلى أبعد من ذلك في توكيد هذا الموقف فقال في مذكرته أن "المبادئ التي يقوم عليها القرار 242 والتي ينبغي أن تتضمنها تسوية السلام مترابطة معا ومتوقفة بعضها على البعض الآخر.." ومعنى ذلك بالكلام البسيط العادي أن الانسحاب الإسرائيلي من الأرض العربية لا يتم إلا "بعد" الصلح الكامل الشامل، والأنكى أن الانسحاب لا يكون إلا إلى الحدود التي تحددها إسرائيل!!

        ثم إن الوزير الإسرائيلي أراد أن يهرب من إصدار التصريح الذي يطلبه السفير يارنج، فراح يتعلل بموقف مصر ويلقي عليها التبعة، فمضى في مذكراته يقول "وإنه أمر يدعو إلى القلق أن بيانات الجمهورية العربية المتحدة، بعكس بيانات (!!) إسرائيل، لا تستخدم بالتحديد الاصطلاحات الدقيقة لقرار مجلس الأمن بالنسبة إلى أمور حاسمة مثل "اتفاق" و "إقرار سلام عادل ودائم" كما أنها لم توافق بعد على عملية مفاوضات.. وبدون ذلك طبعا فليس هناك مفعول جوهري لإصدار تصريح بالاستعداد لتنفيذ القرار.. وفي الوقت  نفسه فإنه من غير الواقع تجاهل أن هناك اختلافات حادة في تفسير ما ينطوي عليه القرار.." وبهذا فإن الوزير الإسرائيلي قد سد الباب مرة ثانية في وجه السفير يارنج، وفرض على الجانب العربي أن يقول باللفظ الواضح الصريح لا بالتلميح، أنه يوافق على عقد صلح مع إسرائيل.. ألا اسقني سما وقل لي هو السم!!

        ولما لم تفلح جهود السفير يارنج في "حشر" إسرائيل في حظيرة قرار مجلس الأمن، فقد غادر منطقة الشرق الأوسط إلى مقر الأمم المتحدة ليتشاور مع أمينها العام، لعله يجد "حجابا" ثالثا يعلقه في عنق إسرائيل ليردها إلى الرشد، ثم عاد إلى الشرق الأوسط في بداية شهر مارس 1968 وفي جرابه اقتراح جديد يتمثل في مشروع خطاب موجه من السفير يارنج إلى الأمين العام للأمم المتحدة، ويوافق عليه الفرقاء، مصر والأردن وإسرائيل، من غير إعلان ولكن بالصمت.. الصمت فقط.. وينص مشروع الكتاب على ما يلي:

        "السيد الأمين العام للأمم المتحدة إن حكومات إسرائيل والجمهورية العربية المتحدة بينوا لي أنهم يقبلون قرار مجلس الأمن رقم 242 الصادر في 22 نوفمبر 1967 من أجل تحقيق تسوية سلمية ومقبولة لمسألة الشرق الأوسط، وتنويان اتخاذ تدابير تحت إشرافي ومن أجل تنفيذ نصوص القرار.. وقد أعربت الحكومات المذكورة عن استعدادها للتعاون معي بصفتي الممثل الخاص للسكرتير العام في القيام بمساعي بشأن الوصول إلى اتفاق وتحقيق تسوية كهذه.. ونظرا للحالة الملحة، ومن أجل الإسراع في الجهود للوصول إلى تسوية فقد دعوت الحكومات المذكورة إلى الاتصال بي من أجل عقد اجتماعات ضمن إطار قرار مجلس الأمن في نيقوسيا (قبرص).. ويسرني أن أبلغكم أن الحكومات المذكورة قد أجابت بالموافقة على هذه الدعوة..".

        ولم يتردد الجانب العربي في قبول هذه "الحيلة" الديبلوماسية، ولكنه رأى أن الاجتماع في قبرص، ليؤدي الغاية المطلوبة، يجب أن يسبقه بيان صادر من إسرائيل نفسها، لا من السفير يارنج، تلتزم به بتنفيذ قرار مجلس الأمن في مجموعه.. وأعلن الجانب العربي أنه مستعد أن يقدم مثل هذا البيان.

        وقضي السفير يارنج شهرين متتاليين ينتقل بين القاهرة وعمان وتل أبيب، دون أن يظفر من إسرائيل بإصدار البيان المطلوب، في صيغة بسيطة واضحة وحاسمة.

        وإزاء هذا المأزق الجديد تفتقت قريحة السفير يارنج عن حيلة دبلوماسية جديدة.. فقد استقر رأيه أن يتخلى عن مشروعه بالاجتماعات في قبرص لما في ذلك من إجراءات رسمية تشد أنظار الرأي العام الدولي والصحافة العالمية، فرأى أن ينقل نشاطه من قبرص إلى نيويورك حيث النشاطات المتعددة والمختلفة للأمم المتحدة، وحيث يكون المندوبون الدائمون للفرقاء المعنيين في متناول التلفون، في قاعات الطعام أو قاعات الكلام.. وهكذا كان وسنرى ما سيكون.

        قضي السفير يارنج شهرين كاملين (مايو و يونيو 1968) وهو يتصل بالمندوبين الدائمين لمصر والأردن ولبنان وإسرائيل، في لقاءات رسمية وغير رسمية وتم كذلك تبادل وجهات النظر برسائل خطية، وكان الموقف العربي واضحا خاليا من التعقيد، خلاصته: نحن موافقون على قرار مجلس الأمن جملة وتفصيلا، ونحن حاضرون لتنفيذه بصورة كاملة، والانسحاب الإسرائيلي من الأرض العربية هو أساس القرار... أما الموقف الإسرائيلي فقد كان يغوص في التعقيد والجدل والبحث في الأولويات، مصرا أن يتم الاتفاق أولا على الحدود الآمنة لتكون أساسا للانسحاب وإنهاء حالة الحرب، والدخول في معاهدة صلح كأية معاهدة دولية.

        وواجه السفير يارنج الطريق المسدود مرة أخرى، ولم يستطع أن يفتح نافذة صغيرة ينفذ منها إلى السير في مرحلة التنفيذ، فعاد إلى الشرق الأوسط ليقضي فيه شهرين آخرين (أغسطس وسبتمبر 1968) تحمله الطائرة إلى القاهرة وعمان وتل أبيب، ذهابا وإيابا، ثم إيابا وذهابا، فيتلقى المذكرات المستفيضة من كل جانب، وإسرائيل تراوغ وتراوغ، حول النصوص، أيها ينفذ أولا، وكيف تبدأ المفاوضات وفي أي بلد تتم المفاوضات، في قبرص أو نيويورك، أو جنيف، أو أية عاصمة أوروبية أخرى.. وكان هذا بداية الحديث عن مؤتمر جنيف، الذي نحن بصدده في هذا العام..

        وتجسد التناقض بين الجانبين العربي والإسرائيلي حول قرار مجلس الأمن، من عنوانه إلى خاتمته.. فقد اعتبرت إسرائيل كما يقول الأمين العام في تقريره: أن قرار مجلس الأمن لا يعدو أن يكون بيانا بالمبادئ التي يجب على ضوئها أن يتفاوض الفرقاء بشأن السلام، على حين يرى الجانب العربي أن القرار يهيئ خطة لتسوية نزاع الشرق الأوسط، على الفرقاء أن ينفذوها.. وفي رأي الدول العربية أن الانسحاب يجب أن يتم بشأن جميع الأراضي التي احتلت منذ 5 يونيو 1967.. بينما ترى إسرائيل أن الانسحاب يكون إلى الحد المطلوب عندما يتم الاتفاق بين الفرقاء حول حدود آمنة ومعترف بها بينهم".

        وترك السفير يارنج "المشكلة" في ثلاجة الأمم المتحدة بضعة أسابيع طمعا في أن يضعف الصلف الإسرائيلي، فقام بزيارة أخرى إلى الشرق الأوسط في ديسمبر 1968 وبزيارة ثانية في مارس 1969.. وفي هذه الزيارة الثانية أوحت إليه الدبلوماسية أن يتقدم إلى الفرقاء "بحجاب" آخر.. والشرق الأوسط مهبط الوحي منذ الأزل... فارتأى أن يوجه إلى الدول المعنية مذكرة تتضمن أحد عشر سؤالا يتصل كل سؤال بجانب من الجوانب التي نص عليها قرار مجلس الأمن.. ولا يتسع المقام لأن نسرد النص الكامل للأسئلة الإحدى عشرة، ولا لأجوبتها الإحدى عشرة إذ يكفي أن نشير إلى بعض الأجوبة الهامة للجانبين: العربي والإسرائيلي.. لنرى موقف الابتزاز الإسرائيلي كيف يهبط إلى الحضيض، وهو موقف لا يستند إلى المنطق والقانون أو الميثاق، أو التفسير الصحيح لقرار مجلس الأمن.. ولكنه يستند أولا وأخيرا إلى حقيقة واحدة.. وهي أن المفاوض الإسرائيلي يخاطب السفير يارنج والدول العربية، من جبال سيناء ومن مرتفعات الجولان ومن أسوار بيت المقدس.. وسنرى هذه الحقيقة في الإجابات الإسرائيلية كما وضعها الوزير الإسرائيلي نفسه.. وها هو يقول:

        -"تقبل إسرائيل قرار مجلس الأمن.. عن طريق التفاوض واتفاقات بين الحكومات المعنية، ويجب البدء في تنفيذ الاتفاقات عندما يتم الاتفاق على جميع أحكامها" وهذا الجواب الإسرائيلي يفرض على الجانب العربي المفاوضة وعقد معاهدة الصلح الشامل.. وبعد إتمام ذلك كله يبدأ الانسحاب من الأرض العربية".

        -"وبصدد إنهاء حالة الحرب، يتعين على كل دولة عربية بمفردها أن تصدر بيانا بإنهاء حالة الحرب مع إسرائيل بالذات وليس يكفي القول "بإنهاء حالة الحرب مع دول المنطقة" والتدقيق في التعبيرين بوضوح حرص الوزير الإسرائيلي أن تذكر "إسرائيل" بالاسم، فإن تعبير "دول المنطقة" لا يعني بالضرورة إسرائيل، إذ يمكن تفسير هذا التعبير على أنه يشير إلى الدول العربية فيما بين بعضها البعض، مثلا!!".

        -"أن تلتزم الدول العربية بوقف جميع أعمال التدخل البحري والمقاطعة، وعدم الارتباط بأحلاف أو معاهدات سياسية وعسكرية موجهة ضد إسرائيل، وحظر جميع الاستعدادات والعمليات والحملات في أراضي الدول العربية من جانب الأفراد والجماعات غير النظامية أو شبه العسكرية الموجهة ضد أرواح وأمن وممتلكات إسرائيل في أي جزء من العالم"، وتحت هذا البند التزامات أخرى، تؤلف في مجموعها "واجبا دوليا" على الدول العربية بحماية أمن إسرائيل، بحيث تصبح سلامة إسرائيل لا مسؤولية إسرائيل ولكن مسؤولية الدول العربية!!

        -"تكون الحدود بين الدول العربية وإسرائيل هي الحدود المتفق عليها في معاهدات الصلح" وهذا النص فيه إلغاء صريح للحدود الدولية القائمة بين فلسطين والبلاد العربية المجاورة، وهي حدود وضعت باتفاقات دولية تحت إشراف عصبة الأمم في العشرينات من هذا القرن... وكذلك فإن هذا النص قد ألغى حدود التقسيم التي وضعتها الأمم المتحدة لعام 1947.. وبذلك أصبح لابد من وضع حدود جديدة يتم الاتفاق عليها بين إسرائيل "وجيرانها".. وطبيعي أن هذه الحدود لا يتم وضعها على الخرائط ثم على الأرض، إلا حين توافق إسرائيل، وبقدر ما توافق.. ويزداد ذلك وضوحا في الجواب الإسرائيلي التالي..".

        -"إن الحدود الآمنة المعترف بها لم تكن قائمة حتى الآن بين إسرائيل والدول العربية، ولذلك فإنها يجب أن تحدد كجزء من عملية إقرار السلام".

        -"مشكلة اللاجئين نشأت عن الحرب التي شنتها الدول العربية ضد إسرائيل.. وإسرائيل مستعدة للوصول إلى اتفاق لحل هذه المشكلة عن طريق تعاون دولي وإقليمي.. ونقترح عقد مؤتمر دولي لدول الشرق الأوسط بالإضافة إلى الحكومات المساهمة في إغاثة اللاجئين والوكالات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة من أجل رسم خطة على مدى خمس سنوات لحل مشكلة اللاجئين في إطار سلام دائم وإدماج اللاجئين في حياة منتجة.. تحت إشراف لجان للإدماج وإعادة التأهيل وعلى أساس مشروعات إدماج متفق عليها مع الحكومات المعنية بمعونة دولية". ويعني هذا النص أن إعادة اللاجئين إلى وطنهم لم تعد واردة، وأن جميع قرارات الأمم المتحدة بهذا الشأن قد أصبحت ملغاة.. وأن مشكلة اللاجئين بعد أن كانت تقع على عاتق إسرائيل وحدها، بالعودة والتعويض، قد أصبحت واجبا على دول الشرق الأوسط، تعاونها الأمم المتحدة.. وبكلمة مختصرة، فإن إسرائيل قد برأت ذمتها من المشكلة برمتها، ولم تعد طرفا فيها.. وأن توطين اللاجئين في الدول العربية هو الحل، ولا حل سواه..

        -"وفيما يتعلق بإنشاء مناطق مجردة من السلاح تكون تحت إشراف الأمم المتحدة، فقد أثبتت التجربة أن مثل هذه الإجراءات لم تمنع من شن العدوان على إسرائيل" ويكمن وراء هذه الصياغة الإسرائيلية أن إسرائيل تريد ضمانات إضافية لأمنها، وأنه لا مجال لتطبيق هذه الإجراءات على "أرض إسرائيل".. ولا مانع أن تكون على الأرض العربية!!

        -"ويجب أن يكون التعبير عن الصلح قانونيا، وأن يحدد تعاقديا.. منصوصا عليه في معاهدات سلام ثنائية بين إسرائيل وكل دولة عربية.. وبعد توقيعها وتصديقها تسجل في سكرتارية الأمم المتحدة وفقا للمادة 103 من ميثاق الأمم المتحدة" وهذا معناه الواضح البسيط، إنهاء النزاع العربي الإسرائيلي، وتصفية القضية الفلسطينية، والاعتراف بمعظم التراب الفلسطيني وطنا شرعيا لإسرائيل.. هذا في أحسن النتائج المحتملة، وبالإضافة إلى القيود التي يرجح أن تفرض بشأن سيادة الدول العربية على أراضيها!!

        أما الجواب العربي، الذي صدر عن مصر والأردن، فقد كان موضوعا بصيغة واحدة، وكان ذلك تنسيقا بين الفريقين.. خلاصته القبول بقرار مجلس الأمن جملة وتفصيلا والالتزام بتنفيذه.. فمصر والأردن مستعدتان "لإنهاء حالة الحرب.. والاعتراف بالسيادة ووحدة الأراضي لكل دولة في المنطقة.. وحقها في العيش بسلام ضمن حدود آمنة ومعترف بها.. وحرية الملاحة في الممرات الدولية في المنطقة.. بشرط أن تسحب إسرائيل قواتها من جميع الأراضي العربية التي احتلتها نتيجة لعدوانها في الخامس من يونيو 1967".

        وكانت للجانب العربي أجوبة أخرى ينبغي الإشارة إليها بالتحديد وقال الجانب العربي ما يلي:

- موضوع الحدود.. "عندما عرضت قضية فلسطين على الأمم المتحدة في عام 1947، أصدرت الجمعية العامة قرارها رقم 181 بتاريخ 29 نوفمبر 1957 لتقسيم فلسطين وحددت حدود إسرائيل..".

        - موضوع اللاجئين "لقد كان موقفنا دائما أن التسوية العادلة لمشكلة اللاجئين مشمولة في الفقرة 11 من قرار الجمعية العامة رقم 194 الصادر في ديسمبر 1948".

        - فيما يتعلق بتحديد مناطق منزوعة السلاح فلا نعتقد أن هذا الأمر ضروري، غير أننا لن نعترض على تحديد مثل هذه المناطق إذا كانت على الجانبين..".

        - وبصدد وثيقة السلام "نرى أن الوثيقة التي نوقعها للتعهد بالقيام بالتزاماتنا يجب أن توجه إلى مجلس الأمن، ويجب على إسرائيل بالمثل أن توقع وتوجه إلى مجلس الأمن وثيقة مماثلة... ويكون تصديق مجلس الأمن على هذه الوثائق هو الوثيقة الجماعية النهائية".

        وإزاء هذه الأجوبة الإسرائيلية المتسمة بالصلف والعناد، عاد السفير يارنج من الشرق الأوسط بخفي حنين كما يقول العرب القدامى، أو عاد من غير خفين، فقد ترك خفيه في إسرائيل واعتصم بالصمت في مقره في نيويورك في خريف 1969، ثم غادره ليعود إليه في أواخر شهر مارس من عام 1970 دون أن يستطيع زحزحة الموقف الإسرائيلي قيد شعرة.

        وتصدى مندوبو الدول العظمى للمشكلة، وهم يطمعون أن يفلحوا من حيث فشل السفير يارنج، فبدأوا في ربيع 1969 سلسلة من الاجتماعات للوصول إلى موقف مشترك بينهم، واستمرت الاجتماعات حتى خريف 1971 تحت رياسة متساوية، وفي مشاورات متعاقبة، تصدر عنها بلاغات وتصريحات، بعضها متفائلة، وبعضها متشائمة، وانتهت الاجتماعات كلها على غير طائل، وبدا واضحا أن الدول الأربع العظمى: بريطانيا وفرنسا وأمريكا وروسيا، في حاجة إلى وسيط دولي يوفق بين آرائهم!!

        وفي شهر يونيو 1970 تصدت أمريكا، بمفردها، للمشكلة فيما عرف بمبادرة روجرز، فاتصلت بالجانبين العربي والإسرائيلي وحصلت منهما على الموافقة "على عقد محادثات بينهما تحت إشراف السفير يارنج بقصد الوصول إلى اتفاق بشأن إقرار سلام عادل ودائم بينهما على أساس الاعتراف المتبادل بسيادة كل منهما ووحدتهما الإقليمية واستقلالهما السياسي.. وكذلك الانسحاب الإسرائيلي من أراض احتلت في نزاع 1967 وفقا للقرار 242..".

        وقد رضي الجانب العربي بهذه الصيغة المستخرجة من قرار مجلس الأمن، وهي لا تشمل جميع الأراضي العربية، ورضي بها الجانب الإسرائيلي لأنها تتفق مع مواقفه وتفسيراته المعروفة.. وتوهم السفير يارنج أن أمريكا قد استطاعت أن تحل العقدة الكبرى وأن أبواب المباحثات بين الجانبين قد انفتحت على مصاريعها وأن تنفيذ قرار مجلس الأمن قد أصبح ميسورا مهما طال الزمن.. واستنادا إلى هذا كله فقد اتصل بالجانبين: العربي والإسرائيلي وتشاور معهما في الزمان والمكان وسائر الإجراءات.. ووجه إليهما الدعوة للاجتماع في نيويورك في 25/8/1970.. وتطلع المجتمع الدولي إلى اليوم الموعود بفارغ الصبر وملء الأمل..

        وفي اليوم الموعود، وفي الغرفة المحددة، التقى السفير يارنج بالمندوبين عن كل الفرقاء.. "إلا إن السفير تكواه"، كما يقول التقرير الرسمي "الذي عينته إسرائيل ممثلا لها، أعلن في ذلك الوقت أنه تلقى تعليمات من حكومته بالعودة إلى إسرائيل للتشاور..".

        ومضى أسبوعان والاجتماع معلق في الهواء، إلى أن عاد السفير الإسرائيلي من تل أبيب ليعلم السفير يارنج بمذكرة رسمية "قرار الحكومة الإسرائيلية بعدم الاشتراك في المباحثات بسبب أن وقف إطلاق النار لا يحترم بشكل كامل".. وهكذا توقفت المباحثات بحجة "أن حكومة مصر قد انتهكت وقف إطلاق النار بشكل خطير"... مع أن هذه الحجة لو صحت، لتوجب على إسرائيل أن تشارك في مباحثات السلام، وهي التي ما برحت منذ ربع قرن تغرد أنشودة السلام!!

        وانعقدت دورة الأمم المتحدة في خريف 1970 وكانت مشكلة الشرق الأوسط مدرجة على جدول أعمالها منذ عام 1967, ولكنها لم تبحثها من قريب أو بعيد تاركة للسفير يارنج أن يسير في دروبها المسدودة، وتقدمت مصر بطلب إلى الجمعية العامة لمناقشة القضية، وهي تحسب أنها ستكون أسعد حالا في الجمعية العامة منها في مجلس الأمن..

        وبعد الخطب المعتادة أصدرت الجمعية العامة قرارا يختلف كثيرا في عباراته عن قرار مجلس الأمن رقم 242، وخاصة فيما يتعلق بلفظة "أراضي" فقد بقيت على حالها.. والجديد في قرار الجمعية العامة أنه "يحث على التطبيق السريع لقرار مجلس الأمن... ويدعو الفرقاء المعنيين إلى إصدار تعليماتهم إلى ممثليهم لكي يستأنفوا اتصالاتهم بالسفير يارنج، لتمكينه من القيام بأقرب وقت بتنفيذ القرار بكل أجزائه"(1).

        وحمل السفير يارنج قرار الجمعية العامة بين يديه كأنه يحمل خاتم سليمان، الذي تقول الأساطير أنه يفتح المغلقات ويلبي كل الرغبات.. ولكن أتباع سليمان لا يكترثون بخاتمه، ولا بقرارات الأمم المتحدة من بعده..

فقد عاد السفير يارنج من موسكو إلى مقره في نيويورك (5 يناير 1971) وتابع نشاطه بهمة لا تعرف الكلل، ولا نفاد الصبر، فاجتمع بممثلي الفرقاء.. ثم سافر إلى الشرق الأوسط فاجتمع برئيسة وزراء إسرائيل جولدا مائير ووزير خارجيتها.. كما زار القاهرة وعمان واجتمع بكبار المسؤولين.. وفي هذه الرحلة تلقى السفير يارنج من إسرائيل مجموعة من الرسائل والمذكرات تتضمن آراءها حول "أسس السلام" أبلغها إلى كل من مصر والأردن، اللتين قدمتا بدورهما مذكرات مماثلة تحدد موقفيهما من تنفيذ قرار مجلس الأمن.. ولم يجد السفير يارنج في مذكرات إسرائيل منفذا، حتى لبصيص نحيل من النور.

        ومد السفير يارنج يده إلى جرابه ليخرج منه حجابا جديدا ليفتح به ثغرة في الطريق المسدود فخطر له أن يأخذ زمام المبادرة، وهذه خطوة قل أن يُقدم عليها الدبلوماسيون المعاصرون، فكتب إلى الفريقين 8 فبراير 1971 رسالة تتضمن آراءه حول الخطوات التي يلزم اتخاذها من أجل الوصول إلى تسوية سلمية ومقبولة وفقا لقرار مجلس الأمن.. وانطلاقا من هذه المحاولة "لفتح الطريق المسدود" كما جاء في تقريره الرسمي، فقد طلب إلى الفريقين أن يقدما له تعهدات مسبقة محددة على أساس الالتزام المتبادل.. ورد الفريقان على رسالة السفير يارنج وبيَّن كل منهما "الالتزامات" التي يتعهد بها، فكانت في هذه الفترة، أكثر وضوحا والتزاما مما مضى.. وهي كما يلي:_

- يتعهد الجانب العربي بإنهاء جميع حالات الحرب، واحترام كل جانب سيادة الآخر ووحدته الإقليمية واستقلاله السياسي، وحق الآخر في العيش بسلام ضمن حدود آمنة ومعترف بها، وعدم تدخل أي جانب في شؤون الآخر الداخلية، وضمان عدم ارتكاب أعمال الحرب أو القتال من داخل أراضٍ ضد سكان ومواطني أو ممتلكات الجانب الآخر.

        - ويتعهد الجانب العربي بضمان حرية الملاحة في قناة السويس وفقا لاتفاق القسطنطينية وحرية الملاحة في مضايق تيران وفقا لمبادئ القانون الدولي، والموافقة على تمركز قوة من الأمم المتحدة لحفظ السلام في شرم الشيخ، وتحديد مناطق منزوعة السلاح على جانبي الحدود، وإنشاء قوة من الأمم المتحدة تشترك فيها الدول الأربع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، واشترط الجانب العربي أن تلتزم إسرائيل بالانسحاب، وتنفيذ أحكام قرار مجلس الأمن، وإعطاء تعهدات مماثلة.. وأعلن الجانب العربي في ختام جوابه "استعداده للدخول في اتفاق سلام مع إسرائيل يتضمن جميع الالتزامات المذكورة كما نص عليها قرار مجلس الأمن.. وأن السلام العادل والدائم لا يمكن تحقيقه دون التنفيذ التام والدقيق لقرار مجلس الأمن وانسحاب القوات الإسرائيلية المسلحة من جميع الأراضي المحتلة منذ 5 يونيو 1967".

        أما الجواب الإسرائيلي فقد كان إيجابيا في جميع الأمور (النظرية) أما المسألة "المادية" فقد كان الجواب سلبيا بصورة صريحة وصارخة.. فقد قالت إسرائيل في مذكرتها 26 فبراير سنة 1971- أنها تتعهد "بالانسحاب من خطوط وقف إطلاق النار إلى حدود آمنة ومعترف بها ومتفق عليها في اتفاق سلام.. ولن تنسحب إسرائيل إلى خطوط ما قبل 5 يونيو 1967" هكذا بالكلام القاطع الحاسم.. ومن كان له عينان فليقرأ، ومن كان له أذنان فليسمع!!

        وارتطمت مشكلة الشرق الأوسط، بالجدار الأصم الذي يسد طريق الحل السلمي، ورفع السكرتير العام تقريرا إلى مجلس الأمن 5 مارس 1971- أعلن فيه أنه يذكر "بارتياح الرد الإيجابي للجانب العربي على مبادرة السفير يارنج غير أن حكومة إسرائيل لم تستجب حتى الآن لطلب السفير يارنج بوجوب تقديم تعهد بالانسحاب إلى الحدود الدولية للجمهورية العربية المتحدة.. وأن محاولة السفير يارنج لفتح الطريق المسدود لم تكن ناجحة حتى الآن.." ولكن مجلس الأمن لم يحرك ساكنا، ولم يحاول أن يفتح ثغرة في الطريق المسدود... ولم يجد السفير يارنج ما يفعله فعاد إلى مقر عمله سفيرا في موسكو..

        ومضى الشتاء والربيع والصيف.. وأقبل الخريف على الأمم المتحدة في دورتها السادسة والعشرين، وكان طبيعيا أن تجري مناقشة مشكلة الشرق الأوسط، فكانت الجمعية العامة أرحم بالقضية من مجلس الأمن مع أنه هو المسؤول أولا وأخيرا عن الشؤون الدولية المتصلة بالأمن العالمي.. وفي 13 ديسمبر 1971 أصدرت المنظمة الدولية قرارا مطولا في ديباجته ونصوصه الرئيسية (2799) كان الجديد فيه، بالإضافة إلى الأمور المكررة المطالبة بتنشيط مهمة المبعوث الدولي وتأييد جهوده، وتقدير رد مصر الإيجابي، ويطالب إسرائيل بالرد إيجابيا على مذكرة السفير يارنج المؤرخة 8 فبراير، ويدعو أطراف النزاع أن يبذلوا مساعدتهم الكاملة لممثل السكرتير العام حتى يمكن إعداد الإجراءات العملية من أجل تنفيذ قرار مجلس الأمن".

        وصادف أن الأمين العام للأمم المتحدة المستر يوثانت، قد اعتزل منصبه، وتولاه من بعده الأمين العام (الحالي) المستر فالدهايم، ثم جاءت بعد ذلك وفاة المستر يوثانت في مقر إقامته في نيويورك.. وانتقلت التركة الثقيلة إلى سلفه "ليحرر التركة"، كما يفعل قضاة الشرع في بلادنا، ويوزع على الورثة نصيبهم من التركة.. إذا كان في التركة ما يصلح للتوزيع.

        وبعد، فإن هذه الصفحات ليست تاريخا ماضيا، ولا سردا وثائقيا لأحداث سالفة فحسب..

        هذه الصفحات هي مؤتمر جنيف، كما سيعرفه المواطن العربي من خلال الإذاعات العالمية ووكالات الأنباء الأجنبية التي بدأت تطالعنا كل صباح ومساء، ابتداء من عام 1977 والأعوام المقبلة.

        وستزداد الصورة وضوحا على وضوح، في الصفحات التاليات.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

 

حدود إسرائيل ليست حدود أمريكا

"من كلام جولدا ماير"

 

        ما كاد الأمين العام الجديد، المستر فالدهايم، يقسم اليمين أمام المنظمة العالمية، بعد أن تخلى سلفه الطيب الذكر المستر يوثانت عن منصبه، حتى انصرف إلى قراءة الملف المتورم لازمة الشرق الأوسط، ولقرار مجلس الأمن، والتقارير التي تقدم بها سلفه عن المباحثات والمشاورات التي قام بها السفير يارنج مع الجانبين العربي والإسرائيلي.

        ولاحظ الأمين العام الجديد، أول ما لاحظ، أن السفير يارنج لم يستطع في الثلاثين شهرا السالفة أن يتقدم خطوة واحدة لتنفيذ قرار مجلس الأمن، وأن كل ما "أفلح" في صنعه، هو أن فتح ملفات متعددة جمع فيها كل ما أدلى به الفريقان من بيانات وما أرسلوا من مذكرات..

        واستجمع المستر فالدهايم آراءه وشجاعته، وعقد العزم أن ينجح في مهمته حيث فشل سلفه، فاستدعى السفير يارنج من سفارته في موسكو، وعقد معه عدة اجتماعات لوضع "استراتيجية نشطة" للسير قدما في خطوات التنفيذ.. وانطلق السفير يارنج إلى الشرق الأوسط في فبراير عام 1972، بعد عام كامل، من مذكرة 7 فبراير، التي رفضتها إسرائيل..

        قضى السفير يارنج شهر فبراير في الطائرة يتنقل بين القاهرة وعمان وتل أبيب، ذهابا وإيابا، وبالعكس ثم بالعكس، وهو يبحث عن فتحة صغيرة في الطريق المسدود، فإذا بإسرائيل تفاجئه بجدار مسدود تقيمه في الطريق المسدود.. فقد أعلن إليه المسؤولون الإسرائيليون بأنهم "لا يعتبرون أنفسهم مقيدين بقرار الجمعية العامة رقم 2799 الصادر في الدورة الأخيرة" ولم يكتف الإسرائيليون بهذا الموقف فقد سبق لهم أن رفضوا تنفيذ ما لا يقل عن خمسين قرارا أصدرتها الأمم المتحدة بشأن فلسطين.. ولكنهم، وهذه بدعة ليست لها أية سابقة دولية، طالبوا السفير يارنج "أنه يجب عليه إعطاء تأكيد بأنه لا يعتبر نفسه ملتزما بقرار الجمعية العامة أو بمذكرته المؤرخة في لا فبراير 1971"، فكان قمة في العنف والصلف أن بطلب إلى ممثل الأمم المتحدة أن يقدم توكيدا خطيا يتبرأ فيه من الأمم المتحدة، ومن مذكرة تحمل توقيعه، وهي مذكرة ليست أكثر من قرار مجلس الأمن مكتوبا بصياغة أخرى!!

        وتتجلى غرابة الموقف الإسرائيلي، وعراقته في الطغيان والعجرفة، حين نعود إلى قرار الأمم المتحدة الذي أرادت إسرائيل من السفير يارنج أن يعلن عدم التزامه به، وهو المفروض فيه كممثل للأمم المتحدة أن يعمل على تنفيذه.. فهذا القرار أصدرته الجمعية العامة في 13 ديسمبر 1971 بناء على تقرير من الأمين العام للأمم المتحدة شرح فيه مهمة السفير يارنج والظروف التي حالت دون تنفيذ مهمته.. فما كان من الجمعية العامة إلا أن أصدرت قرارا يتضمن نصوص قرار مجلس الأمن رقم 242 بعبارته الشهيرة، كلمة كلمة، وأضافت إليه، بأنها "ترجو السكرتير العام للأمم المتحدة أن يتخذ الإجراءات اللازمة لتنشيط مهمة السفير يارنج بغرض التوصل إلى اتفاقية سلام.. وتعرب عن تأييدها الكامل لكل الجهود التي يبذلها السفير يارنج بغرض تطبيق القرار.. وتقدر رد مصر الإيجابي على المبادرة التي اتخذها السفير يارنج لإقرار سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط.. وتطالب إسرائيل بالرد إيجابيا على المبادرة المذكورة".

        أما مذكرة السابع من فبراير، وقد اشتهرت بهذا الاسم، فهي التي طلب بها السفير يارنج إلى الفرقاء أن يقدموا بيانات خطية تتضمن التزامهم بالمبادئ التي نص عليها قرار مجلس الأمن رقم 242 كما فصلناها في الفصل السابق.

        وعلى هذا فإن الموقف الإسرائيلي الذي يطالب السفير يارنج بأن يتبرأ علنا من قرار الجمعية العامة، وإلغاء مذكرة السابع من فبراير، هذا الموقف لا يمكن وصفه بعبارة مهذبة، إلا إنه عهر سياسي، وفجور دبلوماسي، ودعارة دولية.. ولا أعتذر عن هذه الكلمات!!

        وتشاور الأمين العام والسفير يارنج في هذه الأزمة الجديدة التي ابتدعتها إسرائيل، وأضافتها إلى مجموعة الأزمات السالفة التي أقحمتها على المشكلة الأصلية، الأزمة الكبرى، وتوصلا إلى حل لم يكن منصفا ولا شريفا، وهو أنه يفتح الباب المسدود للوصول إلى الحل العادل.. فأرسل السفير يارنج إلى إسرائيل تأكيدا "بأن قرار الجمعية العامة يعبر عن رأي جهاز رئيسي في الأمم المتحدة.. وأن قبول إسرائيل لهذا القرار ليس شرطا للاستمرار في المباحثات.." ومع هذا التنازل الخطير، فقد استمرت إسرائيل في دلالها وضلالها، تكرر مذكراتها، وتعيد بياناتها، وفي مزيد من الصلف والصلابة.

        وإزاء هذا كله رأى الجانب العربي أنه لم يعد هنالك من جدوى من الاستمرار في السير في الطريق المسدود، ذهابا وإيابا، كما يفعل السجين في زنزانته، يروح ويغدو بين الجدران الأربعة.. كما كنا نفعل أيام شبابنا في فلسطين..

        وعاد السفير يارنج إلى مقر عمله في موسكو، ومن موسكو طار إلى نيويورك، ومن نيويورك طار إلى الشرق الأوسط، ومن الشرق الأوسط عاد إلى نيويورك.. وظل يمارس هوايته التزلج فوق السحاب، على غير جدوى، فقد أصرت إسرائيل على موقفها.. ولم لا، فالأرض العربية تحت أقدامها، ومجلس الأمن لا يبدي ولا يعيد، والدول الأربع العظمى وجدت في أزمة الشرق الأوسط بندا جديدا يضاف إلى جدول خلافاتها، يصلح على الدوام للأخذ والعطاء، وللمساومات والمناورات..

        وجاء الخريف 1972 ومعه الدورة السابعة والعشرون للأمم المتحدة، وانتصب المنبر الدولي للعودة إلى مناقشة أزمة الشرق الأوسط، وهذا المنبر حاضر للخطب والمناقشات وإصدار القرارات، وتملك أية دولة أن تنفذ أو لا تنفذ.. ولا عيب فهذا هو الميثاق، وهذه هي الأمم المتحدة..

        ومن الإنصاف القول بأن مناقشة قضية الشرق الأوسط في تلك الدورة بالذات، قد تناولت، على مدى أسبوع طويل، (29 نوفمبر إلى 8 ديسمبر 1972) جميع نواحي القضية، وساهمت جميع الدول الصديقة في الشرح والإيضاح والتوكيد والتأييد، فأصدرت قرارا أقرب، ما يكون إلى وجهة النظر العربية، وقد برزت في نصوصه جوانب هامة وقيمة، لولا أن الأمم المتحدة، في مجموعها، لا تعدو أن تكون منبرا إعلاميا، وانتهى، ويبقى على صاحب الحق، أن يحمل قراره بيديه وينفذه بذراعيه، بالطائرات والدبابات.

 

        ومن المصادفة في التوقيت أن ذلك القرار قد صدر في نفس التاريخ الذي صدر فيه قرار التقسيم 29 نوفمبر قبل خمسة وعشرين عاما على الضبط.. ومصادفة أخرى أن الولايات المتحدة قد بذلت جهودا جبارة لإحباط القرار في عام 1972، كما استماتت بجهودها الضخمة في إنجاح القرار في عام 1947.. ويقينا لو أن قرار التقسيم يعرض على الأمم المتحدة في هذه الأيام، بعد أن تكاثرت فيها الدول الآسيوية والإفريقية بما يزيد على ثمانين عضوا، لما فاز قرار التقسيم بأكثر من أقلية نحيلة، في أحسن الظروف والأحوال، ولا تضم إلى ملف القرارات الساقطة..

        وكائنا ما كان الأمر، فإن في القرارين، المشار إليهما، درسا وعبرة، ذلك أن قرار التقسيم لم تنفذه الأمم المتحدة، ولم تستطع أن تنفذه حين حاولت ذلك في عامي 1947 و 1948 وإنما الذي نفذه هو "الطائفة اليهودية" في فلسطين وعلى رأسها جيش الهاجاناه اليهودي.. إلى جانب عامل آخر وهو أن الدول العربية التي دخلت حرب فلسطين في ربيع عام 1948 قد أقدمت عليها مفككة منقسمة على بعضها، ولا يجمعها إلا فقدان الخطة الواحدة، وانعدام القيادة الواحدة.. ووفرة وافرة من الفساد في السلاح وفي العقل، وفي الضمير.

        وكما جرى في قرار عام 1947، لم يكن ينقص قرار 1972 إلا العزيمة المؤمنة، والقوة المسلحة لإجلاء الغاصب الدخيل عن الأرض العربية المحتلة إلى الحدود التي يستطيع أن يصل إليها الجندي العربي.. وإن نظرة سريعة إلى القرار تضع المواطن العربي أمام الصورة الدولية، على وجه شامل وكامل.

        أكدت الأمم المتحدة، أولا، قرارها السابق الذي أصدرته في الدورة السابقة، الذي يحث على التطبيق السريع لجميع أجزاء قرار مجلس الأمن رقم 242.

        وأعربت، ثانيا، عن استنكارها لعدم امتثال إسرائيل لقرار الجمعية العامة السالف الذكر والذي طالب إسرائيل بوجه خاص الاستجابة لمبادرة السلام التي قام بها الممثل الخاص للسكرتير العام.

وأعلنت، ثالثا، أنه يجب إعادة الأراضي التي احتلت.. ودعوة إسرائيل إلى انسحاب قواتها المسلحة من الأراضي التي احتلت في النزاع الأخير.. وهنا وردت "أل" التعريف على "أراضي" لأول مرة في قرار الأمم المتحدة..

        وأعلنت، رابعا، زيادة في تأييد الموقف العربي "أنه يجب على إسرائيل أن تعلن علانية التزامها بمبدأ عدم ضم الأراضي عن طريق استخدام القوة".

        وأعلنت، خامسا، "أن التغييرات التي أجرتها إسرائيل في الأراضي العربية المحتلة تعتبر انتهاكا لاتفاقات جنيف لعام 1949، وهي إجراءات لاغية وباطلة وتدعو إسرائيل إلى إبطالها فورا، كما تدعوها إلى الامتناع عن جميع السياسات والأعمال التي تمس الشخصية المادية والتكوين السكاني للأراضي العربية المحتلة" وهذا البند يشمل في جملة ما يشمل المستعمرات اليهودية التي أقامتها إسرائيل في الضفة الغربية، وسيناء، والجولان، وقد تجاوزت حتى ذلك التاريخ أربعين مستعمرة.

        ودعت، سادسا، جميع الدول  إلى عدم الاعتراف بالتغييرات والإجراءات التي قامت بها إسرائيل في الأراضي المحتلة، كما تدعوها إلى عدم اتخاذ أعمال في مجال المساعدات التي من شأنها أن تشكل اعترافا بذلك الاحتلال "وواضح أن هذه الفقرة موجهة بصورة خاصة إلى الولايات المتحدة لحملها على وقف المساعدات التي تقدمها لإسرائيل.

        وطلبت، أخيرا، من السكرتير العام وممثله الخاص "اتخاذ جميع الخطوات المناسبة لتنفيذ قرار مجلس الأمن تنفيذا تاما وعاجلا، مع مراعاة جميع الوثائق والقرارات الصادرة عن الأمم المتحدة بهذا الشأن".

        وهكذا يرى المواطن العربي أن قرار الجمعية العامة بصدد مشكلة الشرق الأوسط قد دعم الموقف العربي إلى حد بعيد. فقد استنكر موقف إسرائيل السلبي.. وأثنى على الموقف العربي الإيجابي.. وطالب أمريكا بوقف عونها الاقتصادي لإسرائيل.. وحث إسرائيل على الاستجابة لمساعي السفير يارنج.. ولم تعد المشكلة مفتقرة إلى قرار، فقد صدر القرار الواضح الصريح، ولم يبق إلا التنفيذ.

        ودخل على مشكلة الشرق الأوسط عام جديد 1973 وبدأ السكرتير العام وممثله الخاص السفير يارنج جهودا نشطة لتنفيذ قرار مجلس الأمن، وقد أصبح مسنودا بآخر قرار من الجمعية العامة، وضع الأمور في نصابها، وحدد مسؤوليات الفريقين على وجه لا يقبل التأويل أو التبرير.. واستأنف السفير يارنج اتصالاته بالجانبين العربي والإسرائيلي، ولم يكن الموقف العربي يشكل صعوبة فهو يتطلع إلى تنفيذ القرار منذ الأمس قبل اليوم، واليوم قبل الغد.. ولكن الموقف الإسرائيلي أصبح أكثر تحجرا وغرورا.. وقد رأى في قرار الجمعية العامة طعنة في الصميم، موجهة إلى صلفه وعناده، فازداد مماحكة.. وعاد إلى حججه المعروفة يؤكدها، ويعلن أنه لن يتراجع عنها، وأنه لن ينسحب إلى حدود الخامس من يونيو.. ولا حتى إلى الحدود الدولية.. وإنما إلى حدود جديدة، ترسم من جديد، على خارطة جديدة.. وفي مؤتمر الصلح بين العرب وإسرائيل.

        ورأى السفير يارنج أنه لا جدوى من استمرار الاتصال بإسرائيل فقد أصبح موقفها واضحا كل الوضوح، ولا يجدي معها قرار الجمعية العامة، ومد يده إلى جرابه فلم يعد فيه "حجاب" ولا تعويذة، بعد أن استنفدها كلها، فاستقر رأيه أن يعود من حيث أتى.. إلى موسكو مقر عمله، ليقضي شتاء صاقع البرودة معتصما بالصمت، من غير بيان، ولا حديث!!

        وهل إبريل من عام 1973، وتثاوب مجلس الأمن، بعد إغفاءة طويلة، امتدت ستة أعوام على قراره الشهير.. فانعقد في العشرين من الشهر وأصدر قرارا "خطيرا" طلب فيه من الأمين العام أن يعد له تقريرا شاملا عن جهود السفير يارنج وما آلت إليه، كأن الذي ينقص مجلس الأمن أن يعلم بما جرى.. وكأنما التقارير التي كان يبعثها إليه السفير يارنج غير كافية أو واضحة.. وكأنما الدول الأربع العظمى لا تعرف، ومندوبوها قضوا شهورا طويلة في جهود "جادة" لاختراق الطريق المسدود.

        وعكف الأمين العام والسفير يارنج على أوراقهم وملفاتهم، فأعدا تقريرا شاملا تناول الجهود المبذولة في عهد المستر يوثانت، وفي عهد المستر فالدهايم، والمواقف العنيدة التي وقفتها إسرائيل في وجه التسوية السلمية، وأرفقا بالتقرير جميع الوثائق والرسائل المتبادلة بين الجانبين العربي والإسرائيلي.

        وفي ختام تقرير الأمين العام، الذي قدمته إلى مجلس الأمن في النصف الثاني من شهر أيار، وهو شهر الأزهار في كل أرجاء العالم، لم يكن ليخلو من باقة أشواك ألقاها الأمين العام في مجلس الأمن.. فقال، على سبيل المثال: "إن مجلس الأمن لم يبحث المشكلة ككل خلال السنوات الست الأخيرة.. وسيبحثها من حيث تركها في ذلك الوقت.. في عام 1967".. وقال بعد ذلك أنه "منذ أكثر من 25 عاما كان على الأمم المتحدة ومجلس الأمن بوجه خاص مسؤولية رئيسية فيما يتعلق بمشكلة الشرق الأوسط.. وأن الأمم المتحدة لم تبرهن على قدرتها لإيجاد تسوية دائمة وعادلة.." ثم يقول في الفقرة الأخيرة من تقريره "إن المنطقة والمصلحة الذاتية يبينان أن مثل هذه التسوية قد طال انتظارها..".

        وتلقى مجلس الأمن تقرير الأمين العام، وفيه باقة الأشواك هذه، لعلها تنخسه وتدفعه إلى السير ولو خطوة واحدة إلى الأمام، وهو يملك من السلطات العملية، ما يستطيع معها، إذا شاء، أن يجعل إسرائيل تجثو على الركبتين، وأن تجلو عن الأرض العربية، حافية القدمين..

        وليس هذا الكلام على غرار التمنيات التي تبعثها أحلام اليقظة، فإن مجلس الأمن، إذا أراد، قادر أن يجعل إسرائيل تجثو على ركبتيها وتجلو عن الأرض العربية في ستة أيام كما احتلتها في ستة أيام، فإن الميثاق ينص على عقوبات اقتصادية يملك مجلس الأمن أن يقررها ضد أية دولة عضو حين تخالف التزاماتها الدولية.. وهنالك سابقة دولية مع إسرائيل بالذات، بل إنها كانت "محاولة" لإيقاع عقوبات اقتصادية.. وكان ذلك في عهد الرئيس أيزنهاور في عام 1956 فقد طلب إلى إسرائيل الانسحاب من الأراضي المصرية عقب العدوان الثلاثي على مصر، مهددا بفرض عقوبات اقتصادية.. فكان هذا التهديد مع عوامل أخرى حافزا لجلاء القوات الإسرائيلية عن سيناء وقطاع غزة.. بعد أن بقيت فيها بضعة أشهر.. ولم يتمالك بن غوريون رئيس وزراء إسرائيل يومئذ، عن البكاء في الكنيست الإسرائيلي، وهو يعلن قرار الانسحاب.

        وبعد حرب الأيام الستة ازداد اعتماد إسرائيل على الولايات المتحدة في مجال المساعدات الاقتصادية والعسكرية وبهذا ازدادت قدرة أمريكا على فرض إرادتها على إسرائيل إذا كانت هذه الإرادة تريد ويكفي في هذا الصدد أن نشير إلى ما قاله عضو الشيوخ المستر فولبرايت في خطاب ألقاه في جامعة ييل في إبريل 1971 وهي الفترة التي كان السفير يارنج يطير أثناءها بين تل أبيب والقاهرة وعمان فقال "إن إسرائيل تعتمد إلى حد كبير على الولايات المتحدة في موضوع السلاح والمعاونات الاقتصادية..

وفي ديسمبر (الماضي) خصص الكونجرس نصف مليون دولار مساعدة عسكرية لإسرائيل.. ومنذ 1948 خصصت الولايات المتحدة ما قيمته 1.4 مليار دولار كمساعدة اقتصادية مباشرة لإسرائيل وهذا لا يشمل المساعدة العسكرية.. ومنذ 1948 قدم المواطنون الأمريكيون 3 مليار دولار مساعدات مالية لإسرائيل مضافا إلى شراء سندات إسرائيلية بمعدل 300-400 مليون دولار سنويا.. ويدخل في ضمن المساعدات العسكرية الضخمة التي تقدمها أمريكا لإسرائيل، طائرات وصواريخ وأجهزة إلكترونية، أكثر تقدما مما يعطى إلى الدول التي ترتبط معها بالتحالف في منظمة الأطلنطي، أو المنظمة المركزية لشرق آسيا.. وإن جولدا ماير تقول "بأنه يجب أن لا نضغط على إسرائيل لتنسحب من الأراضي العربية المحتلة.. وهي تعلن بأن هذه ليست حدود الولايات المتحدة وأن إسرائيل قادرة أن تقف بنفسها".

        والواقع أن كلام السناتور الأمريكي ومعه كلام جولدا ماير، هو الذي يوضح أسباب فشل مهمة السفير يارنج.. فلو أن أمريكا قد تخلت عن إسرائيل شهرا واحدا لما استطاعت إسرائيل أن تقف وحدها، ولا أن تصمد دقيقة واحدة أمام المبعوث الدولي.. بل لسارعت إلى الجلاء عن الأرض العربية كما فعلت في عام 1956.

        وقد بلغت القحة السياسية برئيسة وزراء إسرائيل أنها راحت تتطاول على الولايات المتحدة وتذكرها، بأن مهمة السفير يارنج تتناول "حدود إسرائيل لا حدود الولايات المتحدة" وقد فات إسرائيل بأجمعها حكومة وشعبا بأنه لولا الولايات المتحدة لم تكن لإسرائيل حدود، حتى ولا عند شواطئ تل أبيب على البحر الأبيض المتوسط.

        ويبدو أنه طفح الكيل، كيل الجانب العربي، فلم يعد يرى أي جدوى في جهود المستر يارنج، فعزم أن يجمع ملفاته، ويرفع شكواه إلى مجلس الأمن يستغيث ويستجير، وقد فاته قول شاعرنا الكبير:

        المسـتجير بعمـرو عنـد كربتـه

                                   كالمستجير من الرمضاء بالنار

        والحكم العربي المعاصر، عازم كل العزم، في هذه الأيام، وبكل شجاعة وجسارة، أن يستجير بمجلس الأمن "إذا فشل مؤتمر جنيف في الوصول إلى تسوية عادلة، وشريفة ودائمة"..

        وهذه هي كلمات الحكم العربي المعاصر، وهي آخر ما أعلنه في آخر شهر من عام 1976 وهو يعد نفسه للذهاب إلى مؤتمر جنيف.

        فلنعد قليلا إلى الوراء، إلى السادس من حزيران من عام 1973، لنرى كيف ألحق مجلس الأمن بنا هزيمة سياسية فاضحة.. تماما كهزيمة السادس من حزيران من عام 1967.. تماما حذوك الرأس بالرأس، والنعل بالنعل!!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وهزيمة أخرى..

في السادس من يونيو "حزيران"

 

        يبدو أن السادس من يونيو (حزيران) هو يوم مشؤوم  في تاريخ العرب الحديث، ولعل الصواب أن الحكم العربي المعاصر هو الذي جعله اليوم المشؤوم..

        ففي السادس من يونيو من عام 1967 حلت بالأمة العربية هزيمة عسكرية ساحقة ماحقة، يتحمل الحكم العربي المعاصر مسئوليتها أمام التاريخ لا تنفع في ذلك شفاعة ولا مرافعة.

        وفي الثامن من يونيو من العام نفسه بدأ مجلس الأمن مناقشة الجوانب السياسية من الهزيمة العسكرية فأصدر ثلاثة قرارات تدعو إلى وقف إطلاق النار، دون أن ينص واحد منها على العودة إلى خطوط ما قبل القتال، خلافا لكل الأعراف الدولية، فأصيبت الأمة العربية بهزيمة سياسية ذيلا للهزيمة العسكرية.

        وفي العاشر من شهر يونيو من العام نفسه والأيام والأسابيع التالية، خاض مجلس الأمن في مستنقع كبير من الجدل، حول ما سمي بالتسوية السلمية لأزمة الشرق الأوسط، وانتهى المجلس إلى أسوأ قرار أصدرته الأمم المتحدة بعد قرار التقسيم الذي اتخذته في عام 1947.. فقد ربط القرار الجديد الانسحاب الإسرائيلي بتسوية القضية الفلسطينية، أو بتصفيتها على الأصح، وبذلك وضع قبضة إسرائيل في عنق الدول العربية، لا تنفك عنها، إلا بالاستسلام.

        ومضت ست سنوات، على حرب الأيام الستة، فأطل اليوم السادس من يونيو من عام 1973 ليشهد هزيمة سياسية جديدة تلحق بالأمة العربية.. تغنى بها الإعلام العربي واعتبرها نصرا جديدا، وكان هذا ديدنه في ظل الحكم العربي المعاصر، يملك كيمياء تحويل النحاس إلى ذهب، وتحويل الانكسار إلى انتصار.

        وكان لهذه الهزيمة السياسية، مقدمة إرهابية بشعة اقترفتها إسرائيل، ولا بد أن نلقي عليها نظرة عاجلة.. لنرى كيف نقلت "أزمة الشرق الأوسط" إلى مجلس الأمن.

        وموجز القصة.. وهي تشبه قصص الأساطير.. أنه في ليلة العاشر من شهر إبريل (نيسان) من عام 1973 حينما كانت بيروت غافية ملء الجفون، ومعها الدولة والجيش وقوى الأمن والزمان ربيع والحياة وادعة آمنة مطمئنة، نزلت قوة إسرائيلية عند الشواطئ الجنوبية لمدينة بيروت، لا يتجاوز عدد أفرادها خمسة وثلاثين إرهابيا، فركبوا سيارات عليها لوحات لبنانية كانت تنتظرهم، وقادوا "سياراتهم" على كورنيش البحر ومنه إلى شارع فردان، ومنه إلى مساكن محددة، اقتحموها بالقنابل وقتلوا من فيها.. وكان أولئك الشهداء، ثلاثة من قادة الثورة الفلسطينية: أبو يوسف النجار، وكمال عدوان، وكمال ناصر، رحمهم الله، ورحم من سبقهم ومن لحقهم من أبنائنا الأبرار الأخيار.

        وعادت المجموعة الإسرائيلية إلى شارع فردان فاصطدمت بإحدى ثكنات الأمن اللبنانية ووقعت معركة قصيرة استشهد فيها جنديان، وجرح تسعة بينهم ضابط لبناني.. ثم توجهت المجموعة الإسرائيلية إلى مبانٍ أخرى تقيم فيها بعض المنظمات الفلسطينية، فقذفوها بالقنابل واشتبكوا مع الحرس الفلسطيني ثم عادوا، طريقهم من حيث أتوا، وضربوا بعض المساكن الصغيرة الواقعة على الشاطئ، فقتلوا عددا من العمال السوريين واللبنانيين، ثم حمل الإسرائيليون جرحاهم، وعادوا بقواربهم كما جاءوا بها..

        واستيقظت بيروت مذعورة على دولتها ووجودها، ورأى المواطن العربي اللبناني في الغارة الإسرائيلية، براعة مخيفة في التخطيط والتنفيذ.. وغفلة مروعة من الدولة اللبنانية في حماية شواطئها وشوارعها وبيوتها.. وكانت آية المأساة حقا أن يعود المغيرون الأعداء أحياء يرزقون.

        واهتزت الدنيا بأسرها لهذا الإرهاب الرهيب، ومعها اهتز العالم العربي حزنا وغضبا.. ومعها اهتزت إسرائيل فرحا وطربا..

        وإسرائيل فرحت حقا، وطربت حقا.. فلم تمض بضع ساعات على هذه الجريمة الإرهابية القذرة، حتى تقدم مندوبها الدائم في الأمم المتحدة بمذكرة رسمية إلى مجلس الأمن تحت رقم 10912/5 تعترف فيها إسرائيل، صراحة وقباحة ووقاحة، بأنها قامت بتلك العملية العسكرية انتقاما من الأعمال الفدائية!!

        وقد تباسطت المذكرة الإسرائيلية في وصف "العملية" من بدايتها إلى نهايتها، ذاكرة أسماء الشهداء الذين قتلتهم، ومواقع العمارات التي دمرتها، تماما كأنه تقرير عسكري مقدم إلى قيادة الجيش الإسرائيلي.. وبلغت بإسرائيل "الشجاعة" أن طلب مندوبها الدائم في الأمم المتحدة توزيع المذكرة الإسرائيلية كوثيقة رسمية، تماما كما تفعل أية دولة عضو في الأمم المتحدة حينما تتعرض للعدوان!!

        وتقدم لبنان بالشكوى إلى مجلس الأمن، فانعقد في اليوم التالي، وشرح المندوب اللبناني الدائم شكواه بالتفصيل، وسرد سيرة الإرهاب الصهيوني منذ نشأته، وطالب بإنزال العقوبات بإسرائيل.

        وجاء دور المندوب الإسرائيلي، فاعترف بالوقائع كلها، وزاد على المندوب اللبناني بتفاصيل أوفى.. وأعلن بأن إسرائيل "لم تأت إلى مجلس الأمن لتبرر عملها، لأنه لا يحتاج إلى تبرير.. ولكننا جئنا لنتهم" وراح المندوب الإسرائيلي يشنع على لبنان والدول العربية إلى استضافتهم وتشجيعهم للمنظمات الفدائية إلى آخر الجدل الإسرائيلي المعروف.. هذا مع العلم أن مجلس الأمن قد ندد المرة بعد المرة بأعمال الثأر والانتقام، حتى ولو كانت حوافزها ثابتة وأكيدة.. حتى ولو كان العدوان ثأرا لعدوان.

        وانطلق أعضاء مجلس الأمن، الدائمون والمنتخبون، ينددون بالجريمة الإسرائيلية، تنديدا متفاوتا، فكان أرقهم وألطفهم المندوب الأمريكي الذي دان "أعمال العنف جميعها.. ومن أي مصدر كانت.. وإن إسرائيل والمنظمات الفدائية سواء في المسؤولية.." وهكذا.. وقاحة أمريكية تساند الوقاحة الإسرائيلية.

        وفي نهاية المناقشة، أصدر مجلس الأمن، حسب العادة، بل وأقل، قرارا يستنكر العدوان الإسرائيلي، بموافقة أحد عشر عضوا، وامتنعت عن التصويت كل من الصين وروسيا وغينيا لأن القرار كان لطيفا، كما امتنعت أمريكا لأنه كان عنيفا، ولأنه لم يستنكر المنظمات الفدائية!!

 

        وعلق المندوب الإسرائيلي على القرار بأنه "إيجاز بارز لتفاهة وخطيئة الموقف العربي" ولم يكن غريبا أن يسجل هذا التعليق في محاضر المجلس.. بعد أن هان مجلس الأمن على نفسه، وهبط إلى الدرك الذي وصل إليه.

        وهذا الحكم الصارم العادل على مجلس الأمن، تبرره سوابق مجلس الأمن نفسها.. ذلك أنه إلى يوم الغارة الإسرائيلية التي نحن بصددها، أصدر مجلس الأمن سبعة عشر قرارا بصدد انتهاكات إسرائيل لوقف إطلاق النار.. أو بعبارة عادية.. بصدد اعتداءات إسرائيل على البلاد العربية.

        وفي هذه الاعتداءات السبعة عشر كان مجلس الأمن في كل مرة يحذر إسرائيل من عدوانها، وأنه سيتخذ إجراءات رادعة في حالة التكرار.. ولكن إسرائيل كانت في كل مرة ترتكب التكرار.. من غير مبالاة بقرار مجلس الأمن.. وتلح عليَّ الأمثلة أن أذكر بعضها:-

        القرار رقم 248 لسنة 1968 بشأن الهجمات الإسرائيلية على الضفة الشرقية للأردن، وقد "أدان الأعمال العسكرية التي قامت بها إسرائيل، وأن مجلس الأمن سيضطر إلى النظر في خطوات أخرى أكثر فاعلين , كما ينص على ذلك الميثاق من أجل ضمان عدم تكراره مثل هذه الأعمال .

        القرار رقم 252 لسنة 1968 بشأن الهجمات الجوية الإسرائيلية على مطار بيروت الدولي المدني الذي أوان إٍسرائيل بسبب عدوانها المتعمد وأصدر تحذير جدي إلى إسرائيل بأن في حالة تكرر مثل هذه الأقفال فإن المجلس سوف ينظر في اتخاذ قرارات أخرى من أجل اقدام قراراته.

القرار 256 لسنة 1968 – بشأن الهجمات الجوية الإٍسرائيلية على مدينة السلط الأردنية الذي أدان العمليات العسكرية التي قامت بها إسرائيل ويحذر بأن في حالة تكرارها فإن المجلس سيضع في اعتباره عدم تقيد إسرائيل بهذا القرار منطقة السلط الذي "أدان الهجمات الجوية التي شنتها إسرائيل على القرى الأردنية والمناطق الآهلة بالسكان متعمدة، ويحذر مرة ثانية بأنه في حالة تكرار هذه الهجمات فإن المجلس سينعقد للنظر في اتخاذ خطوات أكثر فعالية كما هو مبين في الميثاق من أجل ضمان عدم تكرار هذه الأعمال".

        القرار 270 لسنة 1969 بشأن شكوى لبنان من هجمات إسرائيل الجوية على القرى في جنوب لبنان، الذي "أدان الهجمات الجوية الإسرائيلية المتعمدة على القرى في جنوب لبنان.. ويعلن المجلس أن أعمال الانتقام العسكري والانتهاكات الخطيرة الأخرى لوقف إطلاق النار لا يمكن غض الطرف عنها، وان المجلس سيضطر إلى النظر في اتخاذ خطوات أخرى أكثر فاعلية من أجل ضمان عدم تكرار هذه الحوادث كما ينص على ذلك الميثاق".

        القرار 279 لسنة 1970 بشأن الهجمات البرية والجوية الإسرائيلية على لبنان، وأعلن المجلس أنه "يأسف لعدم التزام إسرائيل بالقرارين رقم 262، 270 ويدين المجلس إسرائيل بسبب قيامها بأعمال عسكرية متعمدة ويعلن أنه لا يمكن غض الطرف عن مثل هذه الأعمال المسلحة، ويكرر تحذيره الجدي لإسرائيل أنه في حالة تكرارها فإن المجلس سينظر في اتخاذ خطوات وإجراءات كافية وفعالة طبقا لمواد الميثاق من أجل تنفيذ قراراته".

        القرار 316 لسنة 1972 بشأن الهجمات الجوية والبرية الإسرائيلية على لبنان، الذي يدعو إسرائيل بأن "تلتزم بقرارات المجلس، وأن تمتنع عن شن أية هجمات عسكرية على لبنان.. ويدين الهجمات المتكررة للقوات الإسرائيلية على الأراضي والسكان اللبنانيين.. ويعلن المجلس أنه إذا لم تلتزم إسرائيل بهذا القرار فإن المجلس سوف ينعقد مرة ثانية في أقرب وقت ممكن من أجل النظر في اتخاذ إجراءات جديدة".

        القرار رقم 332 لسنة 1973 بشأن الغارات الإسرائيلية على بيروت وصيدا، أعلن فيه المجلس "إدانته للهجمات العسكرية المتكررة التي تقوم بها إسرائيل على لبنان، ويدعو إلى الامتناع فورا عن شن هجمات عسكرية على لبنان".

        كان هذا هو سجل مجلس الأمن في قراراته، يداعب إسرائيل، ويدعو في كل مرة أن لا تكرر عدوانها، وينذر بأنه "سيتخذ إجراءات فعالة" حتى أصبحت هذه العبارات أشبه بالإعلان الذي يكتبه التاجر على دكانه (اليوم نقدا وغدا دين) ويظل اليوم يتكرر، دون أن يأتي الغد!! ويظل المشترى يشتري نقدا".

        وإسرائيل لا تهمل قرارات مجلس الأمن فحسب، ولكنها تتباهى باعتداءاتها في داخل المجلس وخارجه، ففي الحادي والعشرين من شهر فبراير في عام 1973، قبل أسبوعين من مجزرة بيروت الشهيرة.. قامت الطائرات الإسرائيلية بغارة ضارية على مخيمات اللاجئين في البداوي والنهر البارد (على مقربة من طرابلس) فقتلت وجرحت بالمئات، وهدمت المنازل بلا حساب.. وأعلنت رئيسة الوزراء جولدا ماير بأن "هذه الأعمال رائعة جدا، وسيكتب عنها التاريخ صفحات مشرقة" وبعث المندوب الإسرائيلي الدائم، من جانبه بمذكرة خطية عن ذلك العدوان المشرق "الرائع" إلى مجلس الأمن، وطلب توزيعها كوثيقة رسمية على أعضاء الأمم المتحدة..

        وحسبت مصر أن الفرصة لاحت لإثارة أزمة الشرق الأوسط، حينما كان مجلس الأمن يناقش قضية المجزرة الإسرائيلية في بيروت.. فقامت وزارة الخارجية المصرية باتصالات عالمية واسعة لتحشد أكبر مساندة دبلوماسية وسياسية لتأييد خطوة عربية جديدة، تفتح الطريق المسدود الذي تواجهه أزمة الشرق الأوسط.

        والواقع أن الأزمة كانت أمام طريق مسدود.. فقد فشل السفير يارنج في مهمته ولم يستطع أن يحمل إسرائيل على تنفيذ قرار مجلس الأمن 242، ولم تستطع الدول الإفريقية عن طريق مؤتمراتها ورؤسائها، وخاصة المساعي التي عرفت باسم "حكماء إفريقيا" أن تزحزح إسرائيل قيد أنملة عن مواقفها المعروفة.. ولم يبق أمام مصر إلا "الورقة الأخيرة" وهي العودة إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار جديد، يأمر إسرائيل بالجلاء عن الأرض العربية.. ولا يبقى لإسرائيل إلا أن تطيع.

        وفي إطار هذا التصور السياسي انطلقت مصر ووراءها حشد كبير من وزراء خارجية الدول الإفريقية ودول عدم الانحياز إلى أروقة مجلس الأمن، في مظاهرة دبلوماسية كبرى، لم يشهد مجلس الأمن مثيلا لها منذ أن أنشئت المنظمة العالمية..

        وطار وزير خارجية مصر إلى نيويورك، وبادر إلى "اقتحام" قاعة مجلس الأمن حين كان ينظر في مجزرة بيروت، وطلب الاشتراك في المناقشة وهو حق لأية دولة عضو، فأيد الشكوى اللبنانية وطالب بإدانة إسرائيل ثم عرج "على أزمة الشرق الأوسط" وأعلن أن بقاءها "جامدة" هو السبب في الأحداث الجارية في منطقة الشرق الأوسط، وأنه من أجل ذلك يطلب "مناقشة القضية برمتها في موعد قريب يختاره مجلس الأمن، وأن يكلف الأمين العام للأمم المتحدة أن يقدم تقريرا شاملا عن مهمة السفير يارنج والأسباب التي أدت إلى فشله".

        استمع المجلس إلى طلبات الوزير المصري، فتململ المندوب الأمريكي، وقال أنه لا يرى جدوى من البحث، ولكن مثل هذه "الطلبات الإجرائية" لا مجال لمعارضتها، فقبلها مجلس الأمن، وأصدر قراره بتكليف الأمين العام بتقديم تقرير شامل، ودعوة مجلس الأمن للانعقاد.

        وأعد الأمين العام تقريره الشامل، وانعقد مجلس الأمن.. وكان ذلك في اليوم السادس من يونيو لنشهد فيه هزيمة أخرى، تكرس هزيمتنا العسكرية في السادس من يونيو قبل ستة أعوام.

        وكان المندوب الروسي السفير مالك، هو رئيس المجلس، فافتتح الجلسة الأولى من المناقشة وأكد "خطورة القضية التي يناقشها مجلس الأمن بعد انقضاء ما يقرب من ستة أعوام على القرار الأصلي 242، دون أن تنسحب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة رغم الجهود التي بذلها السفير يارنج، ورغم الاجتماعات المتوالية لمندوبي الدول العظمى الأربعة، وأنه يجب على مجلس الأمن أن يتخذ إجراء فعالا لحمل إسرائيل على الخضوع لمجلس الأمن وتنفيذ قراراته".

        وإلى هنا فقد كان موقف المندوب الروسي سليما ومفيدا ولكنه انعطف بعد ذلك إلى موضوع الوفاق الدولي الذي كان قد بدأت طلائعه في تبادل الزيارات بين الرئيسين الأمريكي والسوفييتي، وانطلق المندوب الروسي يشيد "بالوفاق الروسي الأمريكي وأثره على السلام العالمي والدور التاريخي الذي تقوم به الدولتان العملاقتان في توطيد أركان السلام العالمي وما يترتب على ذلك من زوال أسباب التوتر والقلق في المجتمع الدولي، والانصراف نحو التنمية الاقتصادية لبناء مستقبل أفضل للإنسانية بأسرها..".

        وبدا واضحا أن السفير السوفييتي في كلامه هذا، قد اتخذ من مجلس الأمن منبرا إعلاميا، ومن أزمة الشرق الأوسط مناسبة دولية، ليتحدث عن فضائل الوفاق الروسي الأمريكي، ودور الاتحاد السوفييتي في هذا الحدث التاريخي العظيم.. وأصبحت أزمة الشرق الأوسط "مكدسة" في العربة الأخيرة في قطار الوفاق، تسبقها عربات كثيرة بمواضيع دولية أخرى.

        وفي مثل هذا الجو الوفاقي الذي صنعه المندوب الروسي، بدأ وزير خارجية مصر يعرض قضيته أمام مجلس الأمن، فاستعرضها منذ أن أصدر المجلس قراره الشهير رقم 242 وشرح الجولات والصولات التي قام بها السفير يارنج بين عواصم الشرق الأوسط، للعمل على إحلال السلام في المنطقة، وإجلاء القوات الإسرائيلية عن الأرض العربية.. وأوضح السياسة الإيجابية التي أتبعتها الدول العربية مع السفير يارنج في تسهيل مهمته، وكيف أنها أعلنت قبولها لقرار مجلس الأمن وأنها مستعدة لتوقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل في حالة تنفيذ قرار مجلس الأمن بصورة شاملة، وكيف أن إسرائيل قد رفضت الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، ولم تتعاون مع السفير يارنج في تنفيذ مهمته، وأن الموقف قد أصبح يتطلب من مجلس الأمن إجراء حازما حاسما، وأن وأن إلى آخر الاستعراض التاريخي والسياسي لسير الأحداث في الأعوام الستة التي جاءت بعد حرب الأيام الستة.

        وألقى المندوب الإسرائيلي خطابا مسهبا، في ظاهره مسحة من الموضوعية مستشهدا بالمقتبسات العديدة المقطعة عن مراجعها، الممزقة من مصادرها، المبتورة من سياقها، وشدد على أن قرار مجلس الأمن ليس له طابع تنفيذي بذاته وبصورة أوتوماتيكية، ولكنه مجموعة من المبادئ يسترشد بها الفرقاء المعنيون للوصول إلى اتفاق تعاقدي يتناول جميع المسائل المختلف عليها بصورة نهائية، وأن هذه التسوية لا يمكن أن يفرضها مجلس الأمن، وأنها لا بد أن تكون حصيلة مباحثات بين الأطراف المعنية.. وأن قرار مجلس الأمن هو أشبه ما يكون بجدول أعمال لهذه المباحثات.

        وانتقل المندوب الإسرائيلي بعد هذا التزييف الشامل إلى التحديد، فتناول موضوع الانسحاب الإسرائيلي، فأكد أنه أحد المواضيع التي نص عليها مجلس الأمن، وليس هو كل شيء.. ففي القرار الحدود الآمنة، وفيه حرية الملاحة في الممرات الدولية، وفيه احترام السيادة الإقليمية والوحدة الجغرافية لجميع دول المنطقة، وفيه اتفاق السلام الذي يتعين أن ينهي حالة الحرب والمقاطعة الاقتصادية.. وعلى الجملة فإن جميع ما ورد في قرار مجلس الأمن لا يتم تنفيذه إلا باتفاق الطرفين، والاتفاق لا يتم إلا بالمباحثات وإسرائيل حاضرة لهذه المباحثات في أي مكان وزمان، ومن غير شروط مسبقة..

        ورد الوزير المصري، ومعه الوفود العربية الأخرى بأن الانسحاب الإسرائيلي عن الأرض العربية هو الشرط الأساسي للسلام في الشرق الأوسط، وأن الحدود الآمنة لإسرائيل لم يقصد قرار مجلس الأمن "أن يجعلها في الأراضي العربية، ولكن على الأرض الفلسطينية.. وأن مصر والأردن مستعدتان للدخول في مباحثات من أجل الوصول إلى تسوية سلمية على أساس قرار مجلس الأمن، ولتوقيع سلام يكفل لجميع دول المنطقة السيادة الإقليمية وحق العيش في أمن وسلام".

 

        وتحدث مندوبو الدول الأعضاء غير الدائمين، كل على طريقته وأسلوبه بتأييد الموقف العربي، واعتمدوا ما ورد في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة من أن إسرائيل لم تكن متعاونة مع السفير يارنج، وأنها رفضت الالتزام بالانسحاب من الأرض العربية، ورددوا الواحد بعد الآخر، العبارة الشهيرة التي وردت في تقرير الأمين العام من "أن الجهود كانت كثيرة جدا، ولكن النتائج كانت قليلة جدا"، وخلصوا إلى القول بأنه يجب على مجلس الأمن أن ينهض بمسؤولياته، ويطلب إلى إسرائيل المبادرة بالانسحاب من الأراضي العربية من غير إبطاء..

        وتحدث عدد من وزراء خارجية الدول الإفريقية ودول عدم الانحياز فكان معظمهم أكثر استعدادا من معظمنا، فكان عرضهم أحسن، ودرسهم أعمق، وخطبهم أجود، شكلا وموضوعا.. هذا مع العلم أن في الأمة العربية كفاءات ضخمة مخزونة في بيوتها، وكل عيبها أنها لا تعرف طريق الزلفى إلى الحكام، ولأن هؤلاء الحكام يقيمون المواطن على أساس الولاء للحاكم، لا على أساس الولاء للوطن.. ويا مصيبة الرعية بالراعي!!

        والواقع أن وزراء الدول الإفريقية قد حملوا معهم إلى مجلس الأمن رأى قارة بأكملها، فقدموا إلى المجلس قرارات منظمة الوحدة الإفريقية في دوراتها المتعددة المنعقدة في كنشاسا "زائير" وفي الجزائر، وفي أديس أبابا، وفي الرباط، وكذلك فعل ممثلو دول عدم الانحياز فقد قدموا إلى مجلس الأمن قرارات مؤتمراتهم والبلاغات المشتركة الصادرة عن رؤسائهم، مع سرد كامل للمراجع القانونية والأعراف الدولية التي لا تجيز احتلال الأرض بالقوة ولا تمكن المعتدي من أن يجني ثمرة عدوانه..

        وكانت مظاهرة سياسية كبرى حقا، لم تشهد المنظمة الدولية لها مثيلا منذ أن تأسست في سان فرانسيسكو في عام 1945.. فقد تجمع في هذه المظاهرة الدول الإفريقية، ودول عدم الانحياز، والدول العربية العشرون والدول الاشتراكية، ودول أخرى مستقلة في أوروبا وأمريكا اللاتينية.. حتى يصح القول أن الموقف العربي يؤيده ما لا يقل عن ثلاثة أرباع سكان الأرض كلها.

        إزاء هذا الحشد العالمي، لبس المندوب الإسرائيلي قميص الإنسان المضطهد المحاصر المطوق المعذب، يطلب الحماية من هذه الكثرة الضخمة التي أحاطت به من كل جانب.. "هذه الكثرة الأوتوماتيكية التي تملكها الدول العربية في الأمم المتحدة، بحيث أصبحت قادرة على أن تستصدر القرار الذي تريده وبالصيغة التي تريدها".. وكما المندوب الإسرائيلي وقد فاته أن الكثرة الأوتوماتيكية التي كانت تخضع للسيطرة الأمريكية في عام 1947 هي التي كانت سبب الكارثة، فقسمت وطنا على غير إرادة أهله، وشردت شعبا من ديار آبائه وأجداده، وأقامت مكانه شعبا غريبا، يعتمد في التاريخ على الأساطير ويرتكز في الدين إلى الخرافات.

        ورد المندوبون العرب، والأفارقة، ومندوبو دول عدم الانحياز بأن القضية المطروحة لا صلة لها بالكثرة العددية، وأنها تستند إلى المبادئ التي يقوم عليها ميثاق الأمم المتحدة، وإلى القواعد الأساسية التي تكفل الأمن الجماعي للأسرة الدولية، فإن احتلال أراضي ثلاث دول أعضاء في الأمم المتحدة، واستمرار هذا الاحتلال قرابة ستة أعوام لا يتفق مع أحكام القانون الدولي ولا يمكن السكوت عليه.

        وأيد المندوب الفرنسي هذا المنطق الدولي، وبالتحديد أعلن أن "جواب إسرائيل على مذكرة السفير يارنج المؤرخة في 8 فبراير 1971 يؤلف إحدى العقبات الأولية في سبيل تنفيذ قرار مجلس الأمن، فضلا عن أنه يقف في طريق البداية في العملية التي تؤدي إلى سلام.. وأن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية يؤلف انتهاكا للمبادئ التي تلتزم بها الأسرة الدولية وخاصة المبدأ القائل بعدم شرعية حيازة الأراضي بالقوة" وشتان بين موقف فرنسا في ربيع 1973، وموقفها في خريف 1956، أثناء العدوان الثلاثي على مصر.

        وكان الموقف البريطاني دون الموقف الفرنسي، فأعطى باليمين لإسرائيل، وباليسار إلى الجانب العربي، محتفظا بالغموض الذي صاغ به قرار مجلس الأمن 242 قبل ستة أعوام.

        أما الموقف الأمريكي.. وأمريكا هي التي ورثت الكارثة عن بريطانيا، فلم يتغير عن سابق عهده في حرب الأيام الستة، وإن كان ممثل أمريكا الصهيوني جولدبرج قد أخلى مقعده إلى سفير أمريكي آخر ليس صهيونيا بالعقيدة، ولكن بالولاء والسياسة.. وهذا شأن الأمريكي المسؤول.. كائنا من كان مادام يتلقى توجيهاته من البيت الأبيض..

        والواقع أن الموقف الأمريكي كان أكثر وضوحا ورسوخا على لسان السفير الأمريكي غير الصهيوني مما كان عليه الحال في أيام السفير الأمريكي الصهيوني، فقد طرح أمام مجلس الأمن حججا جديدة لتأييد مواقف قديمة.. واغترف من السنوات الست السابقة زادا جديدا، يؤيد به موقف إسرائيل ويذكر ما فات على إسرائيل أن تذكره!!

        أشار المندوب الأمريكي أولا: "أن قرار مجلس الأمن لم يحدد من المسؤول عن حرب الأيام الستة ومن الذي أطلق النار أولا، ومن المعتدي والمعتدى عليه".. مع أن الولايات المتحدة هي التي حالت دون الدخول في هذا الموضوع أثناء مناقشات مجلس الأمن حينما كان العدوان الإسرائيلي ساخنا، رغما عن أن الدلائل متوافرة أن إسرائيل هي التي قامت بالضربة الأولى، واستمرت تضرب إلى النهاية..

        وأشار المندوب الأمريكي ثانيا: "أن قرار مجلس الأمن لم ينص على انسحاب غير مشروط.. فإن الانسحاب لا يمكن عزله عن مجموع القرار، ولا يصح فصله عن إنهاء الادعاءات السابقة وحالة الحرب، وعن الاحترام والاعتراف بالسيادة والوحدة الإقليمية لكل دول المنطقة، والعيش بسلام صمن حدود آمنة".

        وأشار المندوب الأمريكي ثالثا: إلى "أن جميع الالتزامات الواردة في قرار مجلس الأمن يجب أن تدخل في إطار السلام.. السلام الذي ينهي الخوف والقلق اللذين سادا المنطقة في ربع القرن الماضي.. فليس في العالم منطقة متأزمة تفوق في الأهمية وتسبق في الأولوية منطقة الشرق الأوسط، كما قال الرئيس نيكسون في آخر تقرير له إلى الكونجرس".

        وأشار المندوب الأمريكي، رابعا: "أن القرار 242 لم يتعرض لموضوع الحدود أين يجب أن تكون، إنه لا ينفي ولا يؤيد حدود يونيو 1967، وقد ترك هذا الموضوع غامضا في قرار مجلس الأمن.. وكان هذا الغموض هو جزء من التوافق بين مطالب الفرقاء.. وأن الاتفاق النهائي على الحدود يجب أن، ينظر إليه منطقيا وسياسيا وتاريخيا وواقعيا على ضوء أهداف قرار مجلس الأمن، وأن تتم تسويتة كجزء من عملية الاتفاق التي تتناول جميع العوامل التي تنظم العلاقة الجديدة بين الفرقاء".

        وأشار المندوب الأمريكي، خامسا، وأخيرا، إلى "أن تنفيذ قرار مجلس الأمن في مجموعه، يتطلب اتفاق الفرقاء فيما بينهم، ودور مجلس الأمن هو المعاونة على الوصول إلى هذا الاتفاق، والاتفاق يكون بالمفاوضة بين الفرقاء أنفسهم.. وهذا يتطلب أسلوبا يتسم بالصبر والنظرة العملية خطوة خطوة.. وذلك يمكن أن يبدأ، كما كنا نفضل دائما، بالاتفاق على انسحاب جزئي من سيناء، وإعادة فتح قناة السويس، كمرحلة أولى على طريق التسوية النهائية.." وتلك هي السياسة التي اتبعتها أمريكا، بعد حرب رمضان المجيدة، على يد وزيرها الدكتور كيسنجر، "صديق العرب الصادق" وعلى المواطن العربي أن يتأمل!!

        ولقد أوجزت معالم الموقف الأمريكي على هذه الصورة، أكثر مما فعلت بالنسبة إلى مواقف الدول الأخرى، لأني أردت أولا أن يعرف المواطن العربي حقائق السياسة الأمريكية بالنسبة لإسرائيل والشرق الأوسط فلا ينخدع بما يعلنه الحكم العربي المعاصر، في هذه الأيام، من أن الولايات المتحدة قد تغيرت سياستها تغيرا جذريا وجوهريا، لصالح القضية العربية.

        وأردت ثانيا أن يعرف المواطن العربي أن سياسة الخطوة خطوة التي أعلنتها أمريكا في يونيو 1973، هي السياسة إياها، بالألفاظ إياها، التي اتبعها الدكتور كيسنجر بعد حرب أكتوبر المجيدة.. فالسياسة الأمريكية بالنسبة لإسرائيل ثابتة لا تتغير، والوزراء الأمريكيون مسيحيون "أو يهود صهيونيون أم محايدون، يعملون على تنفيذها إلى النهاية".

        وأردت، ثالثا، أن تتأكد الحقيقة الدولية الثابتة أن سياسة هذه الدولة أو تلك، وبصورة خاصة سياسة الولايات المتحدة لا يمكن أن تتبدل كليا أو جزئيا، هامشيا أو مرحليا، إلا عن طريق "المصالح الأساسية" بقدر ما تستطيع أن تفرض من هيبة واحترام، وقوة رادعة... وهذا لم يدركه الحكم العربي المعاصر، منذ ربع القرن الماضي إلى يومنا هذا، أما جهلا أو خوفا، أو عجزا، أو كل أولئك جميعا..

        والموقف العربي بالنسبة للاتحاد السوفييتي يشبه الموقف الأمريكي في جوهره، وإن لم يكن في درجته وشدته، إنه مؤيد للدول العربية من غير شك، ولكن في إطار الحفاظ على إسرائيل دولة نامية ذات حدود آمنة، وكذلك تسوية الصراع العربي الإسرائيلي أن تتم بالطرق السلمية لا بأي طريق آخر.

        وقد حدث أن المندوب السعودي قد ناشد أكثر من مرة الدولتين العظميين أمريكا وروسيا أن يبذلا جهدهما لحمل إسرائيل على تنفيذ قرار مجلس الأمن، وطلب إليهما الضغط على إسرائيل للرضوخ لمشيئة مجلس الأمن، فأجابه السفير الروسي مالك، وكان رئيسا للمجلس، قائلا "لا توجه حديثك إلى الدولتين العظميين بل إلى المجلس بكامله إن الدولتين العظميين لا تستطيعان تنفيذ قرار مجلس الأمن بالإجبار.. وأرجو أن يظل هذا في فكرك.."!! وهذا الكلام ينطوي على استخفاف بالعقل فضلا عن أنه يخالف الواقع الدولي.

        وهكذا بقيت قضية الشرق الأوسط، كما أصبح اسمها الشائع لطمس الاسم الحقيقي وهو قضية فلسطين، تتداولها الخطب والمناقشات في مجلس الأمن في الجلسات العشر التي عقدها للنظر في القضية.. وبدا واضحا أن، المجلس لم يستطع الوصول إلى مبادئ عامة تكون أساسا لقرار جديد يصدر عن المجلس.. واقترح مندوبو بريطانيا وفرنسا والنمسا تأجيل الجلسات لمدة يسيرة للتشاور، وللبحث عن مخرج من أزمة المجلس قبل أزمة الشرق الأوسط.

        وانعقد المجلس بعد خمسة أسابيع (20 يوليو) وعادت الخطب والمناقشات من جديد، وبعد خمسة أيام من التفسير والتبرير لعبارات القرار 242 وكلماته، تقدم مندوبو الدول غير المنحازة بمشروع قرار ناعم هادئ، تداولته الأيدي والأقلام وراء الكواليس، فأصبح شفافا لا يصلح لشيء، إلا لإنقاذ ماء الوجه، وجه المجلس ووجه الدول العربية.

        وقد نص مشروع القرار الذي تبنته سبع دول من أعضاء المجلس غير الدائمين، على "الأسف لعدم نجاح مهمة يارنج، واستنكار استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأرض العربية، وعدم تعاون إسرائيل مع السفير يارنج، ويؤيد مبادرات السفير يارنج، ويدعو إلى الامتناع عن إجراء تغييرات في الأراضي العربية المحتلة، ويطلب إلى الأمين العام والسفير يارنج الاستمرار في القيام بمسؤولياتهما، ويطلب إلى الفرقاء أن يتعاونوا معهما".(1)

        وفي اليوم التالي (26 يوليو) طرح مشروع القرار للتصويت، فصوت لصالحه ثلاثة عشر، بينهم فرنسا وبريطانيا وروسيا، وامتنعت الصين عن التصويت، وصوت ضده مندوب الولايات المتحدة.. وهكذا سقط مشروع القرار الهادئ الناعم، بالفيتو الأمريكي.

        وأوضح مندوب الصين أنه لم يشترك في التصويت لأن المشروع لا يستجيب للمطالب العربية، أما المندوب الأمريكي فقد خاض في خطاب طويل يشرح الأسباب التي حملته على استخدام حق الفيتو ضد مشروع القرار ولا بد للمواطن العربي أن يعرف ولو بصورة موجزة تلك الأسباب كما جاءت على لسان صاحبها.

        قال المندوب الأمريكي في إيضاحه أن مشروع القرار منحاز بصورة كبيرة، وهو غير متوازن، وإقراره يشكل عقبة إضافية تحول دون الشروع في المفاوضات بين الفريقين، وأن من شأنه أن يقلب القرار 242 رأسا على عقب.. ولأن "أل" التعريف مقرونة بكلمة "الانسحاب من أراضي" وقد طلبت شطب "أل "التعريف وتعديلات أخرى، ولكن أصحاب المشروع رفضوا ذلك.. وفوق ذلك فقد صوتنا ضد مشروع القرار لأنه يعزل الانسحاب عن السلام الذي يتعين على الفرقاء الوصول إليه بالمفاوضات فيما بينهم.. وكذلك فإنه يزيل "الغموض البناء" في القرار 242، ذلك الغموض الذي يجب على الفرقاء بأنفسهم أن يفسروه.. ويجب أن يكون معلوما أن سياسة الخطوة خطوة هي التي تقود إلى السلام، فإن محاولة القفز فوق الهوة بوثبة واحدة تؤدي إلى السقوط في الهوة.. وأن الفيتو الذي استخدمناه قد أزاح عن مجلس الأمن مشروعات قرارات فارغة بشأن الماضي.. وما إلى ذلك من الحجج التي تؤلف في مجموعها تفاهة عظمى صادرة عن دولة عظمى..

        ولكن قمة التفاهة جاءت على لسان المندوب الإسرائيلي، الذي أصبح له مقعد مع الأسرة الدولية في غفلة الزمان وغفلة العرب.. فقد قال بعد أن سقط مشروع القرار، وهو في غاية الخيلاء: "لم يكن هناك أبدا شرق أوسط من غير الشعب اليهودي.. إن وجود دولة إسرائيل هو تحقيق للمبادئ الأساسية في القانون وحق تقرير المصير والمساواة بين الشعوب.. وقد آن الأوان أن تدرك مصر هذه الحقيقة، وأن لا تتحدث بمهانة عن استعادة الشعب اليهودي حقه في السيادة والاستقلال.. إن قرار 242 باق بكل أحكامه، وإن الحدود الآمنة المعترف بها يجب أن توضع باتفاق الفرقاء.. وإلى ذلك الوقت فإن وجود إسرائيل سيستمر عند خطوط وقف إطلاق النار.. وهذا ما أقره مجلس الأمن اليوم حينما أسقط مشروع القرار المقدم من الدول الثمانية.. وإسرائيل لا تبالي بالكثرة الأوتوماتيكية العددية التي تستخدمها الدول العربية.. فنحن نعتمد على حقنا وعلى إيمان الشعب اليهودي وتصميمه"!!

        وانتهت الجلسة، وقاعات المجلس تضج من هذا التعالي الساقط، الذي ردده المندوب الإسرائيلي في وجه الحكم العربي المعاصر.. وبقيت إسرائيل عند خطوط وقف إطلاق النار، كما قال المندوب الإسرائيلي، ولكن لمدة ثلاثة أشهر حينما أقبلت حرب أكتوبر المجيدة فتزحزحت إسرائيل بعض الشيء عن خطوط إطلاق النار.. وأطل القرار المشين رقم 242 مرة أخرى على الساحة العربية بكل أوزاره وأوضاره.

        ومع هذا القرار المشين، أطل قرار آخر رقم 338 سنتحدث عنه في حينه، وسنرى كيف أنه عاد بالقضية العربية إلى الوراء..

        هذا هو مجلس الأمن الذي يريد الحكم العربي المعاصر، أن يقودنا إليه، إذا فشل مؤتمر جنيف، ليضيف هزيمة لاحقة إلى الهزائم السابقة..

        ويا ويلنا، من أولي الأمر فينا....

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أين ذهبنا بالنصر المجيد؟..

 

        في يونيو من عام 1967 ألقى علينا مجلس الأمن دروسا في السياسة الدولية، فلم نحفظها، شأن الطالب الفاشل الخائب، يستمع إلى الدروس فلا يعي ولا يستوعب، وكذلك كان شأن الحكم العربي، تلقى هزيمة عسكرية في الميدان، ثم تلقى هزيمة سياسية في الساحة الدولية، يوم أصدر مجلس الأمن قرارين شهيرين خطيرين الأول ينص على وقف إطلاق النار من غير عودة إلى خطوط ما قبل العدوان.. والثاني قرار بتسوية أزمة الشرق الأوسط تعاقبت عليه ستة أعوام فلم ينفذ منه قليل أو كثير، وبقيت الأرض العربية رازحة تحت الاحتلال الإسرائيلي، وبقي الشعب الفلسطيني شريدا طريدا عن وطنه، وانضاف إليه ألوف اللاجئين المصريين والسوريين هاجروا إلى المحافظات السورية والمصرية..

        وبعد صدور هذين القرارين انطلق الحكم العربي المعاصر يعلن للجماهير العربية عن طريق أجهزته الرسمية أن مجلس الأمن قد قرر "الجلاء الكامل عن الأرض العربية من غير شروط ولا قيود، واستعادة الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني" مع أن القرار 242 لا ينص على أحد من هذين الأمرين، فلا انسحاب إسرائيلي كامل، ولا استعادة للحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني.. وإذا كان الأمر الأول فيه بعض المبالغة فإن الأمر الثاني فيه مبالغة كاملة.. فليس في القرار حقوق مشروعة أو غير مشروعة.. وتعبير "مشروعة" الذي نحته الحكم العربي يثير الهزء والسخرية، فالحقوق مشروعة بذاتها، ولا يوجد شيء اسمه حقوق غير مشروعة.. فضلا عن أن هذه العبارة غير واردة إطلاقا في قرار مجلس الأمن.. وكل ما ورد في القرار إشارة هزيلة تتحدث عن "تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين" وهذه الصياغة الماكرة تنطوي عن تجاهل "حق العودة" الذي كفلته قرارات الأمم المتحدة منذ عام 1948 إلى يومنا هذا .

        ولم يكتف الإعلام العربي الرسمي بأنه أضاف إلى قرار مجلس الأمن عبارات ليست فيه، بل راح ينشر في كل مناسبة أن إسرائيل قد رفضت قرار مجلس الأمن، لتوحي إلى الجماهير العربية أن القرار نصر كبير للأمة العربية، وإلا ما كانت إسرائيل ترفضه..

        ولم يستطع المواطن العربي، إلا الباحث الدارس، أن يتعرف على الحقيقة، فأجهزة الإعلام الرسمية تعطيه الأخبار منقوصة، وتقدم إليه مقتبسات مبتورة عن التصريحات الرسمية، وإلى جانب ذلك حملة إعلامية ضخمة في تمجيد قرار مجلس الأمن، حتى أصبح تنفيذه مطلبا قوميا رفيعا، تماما كمطالبنا الوطنية السابقة في "الاستقلال التام أو الموت الزؤام" وهي شعارات جيلنا العربي في عهود الانتداب أو الاحتلال.

        وفوق ذلك فإن الحكم العربي قد أشغل الأمة العربية بالأمم المتحدة ودوراتها عبر ست سنوات فلقد أتخمته أجهزة الإعلام، والصحافة والإذاعة والتلفزيون بالخطب التي تلقى على منبر الأمم المتحدة عن الاحتلال الإسرائيلي على الأرض العربية، وعصيان إسرائيل لمشيئة الأسرة الدولية، وانتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان، ومخالفاتها لاتفاقية جنيف، حتى ظن المواطن العربي، أن انسحاب إسرائيل قد أصبح قاب قوسين أو أدنى، وأن عودة اللاجئين الفلسطينيين والسوريين والمصريين إلى ديارهم قد باتت أقرب من حبل الوريد.. وذهبت قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة أدراج الرياح، وما عفت عنه الرياح أُلقي في سلة المهملات.

        من ذلك أن مجلس الأمن.. حين كان العدوان الإسرائيلي ما يزال ساخنا، أصدر قرارا في 14 يونيو 1967 (رقم 237) دعا فيه حكومة إسرائيل إلى كفالة "الرعاية والسلامة لسكان المناطق التي كانت مسرحا للعمليات العسكرية، وتسهيل عودة من فروا منها منذ نشوب المعارك" ولم تبال إسرائيل بالقرار فقد ازدادت بربريتها ووحشيتها في التعامل مع السكان المدنيين، ولم تسمح لأحد بالعودة إلى مدينته أو قريته أو خيمته.

        ومن ذلك أن مجلس الأمن، وفي سبتمبر من العام التالي، أصدر قرارا (رقم 259) طلب فيه من السكرتير العام "أن يوفد ممثلا خاصا على وجه السرعة إلى الأراضي العربية المحتلة ليقدم تقريرا عن تنفيذ قرار العام الماضي".. ولكن إسرائيل امتنعت عن تسهيل مهمة الممثل الخاص، بحجة أنه يتوجب عليه أن ينظر في أمر الأقليات اليهودية في الوطن العربي.. مع أن هذا الموضوع خارج نطاق قرار مجلس الأمن، ولم يكلف الممثل الخاص أي مهمة بهذا الصدد.. مماحكة إسرائيل واضحة!!

        وتدخلت الجمعية العامة، وهي تحسب أنها ستكون أكثر هيبة من مجلس الأمن، فأصدرت على مدى دورتين متعاقبتين قرارين (رقم 2443/68-2546/69) بإنشاء "لجنة خاصة من ثلاثة أعضاء في المنظمة الدولية لتقصي الحقائق بشأن أحوال المناطق المحتلة وأهلها، مع مطالبة إسرائيل بالامتناع عن ممارسة إجراءات وسياسات القمع تجاه السكان المدنيين" وامتنعت إسرائيل عن التعاون مع اللجنة.

        وتابعت الجمعية العامة مناقشة الموضوع في دوراتها الثلاث التالية، الخامسة والعشرين والسادسة والعشرين، والسابعة والعشرين، فأصدرت قراراتها (رقم 2727/25-285/26-3005/27) وكلها تؤكد على إسرائيل الالتزام بحقوق الإنسان ومبادئ الميثاق، ولكن لا سماع لمن تنادي.

        ولجنة حقوق الإنسان، وهي هيئة ذات وزن دولي رفيع، قامت بأبحاث مستفيضة في الشؤون المتصلة بحقوق الإنسان في الأراضي العربية المحتلة منذ بداية عام 1968 واتخذت في هذا المجال ستة قرارات، لم تبال بها إسرائيل، وضربتها عرض الحائط، فأصبحت تغطيه بكامله قرارا بعد قرار، حتى أصبح حائطا من القرارات.

        ولم يكتف الحكم العربي المعاصر بالدروس الفنية التي تلقتها على يدي الجمعية العامة ومجلس الأمن في القضايا السالفة الذكر، فقد جاءت قضية القدس لتعطي الحكم العربي درسا بليغا لو كان يحسن استيعاب الدروس.. فقد عرفت قضية القدس مرتين في دورة واحدة في صيف العدوان في 4 يوليو و 14 يوليو من عام 1967، فقد أعلنت الجمعية العامة أن ما اتخذته إسرائيل من إعلان سيادتها على القدس وتوحيدها تحت الإدارة الإسرائيلية إنما هو عمل باطل ودعت إسرائيل إلى إلغاء جميع التدابير التي اتخذتها في هذا الصدد.. ولكن إسرائيل أعلنت في قاعة الجمعية العامة أن موضوع القدس خارج عن اختصاص الأمم المتحدة.. وأن المدينة المقدسة بشطريها قد أصبحت عاصمة إسرائيل..

        وأطلت القدس الحزينة على مجلس الأمن في شهر إبريل 1968 لمناسبة العرض العسكري الذي كانت تعتزم إسرائيل إقامته في اليوم الثاني من مايو، فأصدر المجلس قراره الشهير (250/1968) دعا فيه إسرائيل "إلى الامتناع عن إقامة العرض العسكري" غير أن إسرائيل أقامت العرض العسكري في الموعد المقرر، وحسب البرنامج بكامله، مستهينة بإجماع مجلس الأمن وعلى رأسه الدول العظمى بأسرها ,وارتضى مجلس الأمن بالمهانة حين أصدر قرارا آخر (251/1968) أعرب فيه عن أسفه العميق لإقامة إسرائيل العرض العسكري في القدس في 2 مايو عام 1968 فكانت صفعة إسرائيلية لمجلس الأمن، على خده الأيمن.

        وفي نفس الشهر أدار مجلس الأمن خده الأيسر لصفعة إسرائيلية ثانية، فقد أصدر مجلس الأمن قرارا (252/1968) يعلن "بطلان جميع ما اتخذته إسرائيل من تدابير وإجراءات تشريعية وإدارية، بما فيها نزع ملكية الأراضي وما عليها من ممتلكات، وجميع ما من شأنه تغيير الوضع القانوني للقدس.. وأن على إسرائيل أن تلغي على وجه السرعة جميع تلك التدابير وأن تتوقف فورا عن اتخاذ أية إجراءات جديدة من شأنها تغيير وضع القدس" ولم تستجب إسرائيل لقرار مجلس الأمن، ومضت في تغيير معالم المدينة المقدسة، وتضع كل يوم أمرا واقعا.. والبحر الميت قريب لمن يريد أن يشرب من مائه الأجاج..

        وفي ختام شهر يونيو المشؤوم من عام 1969، اجتمع مجلس الأمن لمناقشة قضية القدس مرة أخرى، فأصدر قرارا (267/1969) أطول ديباجة من القرارات السابقة، وأقسى تعبيرا وتحذيرا دعا فيه "إسرائيل من جديد إلى أن تلغي فورا جميع ما اتخذته من تدابير، وطالبها إبلاغ المجلس دون إبطاء بنواياها فيما يتعلق بتنفيذ القرار" فاستجابت إسرائيل لهذا القرار وأعلمت مجلس الأمن عن نواياها "في أنه لا مجال للتذكير في تجزئة القدس مرة أخرى وأن الضغط من أجل تجزئة المدينة لا يخدم أية مصلحة دولية" وبقيت إسرائيل ترسم وتحكم في القدس.. وعلى مجلس الأمن أن يذعن "لنوايا" إسرائيل.

        وفي صيف 1969 شب الحريق الشهير في المسجد الأقصى وأحدث أضرارا جسيمة، واشتعلت مشاعر العالم الإسلامي، ولم يكن ملوك العرب والمسلمين وأمرائهم على مستوى هذا الحدث الرهيب، فتساقط جهدهم على عتبات مجلس الأمن، فأصدر قرارا (رقم 271/1969) أكثر طولا وعرضا من القرارات السابقة أعلن فيه "أن أي عمل من أعمال التخريب أو تدنيس الأماكن المقدسة، أو تشجيع هذه الأعمال أو التغاضي عنها قد يعرض السلام والأمن الدوليين للخطر الشديد.. وأن تدنيس المسجد الأقصى المبارك وانتهاك حرمته هو عمل مروع وأنه يتعين على إسرائيل الامتناع عن انتهاك قرارات الأمم المتحدة، على وجه السرعة، وإلغاء جميع ما اتخذته من تدابير وإجراءات بقصد تغيير وضع القدس، مع الالتزام باتفاقيات جنيف والقانون الدولي المنظم للاحتلال العسكري، والامتناع عن إعاقة المجلس الإسلامي الأعلى بالقدس عن مباشرة مهامه المقررة بما فيها ما يرده من تعاون من أية بلاد غالبية سكانها من المسلمين، ومن الجاليات الإسلامية، بصدد مشاريعه لصيانة وترميم الأماكن المقدسة في القدس.." وبقيت هذه العبارات المعسولة ومعها "إدانة إسرائيل لعدم امتثالها لقرارات مجلس الأمن" من غير جدوى، وأبلغت إسرائيل مجلس الأمن أن قراره قد اتخذ بناء على محاولة الدول العربية استغلال حريق المسجد الأقصى لأغراض دعائية وإثارة العواطف الدينية في العالم الإسلامي "وهكذا  جعلت إسرائيل من قرار مجلس الأمن، حبرا على ورق، وأصبح فيما بعد هشيما تذروه الرياح، فلم يعد حبرا ولا ورق".

        وفي عام 1971 وضعت إسرائيل خطة كبرى لإنشاء وحدات سكنية في منطقة تقع داخل أسوار المدينة القديمة وخارجها، كما تمادت إسرائيل في إجراءاتها تغيير أوضاع القدس السكانية بالإضافة إلى تبديل معالمها التاريخية والدينية، فانعقد مجلس الأمن، مرة أخرى، وأصدر قرارا (298/1971) أكد فيه قراراته السابقة، وأعلن بصورة قاطعة "بطلان جميع ما اتخذته إسرائيل من إجراءات تشريعية وإدارية لتغيير وضع مدينة القدس بما في ذلك نزع ملكية الأراضي والممتلكات، ونقل السكان والتشريعات المستهدفة بضم القسم المحتل منها، ودعوة إسرائيل بإلحاح لأن تلغي جميع التدابير والإجراءات المذكورة، والامتناع عن الإقدام على خطوات أخرى في القسم المحتل من القدس قد يكون من شأنها تغيير وضع المدينة، وطلب إلى السكرتير العام أن يقدم تقريرا عن تنفيذ القرار خلال ستين يوما".

        وانقضت الأيام المضروبة، وإسرائيل تضرب بالقرار عرض الحائط، حائط المبكى فكم دست في شقوقه أوراق وأوراق...

        وجاءت الذكرى الخامسة والعشرون لقيام إسرائيل مايو 1973 وبدأ الجيش الإسرائيلي يستعد لإقامة عرض عسكري فخيم في بيت المقدس، في اليوم السابع من شهر مايو، وأن العرض العسكري والمهرجانات الأخرى ستشمل المدينة القديمة، فوجه رئيس مجلس الأمن بعد التشاور مع جميع الأعضاء تنبيها إلى مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة يؤكد فيه ما قرره مجلس الأمن بهذا الشأن في قراريه السابقين: 250-251/1968 ولكن إسرائيل رفضت أن تذعن لمجلس الأمن، وأقامت العرض العسكري، وفق برنامجه المحدد، وقضى بيت المقدس أياما حزينة لم يشهد مثلها منذ أن بناها اليبوسيون أجدادنا القدامى قبل ستة آلاف عام..

        أما بصدد مشكلة اللاجئين فلم تفتر الجمعية العامة عن توكيد حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم في دوراتها التي عقدتها في الأعوام 1969، 1970، 1971، 1972، وأصدرت بشأنها أربعة قرارات، 2535-2672-2792-2963 هذا بالاضافة إلى عشرين قراراً متعاقباً أصدرتها الجمعية العامة ما بين 1948- 1968 ويؤكد الواحد بعد الآخر الحق الثابت للاجئين بالعودة إلى ديارهم، فلم تذعن إسرائيل للقرارات السابقة ولا اللاحقة، وراحت تحتمي وراء حجة واهية، وهي أن حق السيادة يخولها أن تعارض في عودة اللاجئين حرصا على أمنها وسلامتها، مع أن حق الشعب الفلسطيني في وطنه، قد سبق بآلاف السنين، "حق" إسرائيل وجودا وسيادة وأمنا وسلامة.

        وكذلك الحال بشأن النازحين وهم خرجوا من بلادهم بعد حرب الأيام الستة، من أهل الضفة الغربية، وغزة، وسيناء، والجولان.. فقد أصدر مجلس الأمن والجمعية العامة عدة قرارات تدعو إسرائيل للسماح لهم بالعودة إلى مدنهم وقراهم، فكان حظ النازحين الأواخر، كحظ "اللاجئين" الأوائل تشريدا بعد تشريد، من غير مبالاة بالقرارات التي صدرت بشأنهم وهي: 2252-2452-2672-2792-2693 وقد أوردت هذه الأرقام وغيرها حتى لا يظن أحد أننا نتحدث حديثا إنشائيا وأننا نلقي الكلام على عواهنه من غير مصدر ولا سند.

        وبصدد المشكلة الأساسية، وهي التي أصبحت تعرف بأزمة الشرق الأوسط، فقد أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دوراتها الخامسة والعشرين والسادسة والعشرين والسابعة والعشرين، ثلاثة قرارات وهي 2628-2799-2949- تدعو إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، وإسرائيل تعمق جذور الاحتلال الإسرائيلي في سيناء والجولان والضفة الغربية وقطاع غزة، وتقيم خطوط "الدفاع" لتقول للعالم أنها مستعدة للقتال للبقاء في الأرض العربية.

        ولو سلمنا جدلا أن إقامة خطوط "الدفاع" جائز في حالة الحرب بين الفريقين المتحاربين، فأي مبرر يبيح لإسرائيل أن تقيم المستوطنات في الأرض العربية وأن يستوطنها "المهاجرون" اليهود الوافدون على البلاد من كافة أقطار الأرض.

        وإنها لواقعة أكيدة، لا تنكرها إسرائيل، فإن الصحف والإذاعة الإسرائيلية تذيع أخبارها وتفاصيلها وهي أنه حتى نهاية عام 1972 أقامت إسرائيل ما يزيد على خمسين مستعمرة في الضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان، وأسماء بعضها: محولا-ارجمان-هابوكى-معليا افرايم-كريات عربة-دوش تسوديم-شافوت الون-جليكال-سوعة-دفران جتيت-رامات-بانياس-جشر-رامات شالوم-جفعات يوعامى-نحال جولان-نحال العال- نحال اوز- نحال يام- نحال سينا- نحال ناستوريم- نحال موراك- وغيرها وغيرها.

        وفيما يتعلق في مدينة القدس فإن المؤامرة رهيبة وخطيرة.. لقد أصدرت إسرائيل قانونا "توسع" بمقتضاه حدود القدس، فضموا إليها المنطقة الممتدة من بيت لحم إلى رام الله بما فيها من قرى، حتى أصبحت تؤلف ثلث مساحة الضفة الغربية.. ونحن لا حرج عندنا أن نضم الضفة الغربية كلها إلى بيت المقدس، ولكن إسرائيل قد قامت بهذه "التوسعة" وفي حسابها بل وفي تصميمها، أن بيت المقدس غير خاضعة للبحث والمفاوضة وأن الانسحاب لا يشملها، فهذه كلها عاصمة إسرائيل الخالدة..

 

        ذلك ما فعلته إسرائيل بشأن بيت المقدس، أما بشأن الضفة الغربية فالمأساة مروعة حقا، ذلك أن الجرافات الإسرائيلية قد اقتحمت عشرات من القرى العربية فجعلت عاليها في جوف الأرض، وسافلها فوق الأرض، وأقامت مقامها قرى يهودية أعطتها أسماء يهودية قديمة.. تتناقلها وكالات الأنباء وعنها تتناقلها أجهزتنا الإعلامية.. ومعالمنا في الأندلس باقية بأسمائها.. ويا شقاء الأمة العربية بالحكم العربي المعاصر.

        تلك حصيلة الدروس البليغة التي رماها في وجهنا مجلس الأمن والجمعية العامة عبر ستة أعوام من عام 1967 حتى عام 1973: احتلال بغيض، وفشل ذريع في مهمة يارنج، ولاجئون ونازحون بألوف الألوف، ومستوطنات تبنى في وطننا، وقدسنا فريسة الأسر والهوان، وشعبنا يرزح تحت الاحتلال والعسف والجور.. وقرارات تقارب الثلاثين من الأمم المتحدة ومؤسساتها تطالب إسرائيل بالجلاء والكف عن العدوان.

        ورغما عن هذا الحشد الوافر من الدروس الدولية، تهرول الوفود العربية إلى مجلس الأمن في شهر يونيو من عام 1973 تطالب بإصدار قرار جديد.. يؤيد شكواها، ويرفع بلواها، ويزيح عدوها من أكتافها، ويسلمها أرضها تسليم اليد، كما يفعل قاضي التنفيذ برفع يد الغاصب عن العقار ويسلمه لصاحبه، ويا سخرية الفهم والعقل، ويا ضيعة العزة والكرامة.

        ولقد كانت الدول العربية، ومعها الوفود العربية تعلم علم اليقين موقف مجلس الأمن بأعضائه الدائمين وغير الدائمين، بصدد موضوع الشرق الأوسط.. لم يكن هذا الموقف سرا من الأسرار نحتاج أن نتبينه.. وكذلك فقد كان معروفا قبل أن ينعقد مجلس الأمن ماهية القرار الذي يمكن أن يصدره.. ومع هذا فقد هرولنا إلى مجلس الأمن، تضاف إلى الإهانات السابقة.. ولنبدأ بسرد المواقف، واحدا بعد واحد..

        والموقف الأمريكي كان واضحا كل الوضوح منذ أن بدأت حرب الأيام الستة، واستمر هذا الموقف يزداد وضوحا ورسوخا.. ففي العاشر من سبتمبر 1968، بعد خمسة عشر شهرا من صدور القرار 242 قال الرئيس جونسون بصدد الحدود الآمنة بين إسرائيل والدول العربية "لسنا نحن الذين نقول أين تضع شعوب أخرى فيما بينها الحدود التي تكفل الأمن.. غير أنه من الواضح أن العودة إلى حدود الخامس من يونيو 1967 لا تحقق السلام.. الحدود الآمنة يجب أن تكون معترفا بها ومتفقا عليها.. ويجب أن يتم الاتفاق عليها بين الجيران المعنيين".  وفي اليوم الأول من يوليو من عام 1970 قال الرئيس نيكسون، "أن على إسرائيل أن تنسحب إلى حدود.. إلى حدود يمكن الدفاع عنها".. وفي 12 يوليو من نفس العام قال سيسكو مساعد وزير الخارجية الأمريكي: "إن موضوع الحدود النهائية هو موضوع مفاوضات بين الفرقاء، وقرار مجلس الأمن لم يقل "الانسحاب إلى حدود الخامس من يونيو".. وفي 7 مايو من عام 1973 عاد سيسكو إلى نفس الموضوع وقال: "إن قرار مجلس الأمن قرر مبادئ، ولم يحدد حدودا.. والقرار لم يطالب إسرائيل بالانسحاب غير المشروط".. وفي 8 مارس 1973 قال المندوب الأمريكي الصهيوني السابق -جولدبرج- في خطاب له في واشنطن "إن قرار مجلس الأمن 242 قد ربط انسحاب إسرائيل من أراض احتلت في النزاع الأخير" ربطه بموضوع الحدود الآمنة المعترف بها".. إن في القرار محذوفات هامة لم تكن مصادفة فيما يتعلق بالانسحاب وهي تعابير "أل" و "جميع" و "خطوط الخامس من حزيران" فهذه لم تكن موجودة إلى جانب كلمة "أراضي" وعلى ذلك فقد كان الموقف الأمريكي معروفا بل مفضوحا لكل ذي عينين، وكل أذنين، إذا كان يبصر ويسمع.

        والموقف البريطاني، لم يكن خافيا كذلك، وبريطانيا هي صائغة القرار 242 بالتواءاته ومتعرجاته ومطباته، فالمصادر البريطانية المسؤولة بقيت مصرة على تفسيراتها وتخريجاتها المألوفة.. ففي 17 مارس 1968 قال الوزير البريطاني روبرتس، جوابا على سؤال في البرلمان: "إن قرار مجلس الأمن 242 نص على انسحاب من أراض, ونص على حدود آمنة معترف بها.. وهذه الحدود يجب تحديدها في إطار تسوية عامة".. وفي 17 نوفمبر 1969 وجه أحد أعضاء البرلمان البريطاني سؤالا يقول: "هل نص قرار مجلس الأمن على انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي التي احتلتها في الحرب الأخيرة"، فأجابه الوزير البريطاني المستر ستيوارت: "لا يا سيدي.. ليست هذه هي العبارة التي استعملت في قرار مجلس الأمن، إن القرار يتكلم عن حدود آمنة معترف بها.. ويجب أن تقرأ هذه الكلمات مع ربطها بالكلمات المتعلقة بالانسحاب.. وفي التاسع من ديسمبر من العام نفسه قال الوزير البريطاني نفسه: "عن حذف كلمة "أل" التعريف قبل كلمة "أراض" هو أمر مقصود ومتعمد".. وفي يناير من عام 1970 قالت بريطانيا كلاما أوضح و أفصح.. فقد أعلن المستر جورج براون الذي كان وزير خارجية بريطانيا في يونيو 1967 حين تولى الوفد البريطاني تقديم القرار إياه إلى مجلس الأمن: "لقد طلب إلى أن أوضح أو أعدل أو أضيف إلى صياغة مشروع القرار.. ولكن لم أفعل ذلك.. لقد قمت بصياغة مشروع القرار..

وقبل تقديمه أطلعت المسؤولين العرب على نصوصه.. وقد قال مشروع القرار بأن "على إسرائيل أن تنسحب من أراض احتلت، ولم يقل من "الأراضي".. ومعنى ذلك أنه ليس على إسرائيل أن تنسحب من جميع "الأراضي".. وأوضح من هذا وذاك وذلك ما قاله المستر ويلسون رئيس الحكومة البريطانية في 27 ديسمبر 1972، فقد أعلن "أن التفسير الإسرائيلي للقرار متفق تماما مع ما قصدت إليه الحكومة البريطانية.. ولو أن الحكومة البريطانية قد قصدت الانسحاب من جميع الأراضي لقلنا جميع الأراضي.. وعلى أية حال فنحن لم نكن نريد أن نقول ذلك، ولو قلنا ذلك لما صدر قرار مجلس الأمن".. وانبرى صاحب القلم الذي كتب مشروع القرار، وهو اللورد كارادون، وهو نفسه الذي كان اسمه المستر فوت، الحاكم البريطاني لمنطقة نابلس في فلسطين، انبرى يدافع عن القرار الذي صنعه فقال في 10 فبراير 1973: "الانسحاب يجب أن يكون إلى حدود آمنة معترف بها، وقد اخترنا هذه الألفاظ بعناية فائقة.. ولكي تكون الحدود آمنة يجب أن تكون معترفا بها.. ومن أجل ذلك يجب الوصول إلى اتفاق بين الطرفين.. ولو أننا حاولنا أن نضع خارطة للحدود فإن ذلك يكون خطأ.. ونحن لم نفعل ذلك.. وأنا مستعد للدفاع بصورة قاطعة عما فعلناه.. إنه ليس من شأننا أن نبين بصورة دقيقة أين يجب أن تكون الحدود.. أنا أعرف حدود 1967 معرفة جيدة.. إنها حدود غير مرضية" إلى غير ذلك من التصريحات الرسمية البريطانية التي تجعل من القرار 242 تدشينا رسميا لوعد بلفور القديم الذي أصدرته بريطانيا في نوفمبر 1917.. والمهم في هذا التدشين أن يكون على أيدي الأمة العربية بكل احتفالاته ومراسيمه.. وهذا ما تريده إسرائيل وأنصار إسرائيل..

        والموقف الروسي لا يقل وضوحا عن الموقفين الأمريكي والبريطاني.. فإنه يتميز بطابع السياسة الروسية وأهدافها القريبة والبعيدة، وهو الحفاظ على وجود إسرائيل عند أية حدود تصل إليها.. ففي 4 مارس 1949 أعلن المندوب الروسي في مجلس الأمن: "أن الجمعية العامة قد بينت حدود إسرائيل بقرارها، وقد ألحق بهذا القرار خريطة، والذين يهمهم أن يعرفوا إقليم إسرائيل يمكنهم أن يرجعوا إلى قرار الجمعية العامة الصادر في 29 نوفمبر 1947 والخريطة المرفقة التي تبين الحدود بوضوح (1)" وفي عام 1967 كان منطق الوفد الروسي ينطلق من خطوط 1967 وبين الخطوط السابقة واللاحقة ما يربو على ربع مساحة فلسطين.

        هذه المواقف الدولية كلها: الأمريكية والبريطانية والروسية، كانت معروفة كلها بتفاصيلها وكان الحكم العربي المعاصر يعرفها "ويخزن" معظم وقائعها في ملفاته ويحجبها عن الجماهير العربية.. والأكثر من ذلك كله أنه كان على يقين كامل بالموقف الإسرائيلي وتطوراته يوما بعد يوم.. وكان المواطن العربي، إلا من كان يقرأ الصحافة الأجنبية، لا يعرف عن حقائق السياسة الإسرائيلية إلا المقتبسات المبتورة المصهورة.

        والواقع أن إسرائيل لم تكن تختبئ وراء المواقف الغامضة التي تحتمل التأويل والتفسير.. فقد كانت تخاطب العالم من أعلى المنابر، وفي أعلى الأصوات، وفي غاية الوضوح والصراحة، غير عابئة بالمنظمة الدولية.. ففي 12 مارس 1972 أدلت جولدا ماير، رئيسة مجلس الوزراء الإسرائيلي إلى جريدة لندن تايمز قالت فيه "إن إسرائيل يجب أن تضع يدها على شرم الشيخ المطل على البحر الأحمر وأن يكون له طريق إلى إيلات.. أما سيناء فينبغي أن تكون مجردة من السلاح، وأن تشرف عليها قوات دولية مشتركة.. وأن تعود غزة إلى مصر.. وحدود مينائنا على البحر الأحمر إيلات لا بد من إعادة النظر بشأنها عن طريق المفاوضات.. وإسرائيل لا تتنازل عن معظم مرتفعات الجولان.. أما القدس فهي جزء من إسرائيل ومصيرها أن تظل موحدة.. والحدود النهائية للضفة الغربية لا مناص من أن توحد بين العرب والإسرائيليين لا أن تفصل بينهم.. ومن الأهمية بمكان أن لا يكون نهر الأردن معبرا للقوات العربية في المستقبل".. وعادت جولدا ماير لتؤكد هذه المعاني في مجلة الشؤون الخارجية في عدد يوليو 1973 فقالت: "إن الحدود الآمنة التي ترغب فيها إسرائيل لا تنطوي على خسارة العرب شيئا من أرضهم ومصالحهم (!!) ذلك لأن صحراء سيناء لم تخدم في الماضي أي هدف لمصر إلا أن تكون منطلقا للاعتداء على إسرائيل.. وسيناء لا يعيش فيها مصريون بل قبائل بدوية.. وشرم الشيخ موقع مقفر غير مأهول، وكان المصريون يستعملونه لإغلاق خليج العقبة في وجه الملاحة الإسرائيلية.. وكذلك الجولان فقد اتخذت منه سوريا حصنا عسكريا لتهديد مستعمراتنا الزراعية.. والقدس ستظل موحدة وعاصمة لإسرائيل" وفي حديث سابق في 23 نوفمبر 1972 قالت جولدا ماير إلى الجريدة الإيطالية بوربا "إن إسرائيل لن تتخلى عن القدس، إن موضوع القدس خارج عن البحث، ولن نقبل مجرد البحث في موضوع القدس.. ونحن نوافق على إعطاء الأردن بعض الضفة الغربية.. أما بالنسبة للسوريين فيجب أن تكون حدودنا معهم حيث هي الآن.. ولا يمكننا أن نتنازل شبرا واحدا".. وبعد هذه التصريحات الحاسمة، انطلقت القيادات العسكرية الإسرائيلية تطلق قذائف من التصريحات تزيد الموقف الإسرائيلي عنادا وصلابة.. ففي 7 يوليو 1968 كان الجنرال ديان ومعه وفد من طلاب الكلية اليهودية الأمريكية في زيارة مرتفعات الجولان، فخاطبهم بخيلاء وغرور قائلا "خلال المائة سنة الماضية كان شعبنا يبني البلاد وينشئ وجوده القومي، بالتوسع، بإقامة مستعمرات إضافية لاستيعاب اليهود القادمين من أجل توسيع الحدود هنا، وليس لأي يهودي أن يقول أن هذه العملية قد انتهت، وليس له كذلك أن يقول أننا اقتربنا من نهاية الطريق.. إن أجدادنا وصلوا الحدود التي اعترف بها قرار التقسيم سنة 1947 وجيلنا وصل إلى حدود 1949 وجيل حرب حزيران 1967 وصل إلى الأردن والسويس ومرتفعات الجولان في قلب سوريا.. وبعد الخطوط الحاضرة ستكون لنا حدود جديدة، ستمتد بعد الأردن، ربما حتى لبنان، وربما في قلب سوريا" وفي الخامس من أبريل عام 1971 صرح الجنرال ديان لمراسل رويتر بقوله "إذا كان علينا أن نختار بين الحرب أو الانسحاب إلى خطوط الخامس من حزيران.. فنحن نفضل عدم الانسحاب.. ومن الأفضل أن تكون الحرب على الخطوط الحاضرة.." ثم جاء بعده الجنرال وايزمن قائد سلاح الجو الإسرائيلي فحلق في تصعيد الموقف الإسرائيلي فقال إلى "جويش تلغرافيك إيجنسي" في 9 نوفمبر 1971 "إذا كان علينا أن نختار سيناء أكثر وفانتوم أقل، أو فانتوم أكثر وسيناء أقل، فأنا أفضل الخيار الأول ,ولكن الصفعة الكبرى التي وجهها إلى مجلس الأمن، حين كان يبحث أزمة الشرق الأوسط في عام 1973، فقد كانت في الحديث الواضح الفاضح الذي أدلى به الجنرال ديان إلى مجلة "تايم مجازين" في عدد يوليو من نفس العام، حين قال: "إن أحدا لا يثق بالأمم المتحدة لأنه ليس لها سلطة تنفيذية.. أما بشأن فلسطين فهذه قد انتهت، لقد كان هنالك بلد اسمه فلسطين.. وهذا البلد جرى تقسيمه بين إسرائيل والأردن.. والبلد الذي اسمه فلسطين قد مُحي سنة 1948 وعلى إسرائيل أن تبقى في مرتفعات الجولان.. وشرم الشيخ ليس أساسيا لمصر.. وسيناء ينبغي تقسيمها بخط أو آخر.. والمهم على كل حال هو السلاح الذي حصلنا عليه من أمريكا.. ولأننا أقوياء فإنه يتوجب على الروس أن يتعاملوا معنا دون أن يتورطوا عسكريا".

        هذا هو الموقف الإسرائيلي برمته إلى جانب الموقف الدولي الذي شرحناه , كل شيء كان واضحا ومعروفا لدى الحكم العربي المعاصر، ومع هذا فقد تسابقت الوفود العربية إلى مجلس الأمن في شهر يونيو من عام 1973 لتعرض ما يسمى بأزمة الشرق الأوسط، وانتهت المناقشات كما رأينا إلى غير قرار، وكل الذي كسبناه من هذه المظاهرة السياسية الكبرى التي تولينا قيادتها في أروقة مجلس الأمن أننا سفحنا على عتباته الكثير من كرامتنا ، والكثير من عقلنا، والكثير من مبادئنا الأساسية في قضيتنا القومية، والأخير هو الأنكى..

        وثمة مأساة أخرى وقعنا فيها، تكشف عنها محاضر مجلس الأمن وتعود بذاكرتنا إلى أيام السير هنري ماكماهون ومراسلاته الشهيرة مع الشريف حسين أثناء الحرب العالمية الأولى.. ففي جلسة 14 نوفمبر 1973 قال الوزير المصري في سياق "مرافعته" أن اللورد كارادون المندوب البريطاني السابق في مجلس الأمن في عام 1967 قال لوزير خارجيتنا السيد محمود رياض يومئذ في حديث ممزوج بالجد والمزاح بأنه يعرف اللغة الإنجليزية أكثر من وزير خارجية مصر، وأنه أكد له أن عبارة "أراض محتلة" الواردة في قرار مجلس الأمن رقم 242 معناها "جميع الأراضي"، واستأنف الوزير المصري مرافعته أمام المجلس وأضاف قائلا "أنا لم أكن حاضرا هذا الحديث ولكني سمعت ذلك من السيد محمود رياض نفسه.. ولقد كررت الحديث للورد كارادون وهو لم ينكر ذلك.. كما أن المستر جولدبرج مندوب أمريكا السابق في مجلس الأمن في عام 1967 قال للسيد رياض في حديث خاص: "أريد أن أؤكد لك بأنه لن تمس بوصة واحدة من الأرض المصرية"!! والصفحة لا تتسع لمائة علامة تعجب".

        هذا هو حديث ما وراء الكواليس في مجلس الأمن في عام 1967 أصبح مسجلا على هذه الصورة في محاضر مجلس الأمن في عام 1973.. وليست الفاجعة في مضمون هذه الرواية وأسلوبها وسياقها، ولكن الفاجعة أن نصدق أحاديث ما وراء الكواليس، كأنما نسينا الرسائل المكتوبة (عام 1916) الموقعة من المندوب السامي البريطاني مكماهون إلى الشريف حسين قائد الثورة العربية، التي تؤكد فيها بريطانيا العظمى التزامها الكامل "بمنح الاستقلال والسيادة والحرية إلى البلاد العربية بعد هزيمة الدولة العثمانية".

        وكان طبيعيا، بعد أن انتهت مناقشات مجلس الأمن، وبعد أن تورمت محاضره بالمرافعات العربية أن يقف المندوب الإسرائيلي ليعلن في الجلسة الختامية بكل الخيلاء التي يملكها الحقير إذا انتصر، قائلا: "إن وجود دولة إسرائيل ذات السيادة المستقلة إنما هو تحقيق للمبادئ الأساسية في القانون وحق تقرير المصير ومساواة الشعوب.. وقد آن الأوان أن تقبل مصر هذه الحقيقة، وأن لا تتحدث بمهانة عن استعادة الشعب اليهودي حقه في السيادة والاستقلال".

        وبعد، فهذا هو قرار مجلس الأمن (رقم 242) بكل ظروفه وملابساته، وبكل منكراته وموبقاته وسوآته.. جعله الحكم العربي المعاصر، مطلبا قوميا رفيع المنال!!

        لقد كان قرارا فرضته الهزيمة النكراء، هزيمة الأيام الستة.. والمأساة القومية المروعة، أن نذهب إلى مؤتمر جنيف وقرار الهزيمة في أعناقنا.

 

        ولكن وأين ذهبنا بالنصر المجيد، وأين ذهبنا بالسادس من أكتوبر.. أين ذهبنا بانتصاراته وأمجاده، أين ذهبنا بدماء شهدائه.

        ولا بد لنا من وقفة إعجاب وإعزاز وتقدير، أمام ذلك اليوم الكبير.

        وبعد اليوم الكبير، سيأتي اليوم الصغير، ذلكم هو يوم جنيف.. ويا ضيعة الكبير من الصغير!!

وانطلقت من أفواههم ثمانية آلاف صيحة هادرة "الله أكبر.. الله أكبر" يرددونها مع كل خطوة، فعبرت صيحاتهم ثم عبرت خطواتهم إلى الضفة الشرقية من القنال، وراحت مواكب الزحف تتعاقب، واحدا بعد الآخر، تدفعها البطولة والرجولة في فيض غامر من العزة والإباء.

        وما هي إلا دقائق معدودات حتى وضع الثمانية آلاف جندي أقدامهم على أرض سيناء وقد حملهم ما يقرب من ألف قارب من المطاط، غير من حملتهم سواعدهم السابحة في مياه القنال، وراحوا يتسلقون الساتر الترابي ويقتحمون مواقع العدو، وما أن بلغت الساعة الثانية والنصف، أي بعد خمس وعشرين دقيقة من ساعة الصفر، حتى ارتفع علم مصر على أرض سيناء وهي مشتاقة تسعى إلى مشتاق.. ولحقت بهذا الزحف المجيد، الكتائب البرمائية، فعبرت البحيرات المرة من الجنوب، وبحيرة التمساح عند الإسماعيلية في الشمال.. ثم بدأ تدفق الدبابات والمعدات الثقيلة، هادرة مزمجرة عابرة القنال، فوق عدد كبير من المعديات والكباري أقامها سلاح المهندسين لساعتها، في دقة وإحكام يملآن النفس العربية إعجابا وعجبا.

        وما أن أشرفت شمس ذلك اليوم على المغيب حتى كانت عشرات من طائرات الهليكوبتر تعبر خليج السويس وهي تحمل أبطال الصاعقة صوب أهدافها المخصصة لها على طول خط المواجهة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عند الظهيرة.. طلع الفجر

 


ذات يوم في خريف عام 1973 طلع الفجر عند الظهيرة .

        كان ذلك في العاشر من رمضان , السادس من أكتوبر , وكان يوماً مشرقاً وضاء , طلع فيه الفجر, بعد ظلام دامس , وليل حالك طويل , أرخى سدوله على الأمة العربية , في اليوم الرابع عشر من شهر أيار من عام 1948, يوم دخلت الجيوش العربية إلى فلسطين وحلت بنا هزيمة نكراء , وانتهى الأمر بقيام إسرائيل على التراب الفلسطيني العربي , وجلاء الشعب الفلسطيني عن وطن آبائه وأجداده , وتشرده تحت كل سماء وكوكب , وكانت تلك بداية المأساة ..

وامتد الظلام عبر أعوام طويلة مثقلة بالعار, ثم اشتد حالكاً في حرب الأيام الستة, وحلت بنا هزيمة أخرى , وجثم الاحتلال الإسرائيلي على الأرض العربية من ضفاف القنال , إلى شطآن الأردن , إلى هضاب الجولان , وسقط بيت المقدس مثخنا بالجراح , تضج أسواره بالحزن الفاجع , والغضب العارم .

وعاشت الأمة العربية حقبة الظلام هذه , وهي تلتمس الفجر , كل عام وكل شهر , وكل يوم .. بل وكل ساعة من اليوم.. وراحت الأمة تعد الأيام وتحسب الأعوام, وكأنها تروض ذاكرتها على الحساب .. إلى أن بزغ الفجر, أخيراً, بعد خمسة وعشرين عاماً, وخمسة شهور , واثنين وعشرين يوماً , وذلك هو الحساب منذ صباح الكارثة إياها .. في الرابع عشر من مايو من عام 1948, ويا بئس ذلك الصباح.

وليست هذه الأرقام عملية حسابية تستهدف اللهو والتسلية , بل إنها ليست من أجل عيون التاريخ , ولكنها لواعج المحبين وهم يحسبون يوم اللقاء ساعة بساعة , ناهيك عن حب الوطن , وهو أرفع مراتب العشق الإنساني , يستشهد المرء في سبيله وهو في كامل عقله , ولا ينتحر لفقده وهو في غمرة جنونه كحال المحبين المدنفين , ومن أجل ذلك فلا غرابة أن يقضي عاشق  الوطن أيامه ولياليه وهو يحب ويحب , فتلك سمات العشق والحنين إلى الوطن , والشوق إلى المرابع , والثورة على الاحتلال , والثأر للكرامة , وفوق ذلك , فإنها استجابة حميمة , لاستغائة الماضي , وصرخة الحاضر,ولهفة المستقبل .

كل ذلك وأولئك كان كامنا في صدر السادس من أكتوبر.. وفي الساعة الثانية والدقيقة الخامسة من ظهر ذلك اليوم الأغر, طلع الفجر وانقشع الظلام الدامس الطويل عند الظهيرة , وذهل التاريخ .. ووقف بكل سمعه وبصره, يرى ويسمع ويشهد .

في تلك الدقيقة انطلقت من الجبهة المصرية مائتا طائرة تحمل نسور العرب البواسل , بعيداً إلى عمق سيناء , ليقصفوا مطارات العدو ومواقعه الجوية , ومواقع صواريخه ومدافعه , ومراكز قيادته وحصونه , وشبكاته الالكترونية , ودارت معركة جوية رهيبة , وكأنما انشقت السماء عن الصواعق وانفلقت الأرض عن الزلازل , والتحم غبار الأرض بوهج السماء، وخيل للمرء أن الأرض قد وثبت إلى السماء , أو أن السماء قد هبطت على الأرض .

وقبل يومنا ذاك , لم تشهد سيناء , ومنذ الأزل مائتي طائرة تنطلق في طلعة واحدة , ولتنهال على العدو بموجات من النار والدمار , وهي تستهدف مطارات العدو في العريش , وبير جعجافه , وثمادا , وآبار النفط في ابو رديس , ومراكز العدو القيادية في أم رحمة وأم اخشيب , حتى أصبحت أجواء سيناء وكأنها تشهد عرساً في السماء .. يعقده نسورنا الأمجاد مع النصر المجيد..

وفي نفس الدقيقة إياها, حين كان نسورنا البواسل يدكون العدو دكا, زأرت الأرض من تحتهم وزمجرت, فقد انطلق ما يزيد على ألفي مدفع يقذفون نيرانهم الكثيفة الحارقة المدمرة المتفجرة , على خط بارليف وحصونه وخطوطه الخلفية  والأمامية, وفي ثلاث وخمسين دقيقة, بالحساب , زاد مجموع ما ألقي من القذائف والقنابل على ثلاثة آلاف طن , حجبت نيرانها ضياء الشمس , في ذلك اليوم الساطع الضياء .

ثم .. ثم , تحت ستار هذه الحمم المتأججة من نيران المدفعية بأحجامها وأبعادها المتنوعة المتعددة , وتحت هدير الطائرات المصرية وهي تنشر موجات من الدمار على مواقع العدو , انطلق ثمانية آلاف مقاتل مصري صوب القنال, ولم تبلغ عقارب الساعة السابعة والنصف مساء، حتى كانت خمس فرق من المشاة قد أتمت اقتحام القنال بأكمله على مدى مائة وسبعين كيلومترا، وأصبح ما يقرب من ثمانين ألف جندي يمثلون صفوة الشجاعة والكفاءة العربية، يضعون أقدامهم الطاهرة على الأرض العربية في سيناء، ليزيدوها طهرا على طهر، وسناء على سناء.

        وراحت القوات العربية، تدك الساتر الترابي، وتدمر حصون خط بارليف، وتبيد مواقع العدو، وتقتلعه من خطوطه الأمامية، وتمزقه شذر مذر، وهباء وأشلاء،  كل ذلك في ست ساعات، من ساعة الصفر، بل من ساعة العز والفخر.

        وهكذا استطاعت القوات المصرية أن تعبر القنال، وتزيح الساتر الترابي، وتدمر خط بارليف وتثبت أقدامها على قطاع من سيناء، تحرره من الاحتلال الإسرائيلي، وترفع أعلام مصر خفاقة رفرافة، والعدو يتقهقر في غير نظام، تاركا وراءه قتلاه وجرحاه، ومعداته ودباباته، وأسلحته وتوراته.. ليصدق فيهم القول العربي القديم، موليا الأدبار.. الأدبار، حقيقة لا مجازا!!

        وعلى نحو ما جرى في الجبهة المصرية، ففي الدقيقة إياها من الساعة إياها من اليوم السادس من أكتوبر عام 1973، بدأت المعركة في الجبهة السورية، وثبت في الأجواء السورية ماية طائرة عربية، في طلعة واحدة تحمل نسورنا الأبطال، ليضربوا مواقع العدو وحشوده ومستوطناته في هضبة الجولان.. وكذلك مستعمراته وتجمعاته العسكرية في منطقتي شرياسيف ومشمارهياردن في سهل الحولة من فلسطين، كما انطلقت في اللحظة نفسها، طائرات الهليوكوبتر محملة بالأبطال من الصاعقة السورية لتنقض على مواقع العدو في جبل الشيخ ومقر قيادته في كفر نفاخ.. ودارت المعارك الجوية في الأجواء العربية من جنوب لبنان إلى سهل الحولة إلى هضاب الجولان.

        وحين كان الطيران السوري يبرق ويرعد في كبد السماء، انطلق من المواقع السورية ما يزيد على ألف مدفع من مختلف العيارات  والأبعاد والأحجام في قصف رهيب على المواقع الإسرائيلية يصبها نارا حامية كثيفة متواصلة، تدك حصون العدو وتبعثرها بين الأرض والسماء، وتختلط الشظايا بالأشلاء والدماء.

        وتحت هذا القصف المدفعي الهادر، وفي الدقيقة إياها من الساعة إياها، انطلقت ثلاث فرق من المشاة السورية بلغ عددهم ستين ألفا من جنودنا الأشاوس تعززهم ستماية دبابة في مجموعات متراصة يسند بعضها بعضا، تزحف صوب خط إسرائيلي حصين عرف "بخط آلون"، مؤلف من خندق طويل حصين، عرضه أربعة أمتار، وعمقه أربعة أمتار، أقيم على جانبه الغربي في الجبهة الإسرائيلية ساتر ترابي محاط بالحصون وحقول الألغام والأسلاك الشائكة.. تماما كخط بارليف، والساتر الترابي في الجبهة المصرية بفارق واحد، الخندق الترابي، مكان القنال المائي.. وكلاهما خط صناعي..

        وكما انتصر الجيش المصري في عبوره العظيم، وتدميره الساتر الترابي وخط بارليف، كذلك انتصر الجيش السوري فعبر الخندق الحصين، ودمر الساتر الترابي وخط آلون.. وجعل ذلك كله هشيما تداعبه الرياح.

        أما في جبهة جبل الشيخ، فقد انقضت سريتان باسلتان من الصاعقة السورية على مركز إسرائيلي حصين، له قمة استراتيجية فريدة، فقد أنشأت إسرائيل في هذا الموقع مركزا استراتيجيا عجيبا، مجهزا بالمعدات الإلكترونية والتلسكوبات الدقيقة التي كان الإسرائيليون يستخدمونها في رصد الهضبة السورية بكاملها وأراضي حوران، وجنوب لبنان وسهل الحولة والمنطقة الشمالية في فلسطين بأكملها.. وما هي إلا بضع ساعات حتى وقع هذا الموقع الإسرائيلي الخطير، أسيرا بيد القوات السورية وأسر معه المدافعون الإسرائيليون والمرصد الإسرائيلي الكبير بكل معداته وآلاته وأسراره.

        واستمرت المعركة في الجبهة السورية على منوال النصر، لبضعة أيام، كما جرى في الجبهة المصرية.. فقد اخترقت القوات السورية خطوط الدفاع الإسرائيلية إلى مسافة ثلاثة وعشرين ميلا في القطاع الجنوبي، وإلى مسافة سبعة أميال من جسر بنات يعقوب في القطاع الأوسط، وإلى قرية واسط في القطاع الشمالي.. وبذلك أصبحت المستوطنات الإسرائيلية حول بحيرة طبريا وسهل الحولة بل جميع المنطقة الشمالية في فلسطين تحت رحمة الجيش السوري.. ومعنى ذلك: أن تكون إسرائيل أو لا تكون.

        وكانت المعركة في الجبهتين المصرية والسورية، حامية الوطيس إلى أبعد الحدود، واستخدمت بها من الأسلحة ما لم يستخدم مثله في الحرب العالمية الثانية، وكانت معارك الدبابات على وجه التحديد، أشد ضراوة مما جرى في تاريخ الحروب الحديثة.

        ويقول المحلل العسكري الإسرائيلي في كتابه "زلزال أكتوبر" أن المصريين قاموا في 14 أكتوبر بهجوم ضخم على طول الجبهة مستخدمين ألف دبابة دفعة واحدة وتعتبر هذه المعركة من حيث عدد الدبابات وكثافة النيران أضخم معركة مدرعات تجري بعد الحرب العالمية الثانية، وتذكر المصادر العسكرية أنه في الدقيقة الأولى من التمهيد النيراني أطلقت المدفعية المصرية على مواقع العدو وقلاعه بالضفة الشرقية ما يقرب من عشرة آلاف وخمسماية دانة مدفعية، أي بمعدل 175 دانة في كل ثانية.. وكذلك فقد بلغ مجموع ما "غرسته" قوات المهندسين العسكريين المصريين حوالي مليون لغم مضاد للدبابات، خلال فترة الحرب.

        وفي المعارك الجوية، تلاحمت موجات الطائرات العربية والإسرائيلية، بما لم يسبق له مثيل واندفع سلاح الجو الإسرائيلي، وهو الذي اكتسب أسطورة "الذراع الطويلة التي تصل إلى أي ميدان"، ليرد الجيش المصري عن العبور، فكان نصيبه الفشل الذريع.. وكان "إجمالي الطائرات التي هاجمت القوات المصرية حتى آخر ضوء السادس من أكتوبر 446 طائرة، واستمرت المعركة ليلا وكان إجمالي الطائرات الإسرائيلية التي هاجمت القوات المصرية 262، ودارت المعركة بالمشاعل الحديثة حتى أصبح الليل نهارا.. وكانت النتيجة أن هوت يد إسرائيل العليا وبترت ذراعها الطويلة".

        وكذلك كان شأن المعركة في مدن القنال، صمودا منقطع النظير، وشجاعة لا تعرف الاستسلام.. ففي معركة بور سعيد الشهيرة، في يومي 9 و10 أكتوبر، بلغ مجموع الطائرات الإسرائيلية المهاجمة 214 طائرة، ألقت عليها زهاء الألف وخمسماية طن من المواد المتفجرة، واستمر سلاح الجو الإسرائيلي يهاجم بور سعيد حتى 24 أكتوبر بمعدل 64 طائرة في اليوم، حتى بلغ إجمالي طائراته التي هاجمت بور سعيد خلال تلك المدة 930 طائرة، ولكن المدينة الباسلة، تداعت وتساقطت، إلا في صمودها ودفاعها.

        وذلك ما حدا، بوزير الدفاع الإسرائيلي، موشي دايان، أن يقول في حديث تلفزيوني "إن القوات الجوية الإسرائيلية تخوض معارك مريرة.. إنها حرب ثقيلة بأيامها.. ثقيلة بدمائها.." على حين نشرت الجريدة الإسرائيلية "جرسلم بوست" قول أحد قادة القوات الجوية الإسرائيلية، من أن "الدفاع الجوي المصري يتمتع بكفاءة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الحروب، تفوق تلك التي واجهها الأمريكيون في فيتنام".

        ولم يسع المحلل العسكري الإسرائيلي في كتابه "زلزال أكتوبر" إلا أن يعترف بشجاعة المقاتل العربي، وحسن تدريبه، واستخدامه الرائع للأسلحة الحديثة، فقد قال في صدد معركة بور سعيد "إن قوات جيش الدفاع الإسرائيلي قد دخلت في فوهة الأسد دون أن تشعر أن أنيابه قد تطبق عليها.. لقد ظنوها مدينة أشباح مهجورة.. ولقد قام المصريون بإلقاء آلاف القنابل اليدوية من نوافذ المنازل ومن الأسطحة إلى داخل عرباتنا المجنزرة.. وألقى المصريون كذلك الصواريخ المضادة للدبابات من خلف الجدران والشرفات، وانسحبت القوات الإسرائيلية بعد خراب دباباتهم، ووقع منهم كثير من القتلى والجرحى".

        وجرى في السويس ما جرى في معركة بور سعيد، لقد استبسلت المدينة وصمدت ويذكر المحلل العسكري الإسرائيلي في كتابه السالف الذكر أن أحد القادة الإسرائيليين قال لزميله "يجب أن تستولوا على مدينة السويس ولكن بشرط أن لا تكون هذه المدينة ستالينجراد أخرى" وصدقت عزيمة المقاتل العربي، وخاب حساب المقاتل الإسرائيلي، فقد صمدت السويس وكانت ستالينجراد أخرى.

        وهكذا مضت المعركة يوما بعد يوم تتجلى فيها بطولة المقاتل العربي السوري والمصري على السواء، واستعداده للبذل والتضحية بصورة أدهشت الأعداء قبل الأصدقاء، وقد درس المحلل العسكري الإسرائيلي هذه الظاهرة الفذة في حرب أكتوبر، فتوصل إلى حقائق رائعة سردها في كتابه الآنف الذكر، فقال مقارنا بين حرب الأيام الستة وحرب أكتوبر "كان الجمهور الإسرائيلي يرى أن الجندي العربي لا يتمسك بأهدافه، وأن متوسط ثقافته منخفض، وأنه يجد صعوبة في استخدام الأسلحة الحديثة، كما أنه غير مستعد للمخاطرة كثيرا وقت المعركة، ويميل إلى ترك زملائه الجرحى.. وبسبب هذا التقدير ذكر عسكريون كبار أن الفارق النوعي هو الذي يحدد مستوى الجندي بين إسرائيل والدول العربية لعدة أجيال.. ولكن إسرائيل ذهلت من نجاح العرب في مفاجأتها في حرب يوم الغفران" ومضى المحلل الإسرائيلي يقول "إن التحسن البارز لدى المحارب العربي هو في الحافز وفي الاستعداد للقتال، فمن المؤكد أنه في عام 1978 أثبت الجنود المصريون والسوريون أن لديهم حافزا أكبر للحرب، وكذلك بالنسبة لاستعدادهم للتضحية.. فالحرب من أجل الوطن ومن أجل الكرامة القومية والشخصية.. كانت أساس تقوية الحافز لدى المقاتل العربي..".

        ولا نستطيع أن نترك مقتبسا آخر جاء في "زلزال أكتوبر" حيث قال المؤلف.. "ولقد حدث تحسن بارز في قدرة الجيش المصري على الهجوم.. وقد حدث أنه بعد تحطم هجوم كتيبة من سلاح المشاة المصري بثمن كبير من الدماء كانت تحل محلها كتيبة أخرى من سلاح المشاة وتستأنف الهجوم وقد أثبت سلاح المشاة المصري في حرب يوم الغفران قدرة فائقة جدا.. والجنود المصريون تمتعوا بالجرأة وحاربوا وجها لوجه ضد الطائرات الإسرائيلية المغيرة عليهم.. والكوماندوز المصريون قاتلوا بضراوة، ورجال الكوماندوز السوريون كانوا أكثر صلابة وتشوقا للمعركة من الماضي.. ومن الواضح أن نتائج حرب يوم الغفران ستحدث ثورة في الروح المعنوية لدى الجيوش العربية وبالذات لدى الجيش المصري..

        لقد امتدت الحرب اثنين وعشرين يوما (6-28 أكتوبر) تميزت بثلاث مراحل، فكانت المرحلة الأولى نصرا مؤزرا للجيوش العربية، وكانت المرحلة الثانية سجالا بين الفريقين، أما المرحلة الثالثة، فقد مالت كفة الميزان إلى جانب إسرائيل.. فقد أسفرت المعركة في الجبهة المصرية كما عرف "بالثغرة" التي استطاعت القوات الإسرائيلية فتحها في منطقة الدفرسوار الواقعة شمال البحيرات المرة الكبرى، وفي إقامة رأس جسر واحد على الضفة الغربية للقناة، وكذلك استطاعت إسرائيل أن تستولي على منطقة في غربي القناة تمتد غربا إلى مسافة 15 كيلو مترا، تقدر مساحتها بألف كيلو متر مربع، كما قدرت قوات الثغرة الإسرائيلية بعشرين ألف جندي وخمسمائة دبابة، وستة ألوية بين مدرعة ومشاة ميكانيكية تعززها وحدات المدفعية والهندسة(1).

        أما على الجبهة السورية فقد استعادت القوات الإسرائيلية كافة الأراضي التي احتلتها في عام 1967، وتمكنت من فتح ثغرة في الخطوط السورية الدفاعية في القطاع الشمالي، والتقدم شرقا حتى مشارف "سعسع" الاستراتيجية، وبهذا أصبحت تسيطر على منطقة تبلغ 23 كيلو متر طولا باتجاه "سعسع" وحوالي 25 كيلو متر عرضا من قرية "بيت جن" مرورا "بتل شمس" إلى تل المال في الجنوب.. كما تمكنت من إعادة سيطرتها على موقع المرصد الإسرائيلي، وموقعين سوريين في جبل الشيخ(2). وكان هذا "النصر" في واقع الأمر، دون أن نتهم باختلاق المعاذير والمبررات هو للولايات المتحدة على الدول العربية أولا، وعلى الاتحاد السوفييتي ثانيا، سياسيا وعسكريا.. وهنا لا بد لنا من وقفة قصيرة نسترجع من خلالها الحقائق الموضوعية.

        ليس سرا أن الولايات المتحدة، ولأسباب كثيرة يعرفها المواطن العربي، كانت تتابع أنباء الموقف في الشرق الأوسط قبل المعركة، ولحظة اندلاعها، وفي المراحل التالية منذ نشوب القتال إلى أن وقفت القوات الإسرائيلية عند الكيلو 101 غربي قناة السويس، وعند مرتفعات الجولان وقمم جبل الشيخ في الجبهة السورية.. ففي الأيام الأولى من القتال طلبت الولايات المتحدة من جميع الفرقاء وقف إطلاق النار، وخلافا لما فعلت في حرب الأيام الستة، طالبت كذلك بالعودة إلى خطوط ما قبل القتال.

        ذلك أنه في تلك المرحلة كانت كفة الدول العربية هي الراجحة، وكانت إسرائيل تئن بين فكي الكماشة العربية على الجبهتين السورية والمصرية، ولهذا فقد وجدت أمريكا في نفسها من الجرأة بأن تطلب في مجلس الأمن في الثامن من أكتوبر "العودة إلى خطوط ما قبل القتال".. ومعنى ذلك، في وقتها، أن تسحب مصر كل قواتها من سيناء، وتعود إلى الضفة الغربية، وراء القنال، وكأن شيئا ما كان، وكأن سيناء ليست أرضا مصرية.

        أما بالنسبة لسوريا، فقد كان المعنى الكامن وراء الطلب الأمريكي أن تعود القوات السورية من مرتفعات الجولان، إلى الخطوط السابقة لحرب الأيام الستة، وكأنما ذهبت القوات السورية في نزهة إلى مشارف بحيرة طبريا وعليها أن تعود لنزهتها المعتادة في غوطة دمشق.

        والمواطن العربي، حين يعود إلى محاضر مجلس الأمن في تلك الحقبة، يستطيع أن يسمع نبرة النصر في خطب الوفود العربية، وتلعثم الهزيمة في لسان المندوب الإسرائيلي.

        وكانت أمريكا قد أطلقت قمرين صناعيين من طراز (العصفور الكبير) (Big Bird) يزن الواحد منهما 14 طنا، في مدار حول الأرض لالتقاط صور للحرب الدائرة، كان يبثها القمر الصناعي يوميا إلى السفن الحربية الأمريكية (1) وعلى هذا فقد كانت أمريكا تتابع سير المعركة يوما بيوم، لتضع خططها العسكرية والسياسية اللازمة.

        وقد ترتب على ذلك أن الولايات المتحدة، ومنذ اندلاع الحرب، قد استنفرت الأسطول الأمريكي السادس العامل في البحر الأبيض المتوسط، كما أمرت سفنا حربية وغواصات تابعة للأسطول السابع العامل في المحيط الهندي بالتحرك فورا للمرابطة في البحر العربي.

        ولم تكتف أمريكا بذلك ولكنها أصدرت أمرا في اليوم الثامن من أكتوبر، إلى حاملة الطائرات الأمريكية "إنديبندنس" (Independance) بالتوجه إلى شرقي البحر الأبيض المتوسط، وكان على ظهرها 4500 جندي وتحرسها ثلاث مدمرات.. وكذلك طلبت إلى حاملة طائرات الهليكوبتر أيوجيما (Iwo gima) وكان على ظهرها ألفين من مشاة البحرية الأمريكية بالتوجه إلى البحر الأبيض المتوسط والانضمام إلى الأسطول السادس، وصدرت الأوامر كذلك إلى حاملة الطائرات "جون كندي" بالمرابطة شرقي المحيط الأطلسي قرب جزر الآزور.. وكذلك تحركت حاملة الطائرات "فرنكلين روزفلت" وبرفقتها سفينتان حربيتان إلى مواقع محددة في البحر الأبيض المتوسط.. ومضافا إلى ذلك كله، أنه صدرت الأوامر إلى ثمانية وأربعين سفينة حربية وعدد من الغواصات المجهزة بالصواريخ الذرية البعيدة المدى من نوع "بولاريس" بالتحرك إلى شرق البحر الأبيض المتوسط.. وغيرها وغيرها..، حتى أصبح البحر الأبيض المتوسط بحيرة أمريكية احتشدت فيها هذه القوات الضخمة(1).

        وبعد هذا الاستنفار الحربي الأمريكي الكبير، اتخذت أمريكا دورا فعالا في إدارة الحرب، وخاصة بعد صرخة الاستنجاد التي أرسلتها إسرائيل عبر الأثير إلى الولايات المتحدة.. وفي الفصل الأخير من كتاب جولدا ماير رئيسة وزراء إسرائيل، يومئذ، يستطيع القارئ أن يرى إسرائيل، لأول مرة منذ قيامها وهي غارقة في لجة الفزع والهلع، في الأيام الأولى من حرب أكتوبر.

        وتعترف جولدا ماير في عبارات كاتمة كاظمة، إنها لا تستطيع التفكير في تلك الأيام، وكيف أنها لم تكن قادرة أن تبكي وهي وحدها في مكتبها.. وكيف أنها كانت تتصل بسفيرها دنتز في واشنطن، في كل ساعة من النهار والليل، متسائلة أين المساعدات الأمريكية العسكرية، وأين الجسرالجوي.. وكيف أنها غضبت على سفيرها في واشنطن حين طلبت في الساعة الثالثة والنصف بعد منتصف الليل أن يتصل بالدكتور كيسنجر، في لهجة غاضبة، وهي تقول.. "أنا لا يهمني ما هو الوقت الآن.. اتصل بكيسنجر فورا.. نحن نريد المعاونة اليوم، لأن الغد سيكون متأخرا جدا"، وختمت جولدا ماير قولها، بأن "ساعة واحدة من التأخير، كانت عندي أطول من قرن بكامله".

        واستجابت أمريكا لهذه اللهفة الإسرائيلية، المستغيثة المستنجدة، ففي صباح الثالث عشر من أكتوبر، بعد أسبوع من القتال، بدأت أمريكا بصورة علنية ورسمية في شحن المعدات والأسلحة الأمريكية، جسر جوي، من قواعد أمريكية في الولايات المتحدة وألمانيا الغربية، وراحت أعداد كبيرة من طائرات النقل الأمريكية العملاقة من نوع كلاكسي س-5 وأمثالها، تحط في المطارات الإسرائيلية.. وقد بلغ ما شحنته أمريكا في ذلك اليوم وحده حوالي 800 طن من المواد الحربية، هذا عدا طائرات الفاتنوم وطائرات سكايهوك التي كان يجري تحويلها إلى إسرائيل رأسا من قواعدها في الولايات المتحدة.

        وكانت طائرات الفاتنوم الأمريكية تقلع من ولاية كارولينا الشمالية، رأسا إلى إسرائيل، من غير توقف، فقد كانت تتزود بالوقود أربع مرات أثناء تحليقها في جو المحيط الأطلسي والبحر الأبيض، من طائرات الصهاريج الأمريكية التي كانت تحلق في الجو بصورة مستمرة فوق هذه المناطق (1)، وكأنما كانت توحي هذه العملية الفريدة التكنولوجية المعقدة بأن أمريكا تفعل ذلك دفاعا عن إحدى ولاياتها التي يهددها الاتحاد السوفييتي بالغزو والاحتلال!!

        وقد بلغ من حرص الولايات المتحدة على المساندة العسكرية لإسرائيل أن الجسر الجوي كان ينقل الدبابات وناقلات الجنود المجنزرة الأمريكية إلى إسرائيل، رأسا إلى قاعدة العريش في سيناء.. ومن هناك تتوجه إلى الميدان.

        هذا ناهيك عن أحدث أنواع الصواريخ والأسلحة الأمريكية التي وصلت إلى إسرائيل أثناء المعركة، ومنها: صواريخ موجهة تلفزيونيا من الجو إلى الأرض زنتها ألف رطل (!!) ومداها 25 ميلا، وصواريخ ضد أجهزة الرادار توجه بالموجات التي يصدرها الرادار نفسها، وصواريخ ضد الدبابات تحتوي على مجموعة قنابل، لإصابة مجموعة من الدبابات، وقنابل موجهة بواسطة الأشعة فوق الحمراء تزن كل قنبلة ألفين رطل، وصواريخ ضد الدبابات وتعمل على تتبع الأثر بواسطة السلك، وقد شحنت أمريكا لإسرائيل ما يزيد على ألفين من هذا الصاروخ(1).

        وبالإضافة إلى هذا الجسر الجوي الذي كان ينقل ما زنته سبعمائة طن يوميا من التجهيزات والأسلحة القتالية، في رحلات لا تنقطع ليلا ولا نهارا، فقد أقامت أمريكا جسرا بحريا لنقل الأسلحة والتجهيزات والأسلحة الثقيلة، ففي اليوم الرابع من بداية الحرب حملت ثلاث سفن شحن إسرائيلية ومعها سفن أمريكية أخرى ما يزيد على ستمائة دبابة ومجموعة من طائرات سكايهوك وطائرات هليوكوبتر من مختلف الأنواع، وعلى كميات كبيرة من المدافع ذاتية الحركة، وقنابل وصواريخ وذخيرة(2).

        وتقول جولدا ماير وهي تصف مشاعرها إزاء هذا العون العسكري الأمريكي الضخم "وحين علمت أن الطائرات الأمريكية وصلت مطار اللد بكيت لأول مرة، ولم تكن آخر مرة.. وكانت الطائرات الأمريكية تصل بمعدل طائرة واحدة كل خمس عشرة دقيقة".

        ويحدثنا المراسل العسكري المعروف، "زئيف شيف" في كتابه "زلزال أكتوبر" عن الجسر الجوي الأمريكي بعبارة مثيرة حين يقول ".. في الساعة السادسة والنصف من مساء 14 أكتوبر هبطت في مطار اللد الطائرة الأمريكية الأولى جلاكسي وبإمكانها أن تحمل 120 طنا لمسافة 5500 كيلو متر، وبدأ الجسر الجوي يعمل ليل نهار.. وهبطت في ذلك اليوم 25 طائرة جلاكسي أمريكية، وكانت الطائرات الإسرائيلية تستقبلها على بعد 150 كيلو متر من السواحل الإسرائيلية وترافقها حتى مطار اللد، ووصلت جولدا ماير في ذلك اليوم إلى مطار اللد وقابلت الطيارين الأمريكان، وسألتهم عما يريدون، فقالوا إنهم يريدون "زيارة بيت المقدس"، وتحققت رغبتهم وقضوا ليلة في بيت المقدس، وليالي حمراء في غير بيت المقدس!

        أما في الأيام الأولى من الحرب فقد كانت طائرات العال الإسرائيلية هي التي تتولى مهمة نقل الأسلحة والمعدات الحربية الأمريكية، من مخازن الجيش الأمريكي رأسا إلى إسرائيل، وكانت "محملة حتى السقف" حسب تعبير المراسل الحربي الإسرائيلي.

        وفي صدد المساندة الأمريكية لإسرائيل، لا يفوتنا أن ننوه بصورة خاصة أن أمريكا حين استشعرت خطأ أو صوابا تحركات روسية عسكرية خفية في البحرين الأسود والأبيض، في المرحلة الأخيرة من الحرب، فقد أصدر الرئيس الأمريكي نيكسون إعلانا بوضع القوات الأمريكية الاستراتيجية في حالة تأهب في جميع أنحاء العالم، وقد شمل ذلك جميع القواعد الجوية الأمريكية في العالم، والقواعد البحرية التابعة للأسطولين السادس والسابع، وقيادة قاذفات القنابل الاستراتيجية، ووحدات الصواريخ العابرة للقارات، والقوات البحرية بغواصاتها المحملة بالصواريخ بعيدة المدى وذات الرؤوس النووية.. ومعنى ذلك كله وضع مليونين من القوات الأمريكية في العالم في حالة التأهب، كما تحدثت عن ذلك الصحافة الأمريكية نفسها(1).

        وهذا المدد العسكري الأمريكي لإسرائيل، لم يكن قاصرا على الطائرات والدبابات والصواريخ، والأعتدة والذخائر فلا بد أن يكون مع ذلك كله أعداد وفيرة من الخبراء والمقاتلين الأمريكيين، يهودا وغير يهود.. والمحلل العسكري الإسرائيلي يعترف صراحة في كتابه "زلزال أكتوبر" أن "كبار الموظفين الأمريكيين كانوا يقولون لمندوبين إسرائيليين يجب على إسرائيل أن تلقن العرب درسا".

        وتصدى الدكتور كيسنجر الصديق اللدود للعرب ليلقن العرب ومعهم الاتحاد السوفييتي درسا، فأعلن أن المجابهة السوفييتية الأمريكية يمكن أن تذهب أحد طريقين: إما الانفراج أو الحرب"(1).

        وقد أفلح الاستنفار النووي الأمريكي مقرونا بتهديدات كيسنجر، في الوصول إلى "الانفراج الدولي" فقد اتفق العملاقان، كما اتفقا في السابق، واستصدرا قرارا من مجلس الأمن بوقف إطلاق النار، ولكن بعد أن وصلت القوات الإسرائيلية إلى الكيلو (101) على طريق القاهرة، وإلى قمة جبل الشيخ المشرف على دمشق.

        تلك هي لمحة موجزة عن مسيرة حرب السادس من أكتوبر من بدايتها إلى نهايتها تلك النهاية التي لم يكن يتوقعها أي مواطن عربي وهو الذي عاش أحلاما شامخة في أعماق ضميره متطلعا إلى تحرير الأرض العربية، وإجلاء القوات الإسرائيلية من سيناء والجولان والضفة الغربية، وبيت المقدس في الطليعة.

        ولقد فوجئ المواطن العربي أول ما فوجئ حين أعلنت القاهرة ومن بعدها دمشق بقرار وقف إطلاق النار، ثم فوجئ ثانيا أن إسرائيل قد استردت في أخريات الحرب، ما فقدت في أولها، وزادت على ذلك أن فتحت ثغرتين، الأولى في القنال والثانية في جبل الشيخ.

        ولقد انتهت حرب أكتوبر إلى ما انتهت إليه، وقد يتساءل المواطن العربي، وماذا حققت هذه الحرب المجيدة.. هل بلغت أهدافها أو تخلفت..

        ولا أريد أن أخوض في السؤال المثير الخطير، وماذا كان هدف الحرب؟..

        هل كان الهدف تحرير فلسطين بكاملها؟ أم كان تحرير الأرض العربية المحتلة في عام 1967، أم كان "تسخين الموقف" بقصد تحريك ما يعرف بأزمة الشرق الأوسط والوصول بها إلى تسوية سياسية؟

        والموضوع مترامي الأطراف، تتداخل فيه الوقائع السياسية والعسكرية، والكثير منها لا يزال غير معروف على وجه اليقين.. والذي يصح القول فيه بيقين أن تحرير فلسطين لم يكن هدفا في هذه الحرب.. والأسباب واضحة ومعروفة..

        وكذلك فإن تحرير الأرض العربية المحتلة، كلها أو بعضها، لم يتحقق بصورة عامة، وفي الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأسد، بعد خمسة أيام من وقف إطلاق النار، 29 أكتوبر، تساءل قائلا "هل حررنا الأرض التي يحتلها العدو؟" وأجاب على سؤاله بقوله "كلا لم نحرر الأرض بعد، بل ما يزال قسم من الأرض في منطقة الخرق بيد العدو"، وخطب الرئيس السادات كلها في هذا الاتجاه.

        وإذا كان تسخين الموقف هو الهدف، فإن هذا التسخين قد تحقق، ولكنه عاد وهدأ.. ثم برد.. والأرض العربية تدخل عامها الرابع بعد حرب أكتوبر، عامها العاشر وهي تحت الاحتلال الإسرائيلي، منذ حرب الأيام الستة.

        والحرب العربية المجيدة قد حققت انجازات رائعة، ستظل دافئة ساخنة في جوف التاريخ، وستبقى مشرقة مضيئة في صفحاته..

        ولكن "السياسة العربية"، قد استنزفت ذلك الرصيد الكبير، رصيد الحرب المجيدة، وعادت القضية العريقة إلى ثلاجة الأمم المتحدة، ليعبث بها العابثون ويلعب بها اللاعبون..

        وفي الفصول التالية سنرى كيف ألقت السياسة العربية بالقضية العربية على عتبات البيت الأبيض، تستغيث وتستجير.. وما أشقى المستجير من الرمضاء بالنار.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تنساني جوارحي وجوانحي

إن نسيت اليوم العظيم

 

        أجل.. تنساني كل جوارحي وجوانحي، إن نسيت اليوم العظيم.. اليوم السادس من أكتوبر.. لقد كان أمجد أيام الأمة العربية في تاريخها الحديث، لا يباريه إلا يوم قيام الجمهورية العربية المتحدة، لتضم مصر وسوريا في دولة عربية واحدة.

        والسادس من أكتوبر لم يحقق هدفه المباشر.. إنه لم يحرر الأرض ولكنه حرر الأمة.. حررها من شبح الهزيمة، من ذل الانكسار والاندحار، من عقدة الرعب والعجز، وحررها أخيرا من الانسحاب من الميدان، ليخلو الجو للعدو وينتصر بلا قتال ولا نزال.

        وحين تتحرر الأمة أية أمة، فهي تستطيع أن تحرر الأرض ، مهما اتسعت الأرض.. وإذا كانت الأمة العربية لم تستطع لسبب أو لآخر، أن تحرر أرضها هذه المرة.. فإنها قد استطاعت، من غير شك، أن تحرز انتصارات رائعة كثيرة.. انتصارات إذا ثبتت وتصاعدت، فستكون الرصيد الثمين والزاد المكين لا لتحرير سيناء والجولان فحسب، ولكن لتحرير فلسطين من ضفاف الأردن إلى شاطئ البحر الأبيض المتوسط.

        وليس هذا تقليلا لشأن الأرض العربية التي احتلتها إسرائيل في حرب الأيام الستة، ولا تهوينا للكارثة التي حلت بالأمة العربية بسبب تلك الهزيمة النكراء.. فإن ما جرى في تلك الحقبة يعتبر لطمة عار في تاريخنا منذ كان التاريخ، ولا يغسله إلا إذا استطعنا أن نقتلع العدو من جذوره، وأعدنا العروبة إلى فلسطين، وفلسطين إلى العروبة.. ولكن ما هو أفجع من فقدان الأرض، على أهمية الأرض، أن تبدو الأمة غير مؤهلة للقتال.. غير صالحة للنضال، إذا دعيت إلى الحرب، مشت إليه متثاقلة، متكاسلة، متخاذلة.

        وإلى يوم أكتوبر العظيم، خسرنا حروبا وأراضي.. فقد خسرنا في عام 1948 الحرب ونصف فلسطين.. وفي حرب الأيام الستة في عام 1967 خسرنا الحرب ومعها سيناء والجولان وبقية فلسطين.. وبلغ مجموع هذه الأرض العربية كلها ما يقرب من تسعين ألف كيلو متر مربع، وأصبح العدو الغاشم أقرب مما كان إلى القاهرة، ودمشق، وعمان..

        غير أننا في حرب أكتوبر قد ربحنا الحرب، وإن لم نربح الأرض، وبهذا أصبحنا في منتصف الطريق إلى النصر، النصر الذي ينتظر على أبوابنا، يوم تتجمع في أيدي قيادتها الواحدة، الصابرة الباسلة، كل طاقات الأمة العربية، وقدراتها الروحية والمادية.

        وحين أقول "ربحنا الحرب" فإني أعني المعركة العسكرية بذاتها.. وأعني بوجه التحديد، الإنسان العربي المقاتل، في الجو، وفي الأرض، وفي البحر، في الدبابة وفي الطائرة وفي المدمرة.. وراء المدفع، وخلف الرادار وإلى جانب الصاروخ، وفوق هذا وذاك فإنما أعني الإنسان العربي المقاتل اندفع إلى الميدان وهو على عزيمة صادقة يستعجل إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة.. أو كلتاهما معا..

        ولقد انطلقت الألسنة والأقلام، تتحدث الكثير والكثير عن حرب أكتوبر، عن خلفياتها، وأهدافها ودوافعها.. ولا أريد أن أخوض في هذا كله أو بعضه، فإن كثيرا من الجوانب السياسية للمعركة، الدولية والعربية، لا تزال غير مكشوفة ولا معروفة.. ولكني سأقصر كلامي في هذا الفصل على إنجازات "الحرب" دون "السياسة" لا قبلها ولا بعدها.. فإن الساسة ومعهم السياسة، يتغيرون، ويروحون ويفدون، ولكن إنجازات المعركة هي الباقية الخالدة.. وستبقى للجولات المقبلة حوافز دافعة، دافقة دائما وأبدا..

        والتبسط في سرد إنجازات الحرب، لا يقصد للسرد ذاته، كجزء من تاريخ مضى وانقضى، ولكن القصد كل القصد أن تتعرف على إنجازات الحرب الصاعدة، لنستطيع أن نتعرف على انتكاسات السياسة العربية الهابطة التي تعانيها الأمة العربية في الظروف الراهنة.

        وحتى، التعرف على السياسة العربية الهابطة، لا يقصد منه التنديد بالحكم العربي المعاصر، وإنما يرمي إلى قصد أعظم وأكرم، وهو التعرف على الطريق الذي يؤدي إلى سياسة عربية نضالية تصون إنجازات الحرب وتستثمرها في خدمة القضية العربية.

        ومن هنا أصبح لا بد أن نسير في موكب هذه الإنجازات، نحددها ونتعرف عليها، لا لنتغزل بأمجادها، ولكن لنتأمل أبعادها.. وهو رصيد غني بالإنجازات الفنية.

        ويأتي على رأس هذه الإنجازات أولا: أن التخطيط والإعداد للمعركة كان بالغ الدراسة والجدية والعمق، وقد استغرقت مراحله المختلفة قرابة تسعة أشهر ابتداء من يناير 1973، تعاقبت خلالها لقاءات القيادات العسكرية المصرية والسورية، لوضع الخطة الكاملة في تفكير رصين وصمت بالغ.

        وفي شهر أغسطس من ذلك العام انعقد في الإسكندرية أهم مؤتمر عسكري ضم رؤساء أركان القوات المسلحة المصرية والسورية، وفي هذا المؤتمر وضعت الخطة الكاملة للمعركة ووقع الاختيار على شهر أكتوبر للقيام بالعملية الهجومية.. وفي اليوم الثالث من أكتوبر اعتمد الرئيسان السادات والأسد الخطة بصورة نهائية، وأن يكون يوم السادس من أكتوبر هو يوم المعركة، وأن تكون ساعة الصفر هي الثانية والدقيقة الخامسة من بعد الظهر.. ولهذا جاءت حرب أكتوبر حصيلة دراسة وتخطيط وإعداد، لا نتيجة انفعال وارتجال، كما جرى في الحروب الثلاثة السابقة.

        ومن هذه الإنجازات، ثانيا، أن المعركة كانت لها قيادة واحدة، تتمثل في شخص الفريق أول المرحوم أحمد إسماعيل، فقد تم تعيينه قائدا عاما للقوات المصرية السورية في العاشر من شهر يناير 1973، وهذه هي حربنا الأولى التي يكون فيها للمعركة قيادة واحدة، قادرة وفعالة، وكانت هذه البادرة المحدودة مؤشرا بارزا، لو كانت حرب أكتوبر تقودها مصر وسوريا كدولة واحدة، لجاءت بنتائج أعظم وأروع.. بل إنها كانت قادرة على تحرير الأرض العربية بكاملها.. هذا إذا تركنا الحديث عن تحرير فلسطين.

        ومن هذه الإنجازات ثالثا: أن دراسات موضوعية وعلمية هي التي حددت اختيار أنسب شهور السنة، وأنسب أيام الشهر، وأنسب ساعة لبدء الهجوم.. وتدخلت عوامل كثيرة في الاختيار، فقد اختير أكتوبر لأنه شهر الانتخابات الإسرائيلية ولوقوع الأعياد اليهودية: عيد الغفران، وعيد المظال، وعيد التوراة، ولأن أكتوبر، يطول ليله ويصل فيه الظلام إلى اثنتي عشرة ساعة.. وأخيرا اليوم السادس لأن فيه أكبر الأعياد اليهودية، الغفران ولأن فرق المنسوب بين المد والجزر قليل في مجرى قناة السويس، بحيث تكون الظروف أفضل لإقامة المعابر والكباري.. واختيرت الساعة الثانية بعد الظهر، لأن أشعة الشمس تكون في أعين العدو أثناء عبور القوات بما يقلل من كفاءته في المراقبة والرمي والتصويب والسداد..

        ومن هذه الإنجازات رابعا: أن التخطيط والإعداد للمعركة جرى في أقصى حدود الكتمان والسرية والجدية، من غير لعلعة ولا جعجعة، وفي إطار من التورية والتعمية والخديعة.. ومن تعاريف العرب القديمة أن الحرب خدعة.. وقد نفذ هذا الشعار في حرب أكتوبر تنفيذا بارعا، ففي ذلك اليوم كانت الضفة الغربية من القتال تعيش تحت سماء الخديعة الكاملة، وكان كل شيء يبدو هادئا ساكنا، فكان جماعة من جنود مصر يجلسون على حافة القناة في استرخاء وتكاسل، بعضهم يمص أعواد القصب، والبعض يأكل البرتقال وهو يقشره بكل روية وأناة، وفريق خلع ملابسه وراح يسبح في القناة، وفريق آخر أخذ يمد قامته وذراعيه ليصطاد السمك.. كل ذلك لينخدع العدو على الضفة الشرقية، وانخدع فعلا، فكان الجنود الإسرائيليون يلعبون الكرة، دون أن يدروا أن الأقدار ستلعب معهم أخطر لعبة شهدوها عبر حياتهم، وأنهم ودباباتهم وطائراتهم، ستكون هي الكرة في ذلك اليوم!

        ولم يسع المصادر الإسرائيلية نفسها إلا أن تعترف للعسكرية العربية بهذا الإنجاز الرائع، وهذا المحلل العسكري الإسرائيلي صاحب كتاب "زلزال أكتوبر" يقول بالنص لا بالمعنى: "إن حرب يوم الغفران هي أول حرب يخطط لها العرب بدقة.. وإن العرب لم يتركوا أي أمر للصدفة.. وإن العرب في هذه المرة أحسنوا المباغتة والمبادرة.. وإن الدهاء العربي تغلب على الذكاء اليهودي".. ثم يضيف المحلل العسكري الإسرائيلي.. "إن الجنود المصريين قد شوهدوا قبل بدء الهجوم وهم يسيرون على طول القناة بملابسهم الداخلية وبدون سلاح.. كما شوهد الأطفال المصريون وهم يلعبون على التلال الترابية في الجانب المصري من القنال.." وينهي كلامه في هذا الصدد قائلا "إن القيادة الإسرائيلية قد وقعت في الفخ".  والحمد لله..

        ومن هذه الإنجازات، خامسا: أن أول عملية عسكرية تسللية يتحتم أداؤها قبل الهجوم، قد بدأت وتمت بنجاح باهر، دون أن يدري بها العدو، ذلك أن مجموعات من الجنود المصريين أحبطوا تجهيزات العدو التي كانت معدة لإشعال سطح القناة بالوقود الملتهب، فقد استطاع الجنود المصريون أن يقصوا خراطيم هذه التجهيزات، ويسدوا المواسير بالإسمنت ويغلقوا المحابس والصنابير.. وبهذا تمكن الجيش المصري أن يعبر بمعداته وأسلحته وقواربه، وأن يقيم الكباري، والقناة تجري مياهها كالعهد بها منذ أن فتحت قبل قرن من الزمان.. من غير أن تصبح القناة نهرا من اللهب..

        ومن هذه الإنجازات، سادسا: أن الساتر الترابي الذي أقامته إسرائيل على حافة القنال الشرقية كان يؤلف عائقا كبيرا، يحول دون إقامة المعديات والكباري لعبور الدبابات والأسلحة الثقيلة، ولم تفلح المحاولات التي جربت على نموذج مماثل بفتحه لا بالمدفعية ولا بالمفرقعات والصواريخ والألغام وقنابل الطائرات.. لقد فشلت جميعها.. واهتدى أحد الضباط المصريين إلى "اختراع" "مدافع مياه" لتضخ الماء بقوة هائلة وتجرف الساتر الترابي جرفا.. وبهذا استطاعت القوات المصرية، حين عبرت إلى الضفة الشرقية أن تفتح ما يزيد على خمسة وثمانين ممرا في الساتر الترابي.. وكان "مدفع الماء" أول أسلحة العبور العظيم، ولعله أحدث أسلحة الحرب الحديثة.

        ومن هذه الإنجازات، سابعا: أن اختراق خط بارليف وتدميره، والاستيلاء عليه قد تم في وقت قصير ضرب الرقم القياسي في تاريخ الحرب الخاطفة.. وقد تجمعت في هذا الخط جميع الخبرات العسكرية العالمية في بنائه وتحصينه بحيث يستحيل اختراقه وسقوطه، فقد كان مؤلفا من اثنين وعشرين موقعا حصينا، تضم إحدى وثلاثين نقطة قوية، تبلغ مساحة كل نقطة حوالي أربعة آلاف متر مربع، بالإضافة إلى تحصينات ودشم معقدة، ذات عدة طوابق وخنادق وطرق مواصلات عميقة، وأسلاك شائكة، وحقول ألغام.. ولقد تميز خط بارليف عن الخطوط العالمية المعروفة في الحربين الأولى والثانية، بأنه كان يحتوي على أماكن لمبيت وراحة الجنود، وأسباب الترفيه، ووفرة المؤن التي تكفي لأشهر طويلة من الحصار.. أضف إلى ذلك ملاجئ فيها كل أسباب الراحة والتهوية والإضاءة والتدفئة، وأماكن الاستحمام بالمياه الساخنة والباردة، وصالة عرض أفلام سينمائية، وملاعب لكرة الطاولة، وأخيرا شبكة تلفونيه لاتصال الجنود بعائلاتهم خلف الجبهة.. وقد بلغ من مناعة خط بارليف وحصانته أن أعلن الجنرال دافيد اليعازار رئيس أركان الجيش الإسرائيلي أن خط بارليف سيكون مقبرة للجيش المصري، فجاء اليوم العظيم في السادس من أكتوبر ليجعل خط بارليف مقبرة ولكن للجيش الإسرائيلي.. ويكفي أن نشير إلى ما قاله المعلق العسكري الإيطالي "بتروني" في مجلة "أنابيلا" الأسبوعية في 30 أكتوبر، من "أن خط بارليف الذي شيدته إسرائيل على غرار خط ماجينو قد تحطم تحت ضربات القوات المصرية كما سقط خط ماجينو منذ 34 عاما.. لقد فر الجنود الإسرائيليون من هذا الخط وقد علت القذارة أبدانهم وشحبت وجوههم، لقد فرت فلولهم من الجحيم الذي أطلقه عليهم الهجوم المصري المفاجئ".

        ومن هذه الإنجازات، ثامنا: أن إسرائيل كانت تباهي بأنها تجيد أمرين هامين في الناحية العسكرية: الحرب الليلية، والحرب الخاطفة، وإن هاتين الميزتين هما من ابتكار واحتكار الجيش الإسرائيلي.. وفي حرب أكتوبر تميزت القوات العربية في الأمرين كليهما فقد خاضت حرباً خاطفة أنزلت الهلع والارتباك في الجيش الإسرائيلي ، ثم إنها امتلكت ناصية الحرب الليلية.

        ويقول المحلل الإسرائيلي العسكري في هذا الصدد بأن الليل لم يعد تحت تصرف جيش الدفاع الإسرائيلي فقط، فقد استعد العرب أيضا للقتال الليلي، وأفضل برهان على ذلك الأجهزة الإلكترونية للرؤية في الليل التي زود بها العرب قواتهم.. وهكذا لم يعد زمام الحرب يفلت من يد القوات العربية.. لا ليلا ولا نهارا.

        أما في مجال الحرب الخاطفة فيكفي أن نستشهد بما قاله مراسل وكالة س.ب.أ. في تل أبيب في 12 أكتوبر "لقد واجهت إسرائيل كارثة مثل بيرل هاربر تماما.. وهي الهجوم الياباني الخاطف.. ومن الواضح أن إسرائيل على أبواب فضيحة.. فلقد عبرت القوات المصرية والسورية خط وقف إطلاق النار فجأة يوم 6 أكتوبر وقد أسكتت هذه العملية القيادة الإسرائيلية، وهي عارية، وتلك حقيقة لا تقبل الجدل" وكذلك فإن الجنرال بارليف الذي وهب اسمه لخط بارليف قد اعترف في جريدة الصندي تايمز يوم 9 ديسمبر قائلا "لقد هاجمونا أي المصريين، ونحن في غفلة"، كما يلخص المحلل العسكري الإسرائيلي في كتابه "زلزال أكتوبر" ثلاث كلمات يقول فيها "جيشنا خيب الآمال".

        والحرب الليلية لها أثر كبير في مصير المعركة، فقد قال خبير الحرب العالمي الشهير الجنرال بوفر، "إن العمليات الليلية تعتبر ضرورية جدا، وإنني أعرف مقدار صعوبتها، ولكن إذا وثق المقاتل في نفسه أصبح الليل صديقه وعدو عدوه، إنها مسألة عادة وروح معنوية" والواقع أن ليالي أكتوبر المجيدة كانت صديقة الجندي العربي الباسل، وعدوة العدو، من دايان إلى الديدبان..

        ومن هذه الإنجازات تاسعا: التفوق العربي البارز في الحرب الجوية بكل فنونها وبراعتها.. وفي هذا المجال استطاعت إسرائيل في الماضي أن تبني لها شهرة عالمية، وخاصة بعد حرب الأيام الستة، فقد تمكن سلاح الجو الإسرائيلي من تدمير القوة الجوية المصرية في أقل من ساعة.. وكانت إسرائيل ومعها الدوائر العسكرية الغربية، على ثقة أكيدة بأن سلاحها الجوي قادر أن ينزل الهزيمة بالدول العربية مجتمعة في أية حرب مقبلة وبالسلاح الجوي وحده وحينما أقبلت حرب اكتوبر تصدي السلاح الجوي  العربي فقلبت ظهر المجن، كما يقول المحاربون العرب القدامى، لسلاح الجو الإسرائيلي وأنزل به خسائر فادحة..

        ومن هنا راح المعلق العسكري جان فرانسوا لي يقول يوم 27 أكتوبر "لقد انتصر الإسرائيليون عام 1967 بفضل تفوقهم الجوي الكامل، إذ بنشاطهم الجوي يضمحل هذه المرة في القتال والقصف، ويرى بعض الخبراء العسكريين أن مبدأ التفوق قد يعاد النظر فيه على ضوء أحداث الجولة العربية الإسرائيلية الرابعة.. ويؤكد البعض أن هذا المبدأ قد انهار تماما".

        ومن هذه الإنجازات عاشرا: الميدان التكنولوجي.. فقد كانت الاستراتيجية الحربية الإسرائيلية تقوم على أساس التعويض عن الكثرة البشرية العربية، بالتفوق النوعي، وخاصة في المجال التكنولوجي بكل جوانبه.. وخاصة أن تطور الأسلحة الحربية قد أصبح بالغ التعقيد، وأن إدارة الحرب واستخدام الأسلحة، والتدرب عليها قد بات يعتمد إلى حد كبير على الفيزياء والكيمياء والرياضيات، قدر اعتماده على الشجاعة والإيمان، فالمعادلة الصحيحة أن السلاح بالرجال، والرجال بالسلاح..

        وقد أجاد المقاتل العربي في الحفاظ على هذه المعادلة، وأظهر تفوقا بارزا في تكنولوجيا الحرب، وكانت إسرائيل تزعم كما قالت مجلة نيوزويك الأمريكية يوم 21 أكتوبر "أن العرب لن يستطيعوا اللحاق بإسرائيل في ميدان التكنولوجيا قبل القرن الحادي والعشرين، ولكن حرب أكتوبر قد أثبتت أن ثقة إسرائيل في تفوقها التكنولوجي قد سقطت".  وذهبت مجلة الأوبزرفر إلى أبعد من ذلك فقالت في 20 أكتوبر "يبدو الآن أن مصر قد لحقت بإسرائيل بل وسبقتها تكنولوجيا" وأردفت مجلة تايم يوم 5 نوفمبر القول "بأن الصواريخ المصرية قد جعلت العصر الذي كانت فيه الدبابات والطائرات تسود ميدان القتال يذهب في ذمة التاريخ".

ومن هذه الإنجازات الحادي عشر: ويأتي ذلك على رأس هذه الإنجازات انهيار كثير من الأساطير، أساطير عن إسرائيل التي لا تقهر، وأساطير عن العرب الذي يغُلبون، وعلى الدوام يغُلبون، أساطير عن الجندي الإسرائيلي المقاتل، المدرب، المغامر، الشجاع، المعجزة، وأساطير عن الجندي العربي، المهلهل المهدل، الذي يحسن الحلاب والصر، ولا يحسن الكر والفر.. فلقد سقطت جميع هذه الأساطير عن الجانب الإسرائيلي وعن الجانب العربي على السواء.. فلم تعد إسرائيل هي القوة التي لا تقهر، فقد قُهِرت.. ولم تعد الأمة العربية هي التي تجيد الحماسة الهوجاء ولا تجيد القتال.. فقد قاتلت حقا وأجادت حقا.. وفي هذا الصدد يقول جورج ليزلي رئيس المنظمة اليهودية في ستراسبورج في 29 أكتوبر "لقد أسفرت الجولة الرابعة عن كارثة كاملة بالنسبة لإسرائيل، فنتائج المعارك والانعكاسات التي بدأت تظهر عنها في إسرائيل تؤكد أهمية الانتصارات التي أنهت الشعور بالتفوق الإٍسرائيلي وجيشها الذي لا يقهر وأكدت كفاءة المقاتل العربي وتصميمه وفاعلية السلاح الذي بيده" والفضل ما شهدت به الأعداء.

        ومن هذه الإنجازات، الثاني عشر: سقوط نظرية الأمن الإسرائيلية، فقد دأبت إسرائيل بعد أن احتلت الأراضي العربية، تقول أنها في حاجة إلى حدود، آمنة للدفاع عن نفسها.

        ولقد استطاعت أمريكا أن تقحم هذه النظرية على قرار مجلس الأمن رقم 242، بالإشارة إلى "الحدود الآمنة المعترف بها" فجاءت حرب أكتوبر المجيدة، لتثبت بوقائع الميدان أن احتلال الأرض العربية لا يمنح الأمن لإسرائيل، وقد ذهبت جريدة الديلي تلجراف اللندنية إلى هذا الرأي فقد قالت في عددها الصادر في 15 أكتوبر "بأن أسطورة الأمن الإسرائيلي قد تحطمت تماما" وبعد ذلك بيومين في 17 أكتوبر رددت جريدة لومانيتيه الفرنسية نفس الرأي فقالت "إن الأحداث الخطيرة التي تجري الآن في الشرق الأوسط توجه ضربة قاتلة لنظرية الحدود الآمنة كما يفهمها حكام تل أبيب".

        ومن هذه الإنجازات، الثالث عشر: سقوط أسطورة أخرى، وهي أن المخابرات الإسرائيلية لا تخفى عليها خافية , تسمع دبيب النمله في الليله الليلاء  وقد اكتسبت المخابرات الإسرائيلية شهرة عالمية بأنها تأتي في الطليعة مع المخابرات الأمريكية، وأن لها مراكز في جميع أنحاء العالم، بل إنها تستطيع أن تقدم خدمات جليلة، لأية دولة عظمى.. وجاءت حرب أكتوبر لتهوي بهذه الأسطورة على وجهها إلى الأرض، فقد أخذت إسرائيل على حين غرة في هذه الحرب.. ولم يسع الجنرال بارليف، صاحب الخط الدفاعي الذي حمل اسمه، إلا أن يعترف في التاسع من ديسمبر إلى جريدة الصندي تايمز "بأن العرب هاجمونا ونحن في غفلة".. بل إن جولدا ماير نفسها، لم تستطع إلا أن تفصح عن هذه الحقيقة فيما كتبته عن حرب أكتوبر، حين اعترفت أن إسرائيل "كانت مخطئة في كل توقعاتها عن وقوع الحرب في الوقت الذي وقعت فيه، وكان الاعتقاد السائد لدى المخابرات الإسرائيلية أنه سيكون لدى إسرائيل إنذار كاف قبل أن تنشب الحرب".. ولم تكن المخابرات الإسرائيلية وحدها هي التي أسقط في يدها في حرب أكتوبر، بل إن "سيدتها وأستاذتها" المخابرات الأمريكية، قد لقيت نفس المصير مما اضطر الحكومة الأمريكية "أن تقيل ثلاثة من كبار رجال المخابرات في نهاية شهر أكتوبر، فقد كانت هنالك دلائل تشير إلى أن وزارة الدفاع الأمريكية غير راضية عن تقارير المخابرات التي تلقتها عن الإجراءات الحاسمة حول الحرب في الشرق الأوسط" وذلك ما قالته المجلة الأمريكية يو إس نيوز آند وورلد ريبورت..

        ومن هذه الإنجازات، الرابع عشر: أن إسرائيل قد نزلت بها، ولأول مرة في حروبها مع العرب، خسائر جسيمة في العتاد والرجال والأموال.. ذلك أن إسرائيل لم تكن تتكبد خسارة تذكر في الحروب الثلاثة الماضية.. ولم تكن تتوجع أو تنفجع من الحرب في الماضي، أما هذه المرة فقد ذاقت طعم الحرب حقا، وعرفت مرارة الخسائر وفجيعة الضحايا.. فقد ذكر المسؤولون العسكريون الإسرائيليون، على حد قول وكالة اليونايتدبرس في 29 أكتوبر "أن الخسائر الأولية لإسرائيل في حرب أكتوبر تقدر بحوالي ألف دبابة ومائتي طائرة وعشرة آلاف قتيل وجريح".. والخسائر في الجانب الاقتصادي جسيمة إلى حد كبير، ويكفي أن نشير إلى أن مجلة نيوزويك الأمريكية قد أعلنت في اليوم الحادي عشر من شهر نوفمبر "أن حرب أكتوبر قد كلفت إسرائيل غاليا، ولولا وقف إطلاق النار لوجدت تلك الدولة الصغيرة نفسها وقد اقتصرت في معيشتها على الكفاف، إن الحزام مشدود الآن على البطون في إسرائيل إلى أقصى درجة ممكنة".

        والأرقام في هذا المجال أبلغ من البلاغة وأفصح من الفصاحة، فقد أعلن وزير المالية الإسرائيلي في مقابلة أجرتها معه الإذاعة أن تكاليف "حرب يوم الغفران بلغت في الأيام الأربعة الأولى بالنسبة لإسرائيل أربعة مليارات ليرة إسرائيلية" وذلك معناه خسارة مليار ليرة إسرائيلية في اليوم الواحد.. كما أعلن الوزير الإسرائيلي نفسه وهو يقدم الميزانية في ربيع العام التالي، أن "الحرب كلفت إسرائيل واقتصادها ثلاثين مليار ليرة إسرائيلية، يساوي ذلك ما يزيد قليلا على سبعة مليار دولار" على حين أن حرب الأيام الستة قد كلفت إسرائيل ما يزيد قليلا على أربعة مليارات ليرة إسرائيلية.

        تلك هي منجزات حرب أكتوبر تتمثل في سقوط مجموعة من الأساطير نسجتها إسرائيل حول نفسها، وأعانت عليها في الماضي حروب العرب الثلاثة نتيجة للارتجال والفساد، والإهمال.. كما تتمثل في مجموعة أخرى من الحقائق الباهرة تتصدى لتلك الأساطير، تثبت قدرة الجندي العربي على القتال، بفن وعلم وشجاعة ورجولة، واستعداد كامل للبذل والفداء والاستشهاد، ولكن هذه الإنجازات على عظمتها وروعتها، يتوجها الإنجاز الكبير الخطير.. وهو الإنجاز الروحي والمعنوي.. والمعركة، أي معركة، لا تقاس بالمكاسب الإقليمية، ولا بخسائر السلاح والعتاد والرجال، بقدر ما تقاس بالآثار الروحية والمعنوية التي تخلقها في "عقل" هذا الفريق أو ذاك.. وهنا فإننا نستطيع أن نؤكد أن نتيجة حرب أكتوبر كانت باهرة رائعة في هذا المجال.. فلقد أصيبت إسرائيل بالفزع الأكبر إلى أعماق فؤادها وهي تتابع أنباء المعركة في سيناء والجولان.. وها لها أن تعلم أن الجيش المصري قد عبر القنال، واخترق الساتر الترابي، وحطم خط بارليف وثبت أقدامه على أرض سيناء، وراع إسرائيل كذلك أن تعلم أن الجيش السوري قد اخترق خطوط الدفاع الإسرائيلية في الجولان، وعبر خط آلون، وأصبح يطل على بحيرة طبريا والحولة مهددا المناطق الحيوية في إسرائيل.

        والإسرائيليون أنفسهم لم يستطيعوا أن "يعقلوا" هذا الهلع الأكبر.. حتى ولو لم يستطيعوا التعبير عنه بعبارات مخففة ملطفة، بل انطلقت ألسنتهم وأقلامهم تعطي العالم كله صورة نابضة عن إحساسهم ومشاعرهم.. فراحوا يصفون حرب أكتوبر بأنها الإعصار، وأنها الزلزال.. وأنها الكابوس.. ولم يكن هذا التعبير من صنع الإعلام العربي، ولكنه هو التعبير الذي أطلقه الإعلام الإسرائيلي.. وذلك ما اعترفت به جريدة يديعوت أحرونوت حين وصفت حياة الإسرائيليين أثناء حرب أكتوبر، بقولها "إننا نحس كما لو كنا نعيش بعد زلزال أصاب بلادنا".

        ثم إن "زلزال أكتوبر" هو عنوان كتاب إسرائيلي ألفه، زئيف شيف المراسل العسكري لجريدة هارتس، وهو كاتب له قيمته الأدبية في إسرائيل ويملك ثقافة عسكرية واسعة.. وفي الكتاب نظرات وتحليلات عسكرية مثيرة تتناول جوانب حساسة من حرب أكتوبر.

        وينقل المؤلف الإسرائيلي على لسان اللواء حوفي أحد القادة الإسرائيليين قوله "لقد كانت أكبر مفاجأة بالنسبة لي في حرب أكتوبر أنها نشبت" وينقل عن الجنود الإسرائيليين في اليوم الأول للمعركة، حين انصبت عليهم النيران المصرية الكثيفة قولهم "كابوس، كابوس" ثم يصف الروح المعنوية الهابطة للجنود الإسرائيليين بقوله "لقد كانت هذه هي الحرب الأولى بالنسبة لجيش الدفاع الإسرائيلي التي يقوم فيها الأطباء بمعالجة عدد كبير جدا من الجنود الذين أصيبوا بصدمة في المعركة.. وكان كثيرون منهم نسوا أسماءهم.." ونقل عن الضابط الإسرائيلي الذي هاله وصول الجنود العراقيين إلى الجبهة السورية للاشتراك في المعركة، قوله بذهول "إنهم قادمون بجموعهم".. ثم يلخص الشعور العام في إسرائيل بعبارة رهيبة حين يقول عن إسرائيل إنها "كانت لن تكون".. وأن حرب يوم الغفران قد زعزعت إسرائيل من راسها.. ويشير إلى تساؤلات الإسرائيليين المذعورة بقوله "فجأة أثارت حرب أكتوبر، أسئلة كانت موضوعة على الرف طول الوقت، هل سنبقى نقاتل إلى الأبد.. وهل هناك أمل للصمود في حروب جديدة في الوقت الذي تتزايد فيه فروق الكميات لصالح العرب وفي الوقت الذي يسيطرون فيه على الكنوز الطبيعية وعلى مخزون النفط.. ومرة أخرى ظهر هناك خطر على وجود الدولة.. وهل سيرتدع العرب عندما يصبح في أيديهم سلاح يمكن به ضرب أي مكان في إسرائيل".  ثم يتحدث بمرارة بالغة، أن "الجيش الإسرائيلي بقي محافظا لسنين طويلة على تقاليده بعدم ترك جرحى في ساحة المعركة، إلا أنه في حرب أكتوبر ترك جرحى وأصحاء في أرض العدو، كما ترك دبابات مع أطقمها سواء من الجرحى أو من غير الجرحى، وواجه القادة العسكريون مشكلة خطيرة وهي: هل يضحون برجال آخرين من أجل تخليص المصابين؟؟" وكثير من أمثال هذه المقتبسات التي تكشف بجلاء قاطع أن حرب أكتوبر قد هزت "روح" إسرائيل إلى أعمق الأعماق، وغمرتها بالرعب الشامل، وهذا هو أوخم عواقب الحروب حين تصاب بها الشعوب.

        ولو تركنا انطباعات المعلق العسكري هذا، فإننا نجد أن أكبر الشخصيات السياسية والعسكرية في إسرائيل قد فضحت أحاسيس الفزع والهلع التي انتابت إسرائيل في حرب أكتوبر والدلائل متوافرة، لا تعوزنا.

        وهذا "رئيس" إسرائيل إبراهام كاتزير، العالم الفيلسوف، وقد ابتلي بحرب أكتوبر بلاء قبيحا، راح يدعو قومه أن يتخلوا من غطرسة الماضي وأسطورة إسرائيل التي لا تقهر.. وفي حديث مشوب بروح مرتجفة ناشد الإسرائيليين بقوله: "لقد كنا نعيش فيما بين أعوام 1967-1973 في نشوة لم تكن الظروف تبررها، بل كنا نعيش في عالم من الخيال لا صلة له بالواقع، وهذه الحالة النفسية هي المسؤولة عن الأخطاء التي حدثت قبل حرب أكتوبر، وفي الأيام الأولى من الحرب.. ويجب على الإسرائيليين أن يتحملوا مسؤولية هذه الأخطاء، وعلينا أن نتعلم بعد هذه الحرب الفظيعة أن نكون أكثر تواضعا" وهذا كلام من رئيس إسرائيل، وكأنه جالس على كرسي الاعتراف، لا على كرسي الرئاسة، يكشف بكل وضوح روح الفزع التي أمسكت بتلأبيب إسرائيل وألقت بها في وهاد من الهزيمة النفسية الراجفة.

        وهذه جولدا ماير، الرئيسة الثانية بل الرئيسة الأولى في واقع الدستور الإسرائيلي، تتحدث في مذكراتها عن اليوم الأول من حرب أكتوبر، وعن الصدمة الكبرى التي أحدقت بها بعد أن اندفع الجيشان المصري والسوري في حربهما الخاطفة، وتقول عن ذلك اليوم الرهيب "سيظل الأمر يرافقني كل حياتي ولن أكون مرة ثانية الشخص الذي كان قبل يوم الغفران. وإني لا أجد موضوعا أصعب علي من الكتابة عن حرب أكتوبر، ولا أعالجها من نواحيها العسكرية، ولكن باعتبارها كارثة حديثة، أو كابوسا عاينته بنفسي وسيظل هذا الكابوس دائما معي.. في 7 أكتوبر جاءني دايان ليقول الجبهة الشمالية السورية حالتها سيئة، ويجب الانسحاب وإقامة خط دفاعي، واستمعت إليه برعب.. وقد قاتل اليهود في حرب أكتوبر، الآباء والأبناء، ومن هنا جاء الاقتراح بتسميتها حرب الآباء والأبناء، بدلا من حرب الغفران.. كنا نقاتل من أجل الحياة.. كانت أطول حرب حاربناها باستثناء حرب 1948، ولقد انقطعت الصلة بين جنودنا وعائلاتهم، واشتد القلق.. نحن شعب صغير، نحن نكره الحرب والموت.." إلى آخر هذه العبارات التي تنبض كل كلمة فيها بالهلع والفزع، وهي التي تصدر من السيدة جولدا ماير، التي قال عنها بن غوريون في إحدى المناسبات، إنها الرجل الوحيد في مجلس الوزراء.

        ولكن حديث جولدا ماير، عن موشي دايان وزير الدفاع الإسرائيلي، الذي جعلت منه إسرائيل "البطل الأسطورة" بعد حرب الأيام الستة، فقد أصبح أشبه ما يكون برجل هوت عليه صاعقة وجعلته حطاما على الأرض، وحين تصفه في مذكراتها تقول "دايان ليس إنسانا صلبا، لقد رأيته محطما حينما عاد من جنازات جنودنا".. لقد دفعت الأمهات بالأطفال عليه وهم يصيحون: "لقد قتلت آباءهم" وجمهور المشيعين في الجنازة رفعوا قبعاتهم في وجهه وقالوا له "يا قاتل" وأين هذه الصورة عن هذه الروح الإسرائيلية الهلعة المنخلعة، من مشهد الأمهات العربيات وهن يستقبلن جثث شهدائهن بالزغاريد كأنهن في مواكب الأعراس والأفراح، ومن هي الأم الإسرائيلية التي تستطيع أن تباري المغنية المصرية المعروفة، السيدة شريفة فاضل، سقط ابنها بطلا شهيدا في المعركة، وراحت تنشد أغنيتها الشهيرة "أم البطل" بشمم وإباء، وعزم وإيمان..

        ولا تكتفي جولدا ماير بذلك، بل أنها تروي واقعة مثيرة جرت بينها وبين ريتشارد كروسمان وهو السياسي البريطاني اليساري المعروف بعطفه على إسرائيل.. والقصة ممتعة حقا، ولكنها تظهر بوضوح أن حرب أكتوبر قد خلعت "قلب" إسرائيل كلها شعبا وحكومة.

        تقول جولدا ماير، في مذكراتها، أن ريتشارد كروسمان قد زار إسرائيل بعد حرب أكتوبر، وقد دهش للحالة النفسية الهابطة التي عمت المجتمع الإسرائيلي، فبادر جولدا مائير متسائلا "ماذا جرى لكم جميعا.. لقد أصبحتم مجانين" وتساءلت جولدا ماير بدورها قائلة "قل لي يا رتشارد ماذا يحدث عندكم لو أن شيئا من هذا قد حصل عندكم في إنجلترا" وتعقب جولدا ماير على ذلك وتقول "لقد استغرب سؤالي جدا، ووقع منه كأس القهوة وأجابني بقوله: "أتظنين أنه لم يحدث عندنا شيء مثل ذلك.. ألم يرتكب تشرشل أخطاء أثناء الحرب العالمية الثانية ألم تكن لنا معركة دانكرك ونكسات أخرى، ومع هذه فلم ننظر إلى هذه الأمور هذه النظرة المتجهمة" والمواطن العربي، لو أنه غرز مجهرا في قلب إسرائيل عن تلك الأيام السوداء ما استطاع أن يكشف أكثر مما كشفته جولدا ماير في حديثها عن حرب أكتوبر.

        وكائنا ما كان الأمر، فليس بمقدوري أن أمسك عن اقتباس آخر جاء في الفصل الأخير من مذكرات جولدا ماير، ففيه يستطيع أن يسمع المواطن العربي نواح إسرائيل على ما جرى في حرب أكتوبر، حين تقول: "إن كلمة "زلزال" هي التي كانت على كل شفة في إسرائيل لتعبر عما أصابنا من الضياع والخسارة.. وظن كروسمان أننا مبالغون في الوصف".

        وفي السطور الأخيرة من مذكراتها، انطلق من قلمها السؤال الكبير الخطير.. "الجميع يتساءلون وما هو المستقبل؟" وفي هذا السؤال عن المستقبل، عن المجهول عن الوجود واللا وجود.. نرى شبح الهلع والفزع وهو يلف إسرائيل من الرأس إلى أخمص القدمين.

        وحتى، قبل أن تنشر جولدا ماير مذكراتها، سبقتها الصحف الإسرائيلية في كشف الحقائق عن حرب أكتوبر، وخاصة في حديثها عن "البطل الأسطورة" موشي دايان وزير الدفاع الإسرائيلي، فقد استعرضت الجريدة الإسرائيلية هاعولام هازيه، أحداث اليوم الثاني من حرب أكتوبر فقالت: "إن الجنرال موشي دايان قد انهار في اليوم الثاني من حرب أكتوبر عندما حطمت القوات المصرية كافة الهجمات الإسرائيلية في سيناء، ووصلت القوات السورية إلى مسافة لا تتجاوز خمس دقائق من وادي الأردن وأوقعت خسائر جسيمة في الدبابات والطائرات الإسرائيلية.. وتحول دايان إلى رجل محطم".

        وكذلك فإن الصحافة العالمية قد انتبهت إلى الهلع الذي أصاب إسرائيل .. ففي التاسع عشر من أكتوبر أذاعت وكالة الأنباء الفرنسية، لمراسلها في تل أبيب، وهو شاهد عيان وآذان، قوله "إن الشعور بالألم يسود شوارع إسرائيل حيث الوجوه مقطبة وجامدة، ولم يحدث من قبل أن تركت حرب مثل هذا الشعور بالحسرة والمرارة في إسرائيل، إنه لم يعد يتردد في إسرائيل اليوم سوى سيرة الموت هنا وهناك".

        ولا أريد أن أسترسل في المقتبسات الكثيرة على هذا المنوال، فهذه وغيرها، تفهم العالم بأسره، والحكم العربي المعاصر إذا شاء أن يتعلم، أن إسرائيل مجتمع رعديد، يخاف الموت، كما قالت جولدا ماير، وكل انتصاراته السابقة مرجعها أن العرب لم يحاربوا في الماضي.. وأن إسرائيل لا تستحق تهنئة على انتصاراتها السابقة، تماما كما اعتذر قائد روماني شهير عن قبول التهنئة حينما انتصر، وقال كلمته الشهيرة "أنا لم أنتصر، فالقائد الخصم لم يحارب، قدموا إليه التهنئة فإنه سبب انتصارنا"..

        ولقد أطلت بعض الشيء، لا لمجرد السرد والتاريخ، فإن حرب أكتوبر قد نزلت في التاريخ وانتهى أمرها.. ولكني أردت من وراء ذلك أن أضع أمام المواطن العربي تلك الصورة العربية الشامخة، حقا، حتى ننتقل إلى المسيرة السياسية العربية التي جاءت بعد حرب أكتوبر، ونتساءل هل كانت تلك المسيرة السياسية شامخة، حقا، وعلى مستوى توأمها الشقيق المسيرة العسكرية..

        إن منطق الحرب ودم الشهداء، وكرامة الأمة العربية، وأهدافها القومية، بل إن الحرب، أية حرب، كل أولئك يقول ويؤكد أن السياسة التي تلي الحرب يجب أن تكون في مثل مستواها وأعلى.. فالحرب لا تشن للحرب ولكن لتحقيق أهداف سياسية قومية.. والحرب هي الوسيلة، والسياسة هي الغاية والهدف.

        والمسيرة السياسية تبدأ حينما تنتهي مسيرة الحرب، وحينما تضع الحرب أوزارها، تبدأ السياسة عملها وحركتها.. وها قد مضى على المسيرة السياسية العربية (ثلاثة) أعوام، لتدخل عامها الرابع.. ويطرح السؤال نفسه، بل يثور السؤال، كالبركان الفائر وماذا حققت السياسة العربية؟؟

        والواقع أنه قبل هذا السؤال يثور سؤال مبدئي، وهل كانت السياسة العربية منذ بدايتها إلى يومنا هذا متوازية مع الإنجازات الكبرى التي حققتها حرب أكتوبر المجيدة.. وللإجابة على هذا السؤال لا بد لنا من أن ننظر إلى الميزان، كما ينظر البائع والشاري إلى كفتي الميزان.. وفي قضايا الحرب فإن الوضع الاستراتيجي للفريقين المتحاربين هو الميزان.

        والمصادر الأمريكية، وكلنا يعلم الموقف الأمريكي المساند لإسرائيل، تقول بصراحة، ما بعدها صراحة "أن الميزان الاستراتيجي في الشرق الأوسط قد مال بعد حرب أكتوبر 1973 لصالح العرب" وذلك ما تقوله وكالة ن.ى.ت. للأنباء في الحادي عشر من نوفمبر أي بعد أسبوع من وقف إطلاق النار في الجبهتين المصرية والسورية.

        وقد سبقت إلى هذا الرأي جريدة يوركيز بوست فقد كتبت في 15 أكتوبر تقول.. إن هناك أمرا واحدا مؤكدا تماما الآن، وهو أن العرب أصبحوا في الوقت الحاضر في مركز تفاوضي أقوى كثيرا مما كانوا عليه من أسبوع مضى، وأن إسرائيل قد أصبحت في مركز أسوأ مما كان العرب أو أي أحد يعتقده ممكنا قبل بداية الحرب.

        وأحسب أن كلمة الفصل في هذا الموضوع يمكن أن نلتمسها في الاستنتاجات التي عرضها الجنرال أندريه بوفر أحد فلاسفة الحرب المعاصرين في الندوة التي عقدها في أكاديمية ناصر العسكرية العليا في 15 نوفمبر 1973.. فبعد أن أبدى إعجابه الشديد "بالعمل الذي أنجزته القوات المسلحة المصرية والسورية وللتقدم الذي أظهرته هذه القوات في الميدان.." انتهى إلى القول بأن النجاح العظيم الذي حققه العرب في هجومهم يوم 6 أكتوبر "يكمن في أنهم حققوا تأثيرا سيكولوجيا هائلا في معسكر الخصم، وفي المجال العالمي الفسيح، وبقي عليهم أن يفكروا في نتائج هذا التأثير على العالم ليحصلوا على مؤازرته وتأييده".

        وبدلا من الاستماع إلى هذه النصيحة الغالية، بل إلى هذا التحذير الصارخ، كما عبر عنه الجنرال بوفر، فإن الحكم العربي المعاصر قد سلك الدرب المعاكس تماما.. إنه لم يفكر تفكيرا عميقا في نتائج النجاح العظيم الذي حققته حرب أكتوبر، ولا في التأثير السيكولوجي الهائل الذي أحدثه في معسكر الخصم وفي المجال العالمي الفسيح على حد تعبير الجنرال بوفر.

        أجل أن الحكم العربي المعاصر قد أهدر ذلك "النجاح العظيم".. وقد أضاع التأثير السيكولوجي الهائل.. فقد اختط "سياسة" دون مستوى "الحرب" وراح يلهث وراء "تسوية سلمية" بددت الإنجازات "العسكرية".

        كان ذلك ما يخشاه الجنرال بوفر تماما.. فقد أعرب عن مخاوفه من "أن توافق إسرائيل على التوصل إلى تسوية باعتبار أنها أفضل وسيلة لبث الفرقة بين العرب" وهذه كلماته من غير زيادة ولا نقصان، أعلنها من غير لبس ولا إبهام في الأكاديمية العسكرية في القاهرة.

        وقد جاءت الأيام والأعوام مصداقا لما كان يخشاه الجنرال بوفر، الفرنسي غير العربي، فوقع الحكم العربي المعاصر في سوء تفكيره وتدبيره، ولاحت في الأفق معالم تسوية هزيلة لا تبث الفرقة بين العرب فحسب، ولكنها تفضي، إذا استمرت إلى إهدار أقدس قضية عربية عرفها التاريخ منذ غزوات التتار وحملات الصليبيين..*

        وفي الفصول التاليات سنعرف كيف أكلت السياسة العربية أمجاد الحرب العربية.. "ويا لك قطة أكلت بنيها".

 

 

 

 

 

حربنا المجيدة..

انقصفت في ريعان الشباب

 

        في السادس من أكتوبر، رفع الإنسان العربي رأسه عاليا شامخا، يكاد أن يخترق السماء، فقد طلع فجر النصر، وآذنت شمس الاحتلال الإسرائيلي بالغروب والشحوب، وها هي الإذاعات تحمل إليه كل يوم، أنباء الانتصارات المجيدة تحققها القوات العربية فتحطم خط بارليف في سيناء، وخط آلون في الجولان.. وعاش الإنسان العربي أياما حلوة بهية، تداعبه الأحلام والمنى أن الأمة العربية تمد ذراعيها إلى سيناء والجولان والضفة الغربية تحتضنهما من جديد، وأن بيت المقدس عائد إلى أهله الأطهار الأبرار .. وأن الطريق إلى عكا ويافا وحيفا غير بعيد، إنه آت وكل آت قريب.

        وبعد السادس من أكتوبر أنشد المواطن العربي في كل بقاع الأرض، في الوطن وفي المهجر، إلى أجهزة الإعلام، المقروءة والمسموعة والمرئية، العالمية والمحلية، يستطلع أخبار البطولات العربية الماجدة التي يخطها المقاتل العربي على أرض سيناء والجولان بدمه الزكي، ويتابع سيرة المعركة قرية قرية وموقعا موقعا..

        ولم تكن هذه هي الأماني العذاب التي تخامر عامة الناس، بل إن المفكرين العرب قد تغذت عقولهم على لهب الحماسة فراحوا يفكرون، وعن حق، كما يفكر رجل الشارع.. وقد قرأ المواطن العربي للأستاذ محمد حسنين هيكل حديثه الأسبوعي بصراحة، وفي 19 أكتوبر بالذات ويقول فيه "إن الهدف في هذه المرحلة ليس قطعة من الجولان أو سيناء، وليست المشكلة هي القدس أو الضفة الغربية أو قطاع غزة أو حقوق الفلسطينيين.. إن المشكلة أعمق وأبعد.. إنها تتصل بمستقبل إسرائيل، وإن لم يكن ذلك منظورا الآن.. فإذا أفلح العرب بأن يحرروا بالقوة أرضهم المحتلة في يونيو 1967، فماذا يمنعهم فعلا في مرحلة مقبلة من تحرير فلسطين بكاملها".

        ولم يكن الإعلام العربي ليشفي غليل المواطن العربي المتعطش إلى أنباء النصر، فسياسة الإعلام كانت مقتصدة وعلى صواب.. وبالتحديد فقد كان المواطن العربي تواقا أن يستمع إلى الرئيسين السادات والأسد، وهما اللذان خططا للمعركة على أحسن وجه، وأفلحا في المباغتة الكبرى التي خلخلت صواب إسرائيل وزلزلت كيانها.

        واستمع المواطن العربي أول ما استمع إلى خطاب الرئيس الأسد في اليوم الأول من المعركة فكان خطابه عاما غير محدد، يتسم بالحيطة والحذر، ويبث الأمل والعزم والحمية، واقتصر على القول "إننا اليوم نخوض معركة الشرف والعزة دفاعا عن أرضنا الغالية، عن تاريخنا المجيد، عن تراث الآباء والأجداد.  بعزيمة صلبة وتصميم قاطع على أن يكون النصر حليفنا.." ثم أردف يقول "إن جماهير أمتنا من المحيط إلى الخليج.. كلها أمل وثقة بأننا إلى النصر سائرون..".

        وقد استمع المواطن العربي إلى خطاب الرئيس الأسد، وهو يكتم أنفاسه عند كل عبارة بل عند كل كلمة، فقد كان السادس من أكتوبر هو اليوم الكبير لتحقيق الحلم الكبير.. وكانت كل كلمة عن المعركة كأنها وحي من السماء أو تنزيل من التنزيل..

        وجاء اليوم الخامس عشر من شهر أكتوبر، بعد تسعة أيام من المعركة، فاستمع المواطن العربي مرة أخرى إلى الرئيس حافظ الأسد هو يلقي خطابا ثانيا.. ابتدأه بكلام محدد المعالم والمعاني فقال "اليوم أحدثكم وقد اتخذت المعركة شكلها الحقيقي، شكل حرب تحرير كاملة، كان أول إنجازاتها تحرير الإرادة العربية من عوامل الضغط عليها، وستكون خاتمتها بإذن الله تحرير الأرض التي طال شوقها إلى أبنائها.." وواصل الرئيس الأسد حديثه قائلا.. "لقد واصلت قواتنا تقدمها حتى طردت قوات العدو من جبل الشيخ، والقنيطرة، وجبين، والخشنية، والجوخدار والعال وتل العزب والرفيد وغيرها من قرى الجولان ومواقعه، ملحقة بالعدو هزائم الكيان الصهيوني في داخله.." واستطرد الرئيس الأسد، بعد ذلك، ليقول، لقد سارع العدو إثر خسائره وهزائمه في الأيام الأولى للقتال، إلى الاستعانة بالقوى الأجنبية يستمد منها العون، وخاصة في سلاح الطيران وبهذا المدد الذي جاءه سريعا.. ركز العدو على قطاع واحد من جبهتنا.. فاستطاع أن يحقق خرقا محدودا في خطوطنا.. وستظل قواتنا تضرب قوات العدو حتى نستعيد مواقعنا في أرضنا المحتلة، ونمضي بعد ذلك حتى نحرر الأرض كلها"، وفي إنذار موجه إلى أمريكا من غير أن يذكرها بالاسم، قال الرئيس حافظ الأسد، "وأقول للذين يدعمون باطل إسرائيل وعدوانها، إن عليهم أن يرجعوا إلى أنفسهم، وأن يفكروا بما سيجره موقفهم العدائي على مصالحهم الكثيرة في الأرض العربية، إنهم باستعدائهم جماهير أمتنا يفجرون غضبها، وحين تغضب الشعوب لا تستطيع قوة أن تقف في طريقها".. وتوجه الرئيس الأسد بعد ذلك يخاطب الشعب السوري بقوله "فلنوطد أنفسنا على المضي في حرب التحرير حتى نهايتها المظفرة، نمضي فيها بنفس طويل، مؤمنين بالله، واثقين بأنفسنا.. على أن نصنع النصر بأيدينا..".

        استمعت الجماهير العربية في تلك العشية إلى خطاب الرئيس الأسد، وهي تقف عند كل عبارة وأفئدتها مشدودة إلى السماء، وقد اشتد إيمانها بالنصر وهي تسمع أن المعركة أصبحت معركة تحرير كاملة.. وستكون خاتمتها تحرير الأرض وأن القوات العربية قد طردت العدو من مواقع كثيرة في الجولان.. وأن المعركة ماضية بنفس طويل حتى نهايتها المظفرة.. وأن على أمريكا أن تأخذ حذرها من غضبة الأمة العربية.

        ولم يتزعزع إيمان المواطن العربي حين استمع إلى الرئيس السوري وهو يشير إلى "الخرق المحدود" الذي حققته إسرائيل في الخطوط السورية بالمعونة العسكرية الأمريكية، فإن الحرب سجال ولا بد أن نسترد ما فقدنا، كما قال الرئيس الأسد في خطابه..

        ثم إن الجماهير العربية لوت أعناقها وآذانها وأفئدتها صوب القاهرة في اليوم السادس عشر من أكتوبر، بعد عشرة أيام من المعركة حين أعلنت إذاعتها أن الرئيس السادات سيتحدث إلى الشعب المصري والأمة العربية عن المعركة.. وفي الساعة المحددة كانت الأمة العربية في حالة "جلوس" جماعي في المنازل والمقاهي والشوارع والحدائق لتستمع إلى خطاب الرئيس السادات.. ولا بد أن يكون حديثه هو فصل الخطاب، وسيحمل للأمة العربية بشائر النصر المؤزر، بعد الهزائم الساحقة الماحقة التي نزلت بها.

        وقد صادف أن جاء خطاب الرئيس السادات بعد يوم واحد من خطاب الرئيس حافظ الأسد، وتطلعت الأمة العربية لتستمع إلى المزيد عن سير المعركة.

        وهنا لا بد لنا من وقفة قصيرة أمام هذا الخطاب، فقد تضمن أمورا هامة لا يزال المواطن العربي يستذكرها كأنه سمعها بالأمس.. ذلك أن مصر هي الأكبر والأعظم، عربيا ودوليا، وسياسيا وعسكريا.

        عرض الرئيس السادات في بداية خطابه إلى مقدمات المعركة، وإلى الإنجازات العسكرية الضخمة التي حققها جيش مصر في السادس من أكتوبر، وحيا الجيش السوري تحية حارة، ثم قال "كنا معا طلائع المعركة.. ولسوف نواصل القتال، ولسوف نتحدى القدر.. سوف نواصل جميعا دفع ضريبة العرق والدم حتى نصل إلى هدف نرضاه لأنفسنا وترضاه أمتنا بنضالها في هذه المرحلة الخطرة.." وتحدث عن حال إسرائيل في الحرب فقال "قواتنا العسكرية تتحدى اليوم قواتهم العسكرية وها هم في حرب طويلة.. وها هم أمام استنزاف نستطيع نحن أن نتحمله بأكثر وأوفر مما يستطيعون.." ومضى يحدد هدف الحرب قائلا "إننا لم نحارب لكي نعتدي على أرض غيرنا (!!) وإنما حاربنا ونحارب وسوف نواصل الحرب، لاستعادة أراضينا المحتلة بعد العام 1967، ولإيجاد السبيل لاستعادة الحقوق المشروعة لشعب فلسطين واحترامها.." وتحدث بعد ذلك عن الولايات المتحدة فقال "إنها الدولة التي اختلفت مع العالم كله.. وإن غرضها الأول هو وقف القتال والعودة إلى خطوط ما قبل 6 أكتوبر.. وكان يمكن أن نغضب من هذا المنطق المعكوس.. ولكنا لم نغضب لأننا نثق في أنفسنا.. وإن الولايات المتحدة بعد المبادرة التي رفضنا مجرد مناقشتها اندفعت إلى سياسة لا يمكن أن نسكت عليها.. ذلك أنها أقامت جسرا جويا سريعا تنقل به المعونات والمساعدات العسكرية لإسرائيل.. ونحن نقول لهم إن هذا لن يخيفنا".. واستطرد الرئيس السادات بعد ذلك، مهددا أمريكا فقال: "نحن خريطة الشرق الأوسط وليست إسرائيل.. إن مصالحكم كلها عندنا وليست عند إسرائيل..".

        استمع المواطن العربي إلى كلمات الرئيس السادات، فازداد حماسة واعتزازا، ذلك أنه حتى ذلك اليوم كانت الحرب متأججة على الجبهتين السورية والمصرية، وكان الرئيسان السادات والأسد يتربعان على جبهة الأمة العربية بأسرها، ويمدان ساقيهما على الوطن العربي أجمع..

        ولم يكن المواطن العربي في الواقع، محتاجا إلى حماسة فقد تصاعدت حماسته إلى عنان السماء ولكنه كان كحال المؤمن الذي يقول "ولكن ليطمئن قلبي" فقد بدأت الإذاعات الأجنبية تنقل أخبارا غير سارة عن مسيرة المعركة، والمحاولات الدولية لوقف إطلاق النار.. فجاءت كلمات الرئيس السادات عن مواصلة القتال.. والنفس الطويل، وتهديد أمريكا، مدعاة لطمأنينته فوق حماسته.

        غير أن المواطن العربي ما كاد يفرغ من حديث الحرب في خطاب السادات حتى أصيب بصدمة كبرى كأنما نزلت على رأسه صاعقة صعقت بها كل جوارحه.. فقد انتقل الرئيس السادات إلى الحديث عن السلام.. والمواطن العربي لا يفهم "السلام" إلا حين يتحقق الجلاء الكامل عن الأرض العربية بكاملها ومعها فلسطين.. أو على الأقل الجلاء إلى خطوط 1967.

        وإذا كان الإنسان كما قال العلماء هو حيوان ناطق، فالإنسان العربي هو حيوان ناطق، ينطق سياسة في ليله ونهاره، فقد ابتلي بمصيره منذ مئات السنين بين يدي الاستعمار ولا هم له إلا "الوطن" والحديث في السياسة، وقد اشتد هذا "الطبع" السياسي بعد كارثة فلسطين وبعد احتلال إسرائيل للأرض العربية في سيناء والجولان.

        ولهذا.. لم يكد يبدأ الرئيس السادات حديثه عن رسالة السلام التي وجهها مكشوفة إلى الرئيس الأمريكي نيكسون حتى أصابه ما يصيب الحصان حين يجفل وهو في أقصى سرعته أمام مشهد مخيف لا يستطيع بعده أن يجري خطوة واحدة إلى الأمام.

        ومع هذا فقد راح المواطن العربي يستمع باهتمام إلى مشروع السلام كما أعلنه الرئيس السادات، فقد وجد فيه مجموعة من المعاني تهدئ روعه، فقد بادر الرئيس السادات إلى القول "إننا قاتلنا وسوف نقاتل لتحرير أراضينا المحتلة عام 1967.. ولإيجاد السبل لاستعادة الحقوق المشروعة لشعب فلسطين ونقبل قرارات الأمم المتحدة والجمعية العمومية ومجلس الأمن.. وإننا على استعداد لقبول وقف إطلاق النار على أساس انسحاب القوات الإسرائيلية من كل الأراضي المحتلة فورا.. وإننا على استعداد فور إتمام الانسحاب من كل هذه الأراضي أن نحضر مؤتمر سلام دوليا في الأمم المتحدة سوف أقنع به رفاقي من القادة العرب المسؤولين.. وسوف أحاول جهدي أن أقنع به ممثلي الشعب الفلسطيني، وذلك لكي نشارك معا ومع مجتمع الدول في وضع قواعد وضوابط لسلام في المنطقة يقوم على احترام الحقوق المشروعة لكل شعوب المنطقة.. ونحن لسنا على استعداد في هذا كله لقبول وعود مبهمة أو عبارات مطاطة.. تستنزف الوقت.. ما نريده الآن هو الوضوح في الغايات والوضوح في الوسائل".. ثم ختم الرئيس خطابه بتحذير إلى أمريكا دون أن يذكرها بالاسم فقال "إننا نوجه التحذير بعد التحذير لكي نعطي الجميع فرصة يراجعون ولعلهم يتراجعون.. ونحن بعون الله قادرون بعد التحذير على أن نوجه الضربة بعد الضربة ولسوف نعرف متى وأين وكيف إذا أرادوا التصاعد بما يفعلون.. وإن الأمة العربية لن تنسى أعداء هذه الساعات الذين يقفون مع عدوها..".

        وبقدر ما جفل المواطن العربي من كلمة "السلام" حينما وردت في سياق خطاب الرئيس السادات إلا أنه تجرعها ولو على مضض لأنه رأى "مؤتمر السلام" بأكمله مرهونا أولا ومسبقا بالانسحاب الفوري من الأراضي العربية المحتلة، وبتنفيذ قرارات الأمم المتحدة ومن أهمها عودة اللاجئين إلى وطنهم وديارهم.

        وأقول "جفل" المواطن العربي من إطلاق حمامة السلام على يد الرئيس السادات، وهي التي كانت يومئذ تحمل رحى الحرب قوية، لا لأنه يريد الحرب أو أنه كاره للسلام بطبعه.. أبدا إن المواطن العربي إنسان مسالم بفطرته وتقاليده وعقيدته، ولكن كيف يكون سلام مع العدوان والاحتلال، وكيف يكون صلح على الوطن، والسلام لا يستقر في الوطن إلا بعد الجلاء والجلاء التام.

        وكائنا ما كان الأمر فإن تلك المقاطع في خطابي الرئيسين السادات والأسد انغرست وانفرزت عميقة في عقل المواطن العربي ووجدانه من المحيط إلى الخليج.. فقد كانت جماهير الأمة العربية تعيش تلك الأيام مع المعركة ساعة بساعة، وتستمع إلى الإذاعات ساعة بساعة، وتترقب النصر الذي أوشك أو كاد.

        ومضت بضعة أيام، والأمة العربية تمشي في الأرض مرحا وفرحا تكاد  "أن تخرق الأرض وتبلغ الجبال طولا" حتى جاء الثاني والعشرون من أكتوبر يحمل إليها النبأ الصادع الصاعق.

        وكان النبأ الموجع المفجع أن مجلس الأمن قد أصدر قرارا يدعو جميع الفرقاء المتحاربين "بوقف إطلاق النار وجميع الأعمال العسكرية، فورا، وفي موعد لا يتجاوز اثنتي عشرة ساعة من صدور القرار".

        وقف إطلاق النار! هكذا خرجت الصيحة من صدر كل مواطن عربي، من المحيط إلى الخليج، وقد كان منذ أيام معدودات، يستمع إلى الرئيسين السادات والأسد، صاحبي قرار الحرب الشهير، وهما يعدان بالحرب الطويلة النفس، وبتحرير الأرض العربية بكاملها، وأن لا سلام إلا بعد الجلاء عن الأرض العربية المحتلة بكاملها.

        والتفت المواطن العربي إلى الإذاعات العربية، وهو بين مصدق ومكذب فإذا بإذاعة القاهرة تعلن قبول وقف إطلاق النار.. وذهل المواطن العربي وهو يستمع إلى النبأ، وانقطع الإحساس بينه وبين كيانه، فلم يعد "قادرا" على الحزن أو الغضب، أو البكاء.. لا حسا ولا ركزا..

        وأدار المواطن العربي أذنيه صوب الإذاعة السورية فلم يستمع إلا حديثا عن الحرب.. والمضي في الحرب، فازداد حيرة على حيرة، ولاح له بارق من الأمل، ومضي يومان، والقيادة السورية ملتزمة جانب الصمت بالنسبة إلى قرار وقف إطلاق النار..

        وبقي الستار مسدولا على المسرح السياسي العربي، قرابة أربعة أيام أخرى إلى أن ألقى الرئيس حافظ الأسد خطابه الثالث في التاسع والعشرين من أكتوبر، فتحدث عن قرار مجلس الأمن حديثا فاجأ فيه الأمة العربية حين قال: "كان صدور هذا القرار مفاجأة لنا، بل إننا لم نعلم بوجود مشروع القرار إلا بعد أن تناقلته دور الإذاعة ووكالة الأنباء"، ثم ذكر الأسباب التي حملت سوريا على قبول قرار مجلس الأمن، كما فعلت مصر.

        وكانت صدمة مروعة أصابت المواطن العربي مرتين.. الأولى حين قبلت مصر قرار مجلس الأمن في الثاني والعشرين، والثانية حين قبلته سوريا في الخامس والعشرين.. حاربا معا في يوم واحد وساعة واحدة، حقيقة لا مجازا.. وفي النهاية قبلا وقف إطلاق النار في غير توقيت واحد.. وكانت هذه أول خطوة إلى الوراء في السياسة العربية بعد الحرب العربية المجيدة.

        وهبط المواطن العربي من السماء على الأرض، وقعد القرفصاء بعد تلك الوقفة الشماء ذلك أن المواطن العربي ملسوع من وقف إطلاق النار، منذ حرب فلسطين سنة 1948، فقد لدغ من الأفعى لا مرتين ولكن مائتين بعد المرتين.. فكان طبيعيا أن يصاب بالذهول، وأن تتساقط الأسئلة على لسانه، تساقط الشلال الهادر.. ماذا جرى لحرب أكتوبر، ولماذا وقف إطلاق النار.. ولماذا سكت مجلس الأمن ستة عشر يوما بعد نشوب القتال.. ولماذا يقبل الحكم العربي المعاصر قرار مجلس الأمن.. وأين وصل القتال..

        كانت هذه الأسئلة الثائرة تلح على المواطن العربي، وهو في حيرة تضطرم في أعماق نفسه، وراح يعود إلى ذاكرته يسترجع الخطب الرسمية التي سمعها، قبل بضعة أيام خلت، عن الحرب العربية، عن ظروفها، ومراحلها وأهدافها وعن القتال إلى النهاية حتى تحرير الأرض العربية المحتلة..

        وتجلت الصورة كاملة أمام المواطن العربي، وخاصة بعد أن أعلن الرئيس الأسد في سياق خطابه قوله "إننا لم نحرر الأرض بعد، وإن قرار مجلس الأمن كان مفاجأة لنا ومغايرا لمسيرتنا وتصوراتنا".

        وعلى هذا الحال انتهت حرب أكتوبر، والحرب العربية الأولى التي خاضتها الجيوش العربية بكل شجاعة وبسالة وبكل إعداد واستعداد..

        وأقول أنها الحرب الأولى.. مع أنها الرابعة في الحساب الطويل.. ذلك أن حربنا الأولى عام 1948 ولدت ميتة وقد أجهضها الملوك والرؤساء بالقيادة الخائنة، والتخطيط المفقود، وتلاقي الفساد في الضمير والسلاح.. وحربنا الثانية في عام 1956 أثناء العدوان الثلاثي تغلبت فيها السياسة على الحرب.. وحربنا الثالثة في الأيام الستة المشؤومة فقد ضاعت الجيوش العربية ومعها الأرض العربية، ضحية للسياسة العربية.

        أما حرب أكتوبر فقد انتهت في ريعان الصبا، وبقيت ذكرياتها وأمجادها، ومعها الآمال التي لا تسقط، والأماني التي لا تموت.

        ومن هنا فقد كانت الأمة العربية على حق في غضبها لما انتهت تلك الحرب المجيدة، فالحرب قرار سياسي ابتهجت له الأمة، ووقف إطلاق النار قرار سياسي حزنت له الأمة.. واعتبرته أول الأخطاء السياسية بعد الحرب المجيدة.. والقيادات السياسية هي المسؤولة أولا وآخرا"..

        وأحس الرئيس السادات باستياء مصر والأمة العربية، فقد أعلن في أول مؤتمر صحفي عقده بعد صدور قرار مجلس الأمن (31-10-1973) أنه قبل القرار "لأننا فوجئنا بأسلحة أمريكية حديثة لم يستخدمها الجيش الأمريكي بعد.. ولضمان الاثنين الكبار.. ولأن القرار ينص على انسحاب إسرائيل، وبصراحة أنا ما بحاربش أمريكا، وأنا غير مستعد إني أحارب أمريكا" ثم أردف كلامه بقوله "وكان فيه رد فعل لقرار قبول وقف إطلاق النار في البلد عندي هنا وفي الأمة العربية.. وفي قواتنا المسلحة..".

        وخاضت الأمة العربية في خضم الجدل قبول القرار، وأدلى المفكرون والصحفيون العرب بدلوهم، في كل أرجاء الوطن العربي.. وكانوا قبل بضعة أيام قد أصدروا بيانا ناشدوا فيه الدول العربية "أن تزيد من تضامنها في المعركة وأن لا تلقي الجيوش العربية سلاحها حتى يتم تحرير الأرض العربية" وقد وقع على البيان عدد من أحرار العرب، مصريون وسوريون وعراقيون وفلسطينيون، ومن مختلف بقاع الوطن العربي..

        وأذكر أني التقيت بعدد من هؤلاء الإخوان بعد أن مضى زمن على انتهاء حرب أكتوبر، وفتحوا الحوار في بيتي حول قبول قرار مجلس الأمن، وانتشرت الأسئلة مع إطباق الدخان، وكان أهمها:-

- هل انهار الموقف العسكري حتى لم يبق بديل إلا قبول قرار وقف إطلاق النار..

- هل اتفق العملاقان المتصارعان، أن تنتهي المعركة عند الخطوط التي انتهت إليها، فلا نصر كاسح للعرب، ولا هزيمة ساحقة لإسرائيل.

- وأمريكا هذه التي حالت بيننا وبين النصر هل نغسل أيدينا منها، أم نعود لنتعامل معها.

- وهل صحيح أن القوات الإسرائيلية كانت تهدد القاهرة ودمشق، وهذا ما حمل على قبول وقف إطلاق النار.

- ولماذا لا تؤلف لجنة تحقيق عربية نزيهة للتحقيق في الأسباب التي أدت إلى قصور حرب أكتوبر عن تحرير الأراضي العربية المحتلة، وهذه إسرائيل ألفت لجنة تحقيق لتدرس الأسباب التي حالت دون النصر، نصر إسرائيل. لقد استبدلت القيادة السياسية في إسرائيل بعد حرب أكتوبر فهل سيبقى الحكم العربي على حاله من غير تبديل ولا تعديل.

        وطبعا فإن الحوار لم ينته في تلك الأيام، ولم ينته إلى يومنا هذا، ووقف إطلاق النار يدخل عامه الرابع، ولكني اكتفيت في ختام الجلسة أن أقول للأخوة الزائرين: احمدوا الله ولا يحمد على مكروه سواه.. ووقف إطلاق النار مكروه حقا.. ولكن احمدوا الله..

قالوا: -نحمد الله على ماذا..

قلت: -احمدوه على خمسة أمور.. أولا، لأن حرب أكتوبر هي الحرب الحقيقية الأولى التي خاضتها الأمة العربية، وثانيها لأن الحرب استمرت ستة عشر يوما، وثالثا، لأن إسرائيل قد خسرت لأول مرة كثيرا من أبنائها وسلاحها، ومن روحها، وهذا هو الأهم رابعا، لأن إسرائيل لم تنتصر، وكانت واثقة من النصر، وكان العالم يشاطرها هذه الثقة، خامسا أن الأمة العربية لم تهزم مثل هزيمة الأيام الستة، كما كانت إسرائيل تتوقع ومعها العالم كذلك.

وقال الأخوة: -لقد وسعت الأمر أكثر مما يجب، وبسطته أكثر مما يجب وخلطت السلبيات بالإيجابيات.

قلت: -أريد أن أعزي نفسي معكم فيما هو أخطر وأفدح..

قالوا: -وما هو الأفدح والأخطر.

قلت: -لقد ابتليت الأمة العربية بعد حرب الأيام الستة بالقرار الشهير 242، أما بعد الحرب المجيدة فقد ابتلينا بقرار جديد له رقم جديد هو 238، اتفق عليه العملاقان الكبيران روسيا وأمريكا، وستنشغل به الأمة العربية عددا من السنين، كما انشغلت بالقرار السابق سبع سنين.

        قالوا: -وما جوابك عن الأسئلة الباقية..

        قلت: -الأمور العسكرية المحضة لا أريد الخوض فيها، ففيها كثير من الأسرار التي لم يكشف عنها بعد، وستظل زمنا طويلا طي الكتمان، وإن لجنة تحقيق نزيهة هي التي تستطيع أن تصل إلى الحقيقة، إذا كان إلى الحقيقة من سبيل عند الحكم العربي المعاصر.

        قالوا: - وهل من تبديل أو تغيير في الحكم العربي.

        قلت: - لا تبديل ولا تغيير، إن الحاكم الذي يستبدل هو الذي وصل إلى الحكم بإرادة الشعب، أما الذي يصل إلى الحكم عن غير طريق الشعب، فإنه لا يزيله إلا حاكم آخر يأتي عن طريق الشعب.. وتلك هي مسيرة الحكم العربي المعاصر.. في معظم الأحوال، منذ عهد الاستقلال إلى يومنا هذا، وأرجو أن يطلع على الأمة العربية فجر جديد..

        وانتهى الحوار تلك الليلة عند الفجر، وما طلع الفجر الجديد!!

        وعادت حليمة لعادتها القديمة..

        وسيطلع الفجر الجديد، وما هو ببعيد..

 

 

 

 

 

 

 

 


 

 

وعادت حليمة..

                                  لعادتها القديمة

     

في السادس من اكتوبر، تنفست الأمة العربية الصعداء، ورفعت يدها إلى السماء، وهي تدعو الله العلي القدير أن تكون الحرب العربية المجيدة انسلاخا من عهد بغيض، وإقبالا على عهد جديد، يصون القضية  العربية ويؤذن بالعزة القومية.

لقد كانت الأعوام التي سبقت حرب أكتوبر، هي السنون العجاف التي ابتليت بها الأمة العربية، فقد وقعت فيها حرب الأيام الستة التي ألحقت بالأمة العربية عارا لم تصب بمثله منذ حملات الصليبيين وغزوات التتار.

ولم يكن احتلال الأرض العربية هو العار وحده، فالتاريخ حافل بوقائع الاحتلال من دولة على دولة، ولكن "تاج" هذا العار الذي طلب إلى الأمة العربية أن تضعه على رأسها، وعلى مفرقها بالذات، هو القرار الشهير رقم 242 الصادر في نوفمبر من عام 1967.

وفي الفصول السابقة استعرضنا شرور هذا القرار وسوأته وكيف أنه وضع قبضة إسرائيل في عنق الأمة العربية  فلا تنفك عنها ولا عن الأرض العربية المحتلة إلا الصلح... على الوطن.

 

واستعرضنا كذلك، وبإسهاب، كيف حاول السفير السويدي يارنج، بكل أمانة ونزاهة، أن يحمل إسرائيل على الجلاء عن الأرض العربية..... وكيف قدم الجانب العربي تنازلات وتراجعات لتحقيق هذا الهدف، فلم تفلح تلك الجهود من قريب أو من بعيد، وبقيت إسرائيل على إصرارها وعنادها، تقبل بالانسحاب إلى الواقع الذي تريده، وترضى بالصلح ولكن على شروطها....

وكان هذا الموقف، من غير شك،  مجافيا للحق والعدل ودواعي الأمن والسلام، ولكنه في واقع الحياة الدولية، غير مستغرب، وهكذا يكون التعامل بين الغالب والمغلوب، ومن لم يرض فأمامه البحار السبعة، يشرب حتى يرتوي ويكتوي..

        كانت تلك هي حياة المرارة والذل والضياع التي كانت تعيشها الأمة العربية، وأحسب عن يقين، أن تلك هي الأسباب التي حملت الرئيسين السادات والأسد على أن يعدا ويخططا لحرب أكتوبر، وحسنا فعلا.. وإذا كانت تلك الحرب لم لحقق تحرير الأرض العربية، إلا أنها حققت إنجازات كثيرة وكبيرة.. بسطناها في فصلين كاملين.

        ومن أجل ذلك، فقد كان طبيعيا ومنطقيا، وضرورة قومية، أن تخرج الأمة العربية من المرحلة الذليلة الهزيلة السابقة، وتدخل في مرحلة عزيزة كريمة.. أو أقل ذلا وعارا.. وذلك أهون الشرين.. ولكن العكس هو الذي جرى، على غير ما تتمنى الأمة العربية، ذلك أن مسيرة السياسة العربية راحت تزداد التصاقا بالمرحلة السابقة، وتتخذها ركيزة للعمل القومي، وتحشد لها كل القدرات الإعلامية التي يملكها الحكم العربي المعاصر، تحاول جاهدة أن تجرعها للأمة العربية، مستخدمة لتحقيق هذا الهدف الذليل كل ما في حرب أكتوبر من أمجاد رائعة، وقيم رفيعة، وإنجازات أصيلة.

        وما كادت حرب أكتوبر أن تنتهي، حتى رأى المواطن العربي نفسه أمام عهد جديد، يتسم بالتراجع القومي.. عهد له "مدرسة" سياسية جديدة، وله دعوة "وطنية" جديدة، تقوم على "مبادئ وأسس" جديدة.

        وراحت هذه المدرسة السياسية، تسير لتحقيق دعوتها خطوة خطوة، وتعلن عن مبادئها جرعة جرعة، ثم ما لبثت أن أخذت تجهر بدعوتها، بالخطب الرسمية، وبالتصريحات الصحفية معلنة أن الموقف العربي العام عبر الخمسين عاما الماضية، هو خطأ فادح، وغوغائية فاضحة، وأنه آن الأوان للعقل أن يسود على الجهل، وحان للموضوعية والعلمية والعقلانية أن تلجم النزعات العاطفية والانفعالية والارتجال..

        وبعد التمهيد "المدفعي" لهذه المفاهيم الجديدة، أطلقت المدرسة السياسية "قوات المشاة"، لتزحف على الجماهير العربية تحت شعار التسوية السلمية لأزمة الشرق الأوسط، معلنة بكل جسارة عزمها على مصالحة إسرائيل، والتعايش مع إسرائيل والاعتراف بوجودها وسيادتها على "أرضها" وحدودها الإقليمية الأمنية، غير مبالية بأن "أرضها" هي أرضنا وأن "حدودها" هي في صميم وطننا.

        وقد فتحت هذه المدرسة "أبوابها" في الثاني والعشرين من أكتوبر، يوم صدر القرار الشرير رقم 338 في مجلس الأمن.. ولهذا القرار "قصة" حجبها الحكم العربي المعاصر عن الصحافة والإذاعة العربية، تماما كما حجب قصة القرار الشرير رقم 242 الذي أصدره مجلس الأمن في أعقاب حرب الأيام الستة، وأصبح لا بد لنا من العودة إلى محاضر مجلس الأمن لنتعرف على القصة من أولها لآخرها..

        في السادس من أكتوبر، حينما انطلقت القوات المصرية والسورية في هجمتها المجيدة على الجبهتين في سيناء والجولان، هرول الوزير الإسرائيلي إيبان إلى الجمعية العامة وكانت منعقدة في دورتها العادية، ووقف على منبر الأمم المتحدة يشكو إلى الوفود الدولية "العدوان الصارخ الغادر" الذي شنته سوريا ومصر على إسرائيل يوم الغفران.. وألح في لهجة متلعثمة بالخوف والفزع، عن الحاجة الملحة "لوقف سفك الدماء وإعادة الوضع إلى خطوط وقف إطلاق النار التي سبقت العدوان المصري السوري" وكانت مفارقة عجيبة من الوزير الإسرائيلي أنه أصبح في ذلك اليوم يطلب العودة إلى خطوط ما قبل القتال، وهو هو الذي رفض بنفسه من على منبر الأمم المتحدة، في الخامس من يونيو 1967 العودة إلى خطوط ما قبل القتال.. مؤكدا أن تلك الحدود قد أصبحت في مطاوي التاريخ البائد..

        ومضت الجمعية العامة، يومئذ، غير مبالية باحتجاجات الوزير الإسرائيلي، ولا بمطالبه، فلم تتخذ قرارا، ولم تحرك ساكنا، وتركت المصير للميدان، فتلك هي شريعة الدول منذ كانت الدول عبر التاريخ.. مع المنتصر إذا انتصر، وعلى المغلوب إذا انغلب.

        وأخذت الولايات المتحدة، زمام المبادرة بمفردها، فإن الخطر يحدق بإسرائيل، وهي ولايتها الحادية والخمسون عبر البحر الأبيض المتوسط، وكان الرئيس نيكسون في ذلك اليوم يقضي إجازته خارج واشنطن، فتولى الدكتور كيسنجر بنفسه، وباسم الرئيس الأمريكي القيام بالاتصالات الدولية لوقف القتال في الشرق الأوسط، ووجه رسالة عاجلة إلى كل من المرحوم الملك فيصل والملك حسين لاستخدام نفوذهما لوقف الحرب، ودعا مصر وإسرائيل إلى وقف القتال.. ثم دعا مجلس الأمن القومي إلى الانعقاد لاتخاذ الإجراءات اللازمة التي تقتضيها خطورة الموقف.

        ومضى يومان، والحرب مستعرة الأوار، تتطور لغير صالح إسرائيل، فسارعت الولايات المتحدة إلى اتخاذ مبادرات أخرى منها، أن الدكتور كيسنجر أعلن أن الانفراج في العلاقات بين المعسكرين معرض للانهيار، ويتحتم على الاتحاد السوفييتي أن يتحمل مسؤولياته، وأن ذلك كله مرتبط بموقف موسكو من النزاع في الشرق الأوسط، ومنها أن الرئيس نيكسون تبادل الرسائل مع بريجنيف الزعيم السوفييتي لوقف الحرب الناشئة بين العرب وإسرائيل، ومنها أن صدر الأمر إلى كتيبة أمريكية مرابطة في ألمانيا الغربية بالاستعداد للتحرك إلى الشرق الأوسط، ومنها أن طلبت أمريكا دعوة مجلس الأمن إلى الانعقاد فورا لإصدار قرار بوقف إطلاق النار.

        وانعقد مجلس الأمن في مساء يوم الاثنين، الثامن من أكتوبر، وكان المندوب الأمريكي، أول من تحدث فهو الذي طلب عقد مجلس الأمن، فأعلن إلى المجلس "أن القوات المصرية والسورية قد بدأت بالهجوم في كل من سيناء والجولان" وحدق أعضاء المجلس في وجه المندوب الأمريكي وهو يطلق هذه العبارة، وهم يستذكرون حرب الأيام الستة، قبل سبع سنوات، وكيف أن أمريكا رفضت أن تعترف بأن إسرائيل هي التي بدأت بالعدوان، وأنها هي التي سددت الضربة الأولى، واستمر الجدل حول هذه النقطة عدة أسابيع وأمريكا لا تتزحزح، مكررة القول بأنه لا داعي للدخول في التفاصيل، فالموقف غامض، والادعاءات متضاربة، ولا جدوى من أن يشغل مجلس الأمن نفسه بحثا عن بدء العدوان، ومن المسؤول عن القتال!!

        ثم انتقل المندوب الأمريكي إلى سرد اقتراحاته، فطلب أولا: وقف الأعمال العسكرية وأن تسكت المدافع.. حتى نستطيع أن نبحث الطرق المؤدية إلى السلام، وطلب ثانيا: أن يعود الفرقاء إلى المواقع السابعة للقتال، واستمع أعضاء المجلس إلى الطلب الأمريكي الثاني، وهم في دهشة بالغة للمرة الثانية، فإن الولايات المتحدة كانت في مجلس الأمن، وفي حرب الأيام الستة، قد وقفت بعناد وصرامة، ضد العودة إلى "خطوط ما قبل القتال".. كأنما هذا المبدأ الدولي المتعارف عليه لا يستخدم إلا حينما يكون في صالح إسرائيل وحدها.. أما حينما يكون في صالح العرب فإن أمريكا تنكره تماما، ولا تذكره من قريب أو بعيد..

        واقتصرت كلمة المندوب الأمريكي على هذه المطالب الأخيرة.. فقد أحس أن أعضاء المجلس ينظرون إليه في عجب عجاب، وكأنما لسان حالهم يقول: إذا لم تستح فافعل ما تشاء، وقل ما تشاء"!!

        وأعقبه بالكلام الدكتور حسن الزيات.. وزير خارجية مصر فألقى خطابا مطولا استعرض فيه أزمة الشرق الأوسط منذ حرب الأيام الستة إلى حرب أكتوبر فكان أعظم خطاب عربي ألقي في الأمم المتحدة.. لا لأنه فاق خطباء العرب السابقين منذ أن عرضت قضية فلسطين في الأمم المتحدة في عام 1947، فإن كثيرين منهم تجاوزوه في الفصاحة والبلاغة، والمنطق السياسي والدولي واعتماد المراجع التاريخية والقانونية، أما هو، الدكتور الزيات.. فقد كان خطابه أكبر أثرا وخطرا.. لقد كان المدفع وراء كلماته، وكافة الصواريخ في ثنايا عباراته.

        والوقت الذي ألقى فيه الزيات خطابه، كان سر "الصنعة" الدولية.. فقد كان خطابه في الثامن من أكتوبر، حينما كان قد عبر الجيش المصري قناة السويس، وأزاح الساتر الترابي، وحطم خط بارليف.. وحينما كان الجيش السوري قد بلغ مشارف بحيرة طبريا.. وأصبحت أقدام الجندي السوري تطأ على رأس إسرائيل..

        ثم تناول الكلام مباشرة، مندوب الصين، وكانت فرصته الذهبية ليحمل على الدولتين العملاقتين، "المتآمرتين مع إسرائيل على العدوان على الأمة العربية وعلى شعب فلسطين" وبعد ذلك هاجم سياسة الوفاق بين أمريكا وروسيا "التي تهدف إلى خداع العرب، والحيلولة بينهم وبين تحرير أراضيهم المحتلة من قبل إسرائيل عميلة الاستعمار العالمي"، وطالب في نهاية خطابه بإدانة العدوان الإسرائيلي ، وانسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية المحتلة، وتقديم الدعم والمساعدة إلى الشعب العربي في سوريا ومصر والشعب الفلسطيني في كفاحهم لمقاومة العدوان واستعادة الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني..

        وطلب الوزير الإسرائيلي أبا إيبان الكلمة فألقى خطابا موجزا لا يتجاوز صفحة، وما رأيت له كلمة هزيلة مهتزة أسوأ حالا من تلك الليلة، وكانت بيني وبينه مساجلات مطولة، هائجة مائجة، عبر عدة أعوام، في الأمم المتحدة كنت فيها أدمغة بالحجة والمنطق والقانون والسياسة والتاريخ.. ولكنه كان يدفعني بشيء واحد، أنه جاثم على وطني، محتل داري..

        وختم إيبان خطابه بالعودة إلى شعار المفاوضات والتسوية السلمية وأنه "سيتكلم في جلسة مقبلة" وقالها في لهجة متلعثمة، قابلها الجمهور اليهودي في القاعة بوجوم وانكسار..

        وتعاقب على الكلام مندوب بريطانيا فتحدث عن وقف القتال، ومندوب الاتحاد السوفييتي مشيدا بالوفاق الدولي ومراحل أزمة الشرق الأوسط.. وانتهت الجلسة في أقل من ساعتين، دون أن يتكلم أحد من المندوبين الآخرين، ودون أن يتخذ المجلس أي قرار، كأنما أراد المجلس أن يترك القرار للميدان، ميدان المعركة، ثم يأتي بعدها ميدان السياسة، وتلك هي الشريعة الدولية، وذلك هو موقف مجلس الأمن وسلوكه، ينتصر للمنتصرين، وينكسر أمام المنكسرين..

        وانعقدت الجلسة الثانية، في اليوم الثاني التاسع من أكتوبر فتكلم مندوبو يوغوسلافيا، وفرنسا، والنمسا، وسوريا، والاتحاد السوفييتي، والهند، وكينيا، وبناما، وغينيا، وبيرو، وإسرائيل، وإندونيسيا والسودان، وكانت الكلمات في معظمها مؤيدة للموقف العربي، وختمت الجلسة دون أن يصدر عنها أي قرار، وترك حبل القتال على غاربه، يتجه إلى حيث يستطيع غاية وسبيلا..

        ولكن هذه الجلسة تميزت بأمور مثيرة.. أولها أن المندوب السوري، كزميله المصري في الجلسة السابقة، ألقى خطابا مطولا شرح فيه مراحل الأزمة في كل أدوارها، وكانت مدفعية الجيش السوري في الميدان هي التي تقذف بكلماته إلى قاعة مجلس الأمن، وثانيها أن المندوب الإسرائيلي تهجم على الاتحاد السوفييتي بوقاحة وبذاءة، فبادله المندوب الروسي الاتهام بنفس اللهجة والعملة، وليته رد عليه بمزيد من الصواريخ المتطورة يرسلها إلى الجبهة المصرية والسورية، حتى يتولى الجندي العربي تأديب إسرائيل في الميدان.. وثالثها أن المندوب المصري الدكتور الزيات، وجه سؤالا عاليا إلى الولايات المتحدة عن صحة الإشاعات "التي تقول أن أمريكا تمد إسرائيل بالعون العسكري".. غير أن السؤال العالي لم يصل إلى مسامع المندوب الأمريكي، فلم يؤكد ولم يكذب، ولاذ بالصمت من غير جواب.. ورفعت الجلسة.. بعد أربع ساعات طوال عراض..

        واستؤنفت الجلسة الثالثة، في الحادي عشر من أكتوبر، وتكلم فيها كل من مندوب غينيا وبيرو والمملكة العربية السعودية والمملكة المتحدة، والاتحاد السوفييتي، وكانت خطبهم تدور حول أزمة الشرق الأوسط بصورة عامة.. وقد اشترك في المناقشة مندوبو مصر وسوريا وإسرائيل، وتعادلت الحدة والشدة في الكلمات والعبارات.. ففي ذلك اليوم الحادي عشر بدأت أمريكا بالعون العسكري لإسرائيل.وبدأت إسرائيل تأخذ أنفاسها في الميدان .. ورفعت الجلسة إلى اليوم التالي .

 واستؤنفت الجلسة بعد ظهر اليوم التالي – 12اكتوبر فكان مندوب نيجيريا اول المتكلمين وتبعه مندوب كينيا فأيد الموقف العربي , ثم تحدث كل من مندوب استراليا وروسيا وإسرائيل وسوريا ومصر ولم تتجاوز الجلسة ساعتين، كان معظم الكلام فيها ردودا متقابلة متساجلة، وتأجلت الجلسة إلى أجل غير مسمى.

        وامتد هذا الأجل غير المسمى تسعة أيام بكاملها، لم ينعقد خلالها مجلس الأمن، ولم يقترح أحد من الأعضاء دعوته.. وقد يخيل للمرء أن هذه الأيام التسعة قد مرت هادئة ساكنة، وليس فيها ما يدعو إلى انعقاد مجلس الأمن وهو الجهاز الأعلى للأمم المتحدة المسؤول عن الأمن والسلام في العالم.

        ولكن الواقع أن هذه الأيام التسعة، كانت هي أخطر الأيام في الحرب العربية الإسرائيلية، وبالتأكيد فقد كانت أخطر أيام الحرب والسلام في العالم بأسره، لذلك العام وربما لأعوام كثيرة منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها..

        ففي هذه الأيام التسعة تركت أمريكا مجلس الأمن عند المناقشات التي انتهى إليها في الليلة الفائتة، الثاني عشر من شهر أكتوبر، وبدأت حملتها الكبرى لمساندة إسرائيل، عن طريق "الجسرين" الجوي والبحري، رأسا إلى مطارات وموانئ إسرائيل، وتم تحريك الأسطولين السادس والسابع إلى البحر الأبيض المتوسط، ثم الاستنفار النووي للقوات الأمريكية، كما بسطناه في فصل سابق.. وما انتهى إليه الأمر من تمكين إسرائيل من استرداد مواقعها في الجولان وجبل الشيخ وزيادة، واختراق القوات الإسرائيلية لثغرة الدفرسوار، ومنها إلى الضفة الغربية لقناة السويس.

        وفي العشرين من أكتوبر بعد أسبوعين من الحرب، وبعد أسبوع من توقف مجلس الأمن عن الانعقاد، فوجئ العالم الدولي بالناطق الرسمي الأمريكي وهو يعلن أن "الرئيس الأمريكي نيكسون وافق على إيفاد وزير خارجيته الدكتور كيسنجر إلى موسكو بناء على طلب الحكومة السوفييتية ليجري مباحثات مباشرة مع الزعماء السوفييت حول الوسائل الكفيلة بوضع حد للحرب في الشرق الأوسط" مفاجأة واضحة في كلام صريح.

        ووصل الدكتور كيسنجر إلى موسكو في اليوم ذاته، ومن المطار ذهب الوزير الأمريكي إلى الكرملين واجتمع بالمستر بريجنيف السكرتير العام للحزب الشيوعي.. ولم تمض أربع وعشرون ساعة على زيارة كيسنجر إلى موسكو حتى أعلن المتحدث باسم البيت الأبيض "أن أمريكا وروسيا قد توصلتا إلى اتفاق على مشروع قرار لوقف إطلاق النار ولتسوية النزاع في الشرق الأوسط، وأن الطرفين الأمريكي والسوفييتي وجها الدعوة إلى مجلس الأمن للانعقاد فورا.." وعاد الوزير الأمريكي إلى واشنطن ليبدأ مجلس الأمن أعماله ويستأنف الجلسة من جديد.

        وانعقد مجلس الأمن في الثاني والعشرين من أكتوبر، وكان يوم أحد، وكان عليه أن يعمل في يوم العطلة، بعد أن كان متعطلا في الأيام السابقة كلها.. وليس هذا فحسب بل انعقد ليلا في الساعة العاشرة والدقيقة الخامسة عشرة. وعلى المواطن العربي أن يتأمل، فذلك ما أرادته أمريكا والاتحاد السوفييتي.. "وما شئت أنت لا ما شاءت الأقدار"!!

        وافتتح الرئيس الجلسة، وهو مندوب أستراليا، ليقول بكل أدب واحترام "إني شاكر لأعضاء المجلس موافقتهم على حضور هذه الجلسة، رغما عن الإعلان القصير، وذلك بناء على رغبة عاجلة من قبل مندوبي كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي".. وما دام لفظ "الاتحاد" واردا في اسم العملاقين الكبيرين فقد بدأ أنهما اتخذا موقفا "موحدا" بشأن أزمة الشرق الأوسط!!

        وما إن بدأت الجلسة العاجلة، وجلس الأعضاء في مقاعدهم حتى كان موظفو المجلس يوزعون مشروع قرار يحمل اسم الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة مقدم منهما بالاشتراك..

        وحسب الإجراءات المتبعة، فقد بدأ المندوب الأمريكي الكلام ليشرح مشروع القرار، فقال "إن الولايات المتحدة، بالاشتراك مع الاتحاد السوفييتي، دعت لعقد هذه الجلسة تحقيقا لهدف واحد وهو اتخاذ عمل مشترك وتقديم اقتراح مشترك إلى المجلس وذلك بقصد الوصول إلى وقف عاجل لإطلاق النار، وللشروع فورا في مفاوضات بين الفريقين، تحت إشراف مناسب، تطلعا إلى بلوغ سلام عادل ودائم استنادا إلى القرار الصادر من مجلس الأمن في نوفمبر 1967.." وتابع المندوب الأمريكي كلامه قائلا "لقد وافق الرئيس نيكسون أن يطير الدكتور كيسنجر إلى موسكو بناء على دعوة من السكرتير العام بريجنيف، ونتيجة لتلك المباحثات، فالمجلس يرى أمامه مشروع القرار المتفق عليه بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وإن حكومتينا ترجوان عملا عاجلا من قبل مجلس الأمن", وتابع المندوب الأمريكي كلامه موضحا "أن مشروع القرار لا ينطبق على الفرقاء المعنيين وحدهم، ولكنه يشمل الذين اشتركوا بالقتال بإرسال وحدات.. وأخيرا فإني أريد أن أبلغ المجلس بأننا نحن، الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة نعتقد بأنه يجب تبادل الأسرى بصورة عاجلة.. كما نعتقد أن المجلس يؤدي مساهمة كبيرة في تحقيق الأمن والسلام وذلك بأن يتبنى هذا المشروع فورا"..!!

        وواضح أن المندوب الأمريكي كان يتكلم أصالة عن الولايات المتحدة ونيابة عن الاتحاد السوفييتي، فضلا عن أن خطابه في مجموعه كان يجسد موقفا عملاقيا يتسم بالطغيان والسيطرة على أعضاء المجلس، وكأنما لسان حاله يقول، هذه نتيجة مشاوراتنا، وهذا هو قرارنا، أمامكم، وعليكم أن تتبنوه فورا..

        وثمة موضوع تعرض له المندوب الأمريكي باسمه وباسم الاتحاد السوفييتي، دون أن يكون واردا في مشروع القرار، وهو مسألة تبادل الأسرى.. وسنعالج في فصل مقبل الاهتمام الصارخ لإسرائيل بشأن الأسرى الإسرائيليين، لنرى كيف أن موضوع بضع مئات من الأسرى الإسرائيليين قد استحوذ على اهتمام العملاقين العظيمين، دون أن يقولا كلمة واحدة عن مليونين من اللاجئين الفلسطينيين، الذين قضوا ربع قرن في الخيام، بعيدين عن وطنهم وديارهم..

        وبعد المندوب الأمريكي، تحدث شريكه، المندوب الروسي فقال "إن الحالة في المنطقة تهدد بصورة جدية السلام الدولي.. مما يحتم على مجلس الأمن أن يتخذ الإجراءات العاجلة للمطالبة بوقف سفك الدماء وتحقيق تسوية عملية سلمية، على أساس قرار مجلس الأمن رقم 242 الصادر في 22 نوفمبر 1967.. وفي الوقت الحاضر، ونتيجة للمشاورات، فإن الاتحاد السوفييتي بالاشتراك مع الولايات المتحدة قد تقدما إلى المجلس بمشروع قرار يدعو إلى وقف لإطلاق النار، وللتنفيذ العملي العاجل لقرار مجلس الأمن رقم 242 لتسوية سياسية في الشرق الأوسط".. وفي إشارة ضمنية إلى الوفاق الدولي تابع المندوب السوفييتي حديثه قائلا "إن التطورات الخطيرة في أحداث الشرق الأوسط، تناقض تخفيف التوتر الذي تحقق مؤخرا،  وأصبح الواجب يقضي أن تتجه الأمور نحو تسوية عادلة وسلمية، والوقت لا ينتظر" وختم المندوب السوفييتي كلامه قائلا "إن الاتحاد السوفييتي يعتبر أنه يتوجب على مجلس الأمن أن يعمل فورا بموجب الميثاق، وأن يصدر القرار اللازم في هذا اليوم، وفي جلسة المجلس هذه، والاتحاد السوفييتي يدعو جميع أعضاء مجلس الأمن أن يفعلوا ذلك".

        وواضح من كلام المندوب السوفييتي أن "العملاق" يتكلم، عما فعل زميله الأمريكي، فقد شرح مشروع القرار المشترك ولم يكتف بمطالبة المجلس أن يتبنى القرار، ولكن أن يتبناه "في هذا اليوم وفي هذه الجلسة".

        ثم تناول الكلام المندوب البريطاني مبتدئا حديثه بأن "حكومته تملك معرفة جيدة بالمصاعب التي يجب التغلب عليها، مما يصعب معها الاعتقاد بأن تسوية ما يمكن الوصول إليها غدا" وكان ينقص هذا الحديث الصحيح اعتراف صريح، بأن تلك "المصاعب" بل والمشكلة كلها هي من صنع السياسة الاستعمارية البريطانية، ولن يغفر التاريخ لبريطانيا دورها الغاشم في خلق هذه المأساة الإنسانية.

        ولم يخف المندوب البريطاني، في خطابه، انزعاجه من تعبير المفاوضات تحت الإشراف المناسب، فقد فهم منها، وهو على حق، أن روسيا والولايات المتحدة قد اتفقا أن يحتكرا أزمة الشرق الأوسط بين أيديهما وأن يستأثرا "بمنافعها" وحدهما.

        ولم يخل كلام المندوب البريطاني، كذلك، من إشارة ماكرة، حين قال "إن حكومتي تأمل أن توقف كل من روسيا وأمريكا شحن الأسلحة إلى المنطقة.. لقد توقفنا نحن حينما بدأت الحرب..".

        وتحدث المندوب الإفرنسي، فأيد مشروع القرار الأمريكي السوفييتي بصورة عامة، وكما فعل زميله البريطاني فقد أكد "أن المفاوضات تحت الإشراف المباشر" لا تعني إلا شيئا واحدا وهو إشراف مجلس الأمن.. وتابع كلامه ليوجه صفعة إلى الاتحاد السوفييتي وأمريكا بقوله "إن مشروع القرار الذي أمامنا تصبح له فعالية كاملة وفرصة لاستعادة السلام، فقط إذا كان مفهوما أن الدولتين اللتين تقدمتا به تنويان أن توقفا بأسرع ما يمكن شحناتهم الضخمة من الأسلحة إلى المتحاربين"..

        وهكذا أثارت شحنات الأسلحة، شهية الحليفين بريطانيا وفرنسا، فوجها انتقادهما إلى روسيا وأمريكا معا تحت شعار السلام، وكان لكل منهما في الماضي دور خطير في تخريب السلام، ودور أخطر في شحن الأسلحة إلى بلد السلام.

        ثم تكلم مندوبو كل من الهند وكينيا، وبناما، وإندونيسيا، والسودان، والنمسا، ويوغوسلافيا، والسعودية، وكانت معظم بياناتهم مؤيدة لوجهة النظر العربية.

        وانبرى مندوب الصين، في كلام موجز، حاد كالسيف ليقول "إن ما فعلته الدولتان العظميان في مجرى الأحداث قد كشف عن مقاصدهما، وكذلك عن تآمرهما في الشرق الأوسط، وعن محاولتهما فرض حالة اللا سلم واللا حرب مرة ثانية، على الشعب العربي، والآن فإن الدولتين العملاقتين قد قدمتا بسرعة مشروع قرار ملفق من اختراعهما إلى مجلس الأمن، طلبتا بالموافقة عليه فورا، دون أن تتركا فرصة للتشاور بين أعضاء المجلس، ولحصول الأعضاء على تعليمات من حكوماتهم.. إن هذا الإجراء في فرض الإرادة على المجلس هو شيء غير معقول، ونحن لا نوافق عليه.. ولذلك فإن الوفد الصيني يقرر أن لا يشترك في التصويت على مشروع القرار المذكور" وكانت هذه صفعة أخرى من الوفد الصيني، سبقتها صفعات مماثلة.. وجاء بعدها كثيرات من أمثالها وأشد..

        وتحدث مندوب إسرائيل هذه المرة ولأول مرة، بنبرة عالية تنبئ أن موازين القتال قد مالت لجانب إسرائيل، وقال في هذا السباق أن إسرائيل قد نجحت في صد هجوم، لو نجح في أهدافه، لوضع أمن إسرائيل في خطر جسيم.. أما بالنسبة لمشروع القرار الأمريكي الروسي فنحن نقبله بشرط أن يكون مفهوما أنه يشمل جميع القوات المحاربة الموجودة في الجبهة من أي بلد كانوا.. وكذلك فإن وقف إطلاق النار يجب أن يعني وقف الحصار البحري في باب المندب الذي فرضته جمهورية اليمن.. وكذلك فنحن نعتبر أن إخلاء سبيل الأسرى شرطا لا يستغنى عنه في أي اتفاق لوقف إطلاق النار".

        وتكلم مندوب مصر، كلاما موجزا، فرفض الشروط التي ذكرها المندوب الإسرائيلي، ولم يتعرض لمشروع القرار بالرفض أو القبول بصورة مباشرة، واكتفى بأن يمر عليه مرور الكرام.

        وامتدت المناقشة إلى الساعة الواحدة والنصف من صباح يوم الاثنين وكانت قد انعقدت في الساعة العاشرة والربع من مساء الأحد.. وطرح مشروع القرار الروسي الأمريكي للتصويت، فرفعت الأيدي، وتمت الموافقة عليه بأربعة عشر صوتا.. أما العضو الخامس عشر، الصين، فقد أعلن أنه لا يشترك في التصويت.

        واتخذ المجلس القرار رقم 338 ونصت الفقرة الأولى منه، بشأن وقف إطلاق النار، بأن مجلس الأمن "يدعو جميع الفرقاء المشتركة في القتال الحاضر لوقف إطلاق النار وإنهاء جميع الأعمال العسكرية، فورا، خلال اثنتي عشرة ساعة منذ اللحظة التي يصدر فيها هذا القرار، وذلك في المواقع التي يحتلونها الآن".. ولفظة "الآن" فيها البلاء الأكبر، فإن إسرائيل تستطيع أن تقول على الدوام، أن خطوط وقف القتال هي هنا، أو هناك، أو هنالك..

        وقد كان واضحا من هذه الصياغة الرخوة للقرار، ومن الشروط التي سردها المندوب الإسرائيلي، أن إسرائيل لن تنفذ القرار وأنها ستلعب لعبتها المعروفة باستمرار إطلاق النار تحت شعار وقف إطلاق النار، ولم لا.. والولايات المتحدة أمدتها بأحدث أنواع الأسلحة.. والاتحاد السوفييتي ملجوم بالوفاق الدولي، وبزيارة كيسنجر إلى موسكو التي أفضت إلى اتفاق العملاقين على كل شيء..

        وصدقت الفراسة.. فإن إسرائيل استمرت في الحرب، فوسعت ثغرة الدفرسوار التي نفذت منها إلى الضفة الغربية لقناة السويس، وكذلك فإنها توغلت في الأراضي السورية بعض الشيء، وأصبحت أجهزة الإعلام الصهيونية تتحدث أن القوات الإسرائيلية تتحكم في الطريق المؤدية إلى القاهرة، وإلى دمشق.

        وطلبت مصر عقد مجلس الأمن في اليوم التالي لصدور قرار مجلس الأمن 23 أكتوبر، وتكلم الدكتور الزيات في البداية وألقى خطابا لعله أصغر خطاب ألقي في الأمم المتحدة منذ إنشائها إلى يومنا هذا، فقال "لقد طلبت عقد هذه الجلسة للنظر في موضوع عدم تنفيذ القرار رقم 338 لعام 1973 الذي صدر بالأمس، وانهيار إجراءات وقف إطلاق النار التي أمر بها مجلس الأمن"، وسكت مندوب مصر عند هذه الكلمة الموجزة.

        وتناول مندوب إسرائيل الكلام فألقى خطابا مطولا أكثر فيه اللف والدوران، منكرا أن إسرائيل قد خرقت وقف إطلاق  النار، وأن مصر وسوريا قد بدأتا الحرب، وأنه يجب عليهما أن يتحملا نتائج الحرب، وكرر المعاني التي سردها في خطاب الجلسة السابقة.

        وهنا تقدم المندوب الأمريكي بمشروع قرار جديد باسمه وباسم الاتحاد السوفييتي، يؤكد القرار السابق وحمل رقم 339 "يدعو إلى وقف إطلاق النار وجميع الأعمال العسكرية، والانسحاب إلى المواقع التي كانت محتلة من القوات، وقت صدور القرار السابق".

        وطلب مندوب الصين الكلام، فاعترض عليه مندوب الاتحاد السوفييتي مثيرا نقطة نظام، وقابله مندوب الصين بنقطة نظام، وتبادل الفريقان الكلام والاتهام، ووقع هرج ومرج في قاعة المجلس من قبل الأعضاء، ومن قبل الجمهور اليهودي في القاعة، واختل نظام الجلسة، مما اضطر الرئيس إلى رفع الجلسة وعاد أعضاء المجلس إلى ما وراء الكواليس وتم الاتفاق أن يلقي مندوب الصين خطابه، ثم يصار إلى التصويت على المشروع الأمريكي الروسي.

        وعادت الجلسة إلى الانعقاد، وتناول مندوب الصين الكلام، فألقى خطابا ساخنا حمل فيه على الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة حملة ضارية، واتهمهما بأنهما يتآمران على الأمة العربية والشعب الفلسطيني، وأن الاتحاد السوفيتي يقدم السلاح إلى الدول العربية بالقدر الذي يحقق أطماعه ونفوذه في الشرق الأوسط ويكفل له المساومة مع أمريكا لإبقاء الوفاق الدولي في إطار مصالحهما المشتركةوكان  خطاب مندوب الصين  مطولا، يعزي بترجمتة كاملا، لولا ضيق المقام، فهو يعبر عن رأى إنسان العالم الثالث المبتلى بالوفاق الدولي الذي يقرر مصير دول العالم الثالث، بعيدا عن مصالح شعوبه.

      وبعد أن فرغ مندوب الصين من مرافعته الاتهامية ضد العملاقين الكبيرين، طرح مشروع القرار الأمريكي  الروسي للتصويت، فوافق عليه أربعة عشر عضوا، وامتنع  العضو الخامس عشر، مندوب الصين، عن الاشتراك في التصويت للأسباب التي ذكرها في خطابه وانتهت الجلسة الساعة التاسعة ليلا، بعد أن خطب الأعضاء خطبهم  المألوفة المعروفة  يشرحون فيها "مفهوم" القرار في هذه العبارة، وفي هذه الكلمة وفي هذا الحرف.

      وجاء اليوم الرابع والعشرون ، فكان أخطر يوم في ساحة المعركة في الوطن، وفي ميدان مجلس الأمن في نيويورك، فقد أنعقد مجلس الأمن في الساعة السابعة مساء بناء على طلب عاجل من الوفد المصري، وابتدأ الدكتور الزيات قائلا:"هذه أوقات خطرة في تاريخ بلادنا. نريد أن نبحث انهيار وقف إطلاق النار، وانتهاك إسرائيل لقرار مجلس الأمن الذي وضعه الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة. إن حربا جديدة، عدوانا جديدا، قد اندلع في الشرق الأوسط وهو مستمر في هذه اللحظة، في هذه الساعة الواحدة صباحاً حسب توقيت القاهرة إن قواتنا في الضفة الشرقية في سيناء المصرية، تتعرض للهجوم بصواريخ  موجهة بالليزر وطائرات فانتوم الأمريكية، وفي نفس الوقت، فإن جميع القطاعات، باستثناء القطاع الشمالي، في الضفة الغربية هي ميدان لمعركة حرب غادرة، أعد لها وبدأت تحت ستار وقف إطلاق النار الذي اقترحه لهذا المجلس كل من الاتحاد السوفيتي وأمريكا، وأقره المجلسونحن نصد الهجوم.نحن سنعيش  واقفين ونحارب  ونموت واقفين، دون أن نعيش ونحن راكعين"

        وكانت مصر في ذروة هذه الأزمة العسكرية قد وجهت دعوة عاجلة إلى كل من الاتحاد السوفييتي وأمريكا لإرسال قواتهما المسلحة إلى المنطقة لحماية وقف إطلاق النار، وتطالبهما بالتدخل العسكري لوضع حد لسير المعارك الدائرة على طرفي قنال السويس.. وقد ردد الدكتور الزيات هذا الطلب المصري أما مجلس الأمن، فقال "إننا نريد عملية إنقاذ.. إننا نأمل من أمريكا وروسيا صاحبي قرار وقف إطلاق النار إنقاذ الموقف، أو بأي عمل آخر يراه المجلس مناسبا".

        ورد المندوب الإسرائيلي بأكاذيبه المعروفة، زاعما أن إسرائيل ترد على النار بالنار، مع أن التقارير كلها تشير إلى أن القوات الإسرائيلية، مدعومة بأمريكا، هي التي كانت تنتهك وقف إطلاق النار وتوسع أعمالها العسكرية.. وأمريكا التي تساند إسرائيل في معركة الحرب في الميدان، هي التي تساند إسرائيل في مجلس الأمن، حتى في وقاحتها وبذاءتها، حين قال مندوب إسرائيل في مجلس الأمن، عن مصر.. "ضربني وبكى وسبقني واشتكى" مستشهدا بالمثل العربي المعروف.. والعالم بأسره يعرف أنه لولا أمريكا ما كان لهذا الكلام الوقح ولا لصاحبه أن يكون له مكان في مجلس الأمن.. أمريكا عدو العرب القديم، وصديقهم الجديد!!

        وتكلم عدد من المندوبين، ولكن كلمة المندوب الأمريكي لفتت انتباه المجلس، لأنها كشفت عن مزيد من التوافق بين روسيا والولايات المتحدة في تلك المرحلة الخطيرة، فقد قال "رغما عن صدور قرارين اثنين من مجلس الأمن بوقف إطلاق النار، فإن القتال ما يزال مستمرا في منطقة الصراع.. ولقد اجتمع المجلس بناء على طلب مصر، وقد طلب الوزير المصري أن يدعو مجلس الأمن الاتحاد السوفييتي وأمريكا لإرسال قواتهما إلى المنطقة للإشراف على وقف إطلاق النار ولضمان تنفيذه.. وفي نفس الوقت فإن المجلس قد استمع إلى ادعاءات إسرائيل بأن مصر لم تلتزم بوقف إطلاق النار وهي بالتالي تتحمل مسؤولية استئناف القتال.. وأريد أن أقول مرة أخرى كما قلت بالأمس أنه من المستحيل معرفة الحقيقة بصدد هذه الاتهامات المتناقضة (!!) وعلى أي حال فإن الولايات المتحدة لا ترى أن تورط الدول العظمى، عن طريق إرسال قواتهما، يمكن أن يوفر حالة السلام.. إن هدفنا في الشرق الأوسط ليس خلق مجابهة عسكرية، ولكن لنشجع ضبط النفس والحذر من قبل الفريقين.. إن المستر مالك (المندوب الروسي) يعرف بأننا بذلنا كل جهودنا لتنفيذ وقف إطلاق النار.. وقد قمنا بدورنا بتنفيذ الاتفاق الذي تم بين الدكتور كيسنجر والاتحاد السوفييتي في موسكو، بروح من الصداقة، كجزء من جهدنا لتحسين العلاقات على جبهة واسعة مع الاتحاد السوفييتي" ولا أحسب أن هذا الكلام الواضح الصريح في حاجة إلى تعليق أو تعقيب، فكل كلمة فيه تنبئ على وجه اليقين أن خيوط الحرب في الشرق الأوسط كانت بأيدي الدولتين العملاقتين، وأن هاتين اليدين كانتا متماسكتين، من الرسغ إلى الإصبعين الصغيرين..

        وكذلك فإن المندوب الروسي، السيد مالك، لم يعقب على ملاحظات المندوب الأمريكي وانشغل في جدال حار مع المندوب الإسرائيلي ليدخل السرور على قلب الوفود العربية، بأنه أرغى وأزبد على المندوب الإسرائيلي، وأنه كال له الصاع صاعين.

        وانتهت الجلسة من غير قرار، وكان الوقت بعد منتصف الليل، وتأجلت إلى اليوم التالي، لتعطي إسرائيل مزيدا من الوقت لتوسيع خطوطها الأمامية في الجبهتين السورية والمصرية على السواء.. تماما، تماما، كما جرى في حرب الأيام الستة قبل سبعة أعوام.

        وانعقدت الجلسة التالية في الخامس والعشرين من أكتوبر في الساعة الواحدة والثلث بعد الظهر، مع أن رئيس الجلسة كان قد أعلن في الجلسة السابقة أنها ستعقد في "الساعة العاشرة والنصف بالضبط". وتعاقب الخطباء على الكلام، يتبادلون الآراء والاتهامات، وامتدت الجلسة حتى الساعة السادسة مساء لتعطي إسرائيل يوما آخر لتوسيع خطوطها العدوانية على الأراضي العربية.

        ورسا المجلس في النهاية على قرار ثالث (رقم 340) أكد فيه القرارين السابقين 338، 339 معربا "عن الأسف لانتهاكات وقف إطلاق النار" من غير أن يدين إسرائيل على ذلك ويطلب وقف إطلاق النار، فورا، وبصورة كاملة"..

        والواقع أنه لم يكن هنالك داع لإصدار هذا القرار، فإن إسرائيل قد أوقفت القتال، بعد أن حققت أعمالها العسكرية "حسب الخطة المرسومة" على حد قول التعبير العسكري، فقد وصلت القوات الإسرائيلية إلى الكيلو 101 على طريق القاهرة، وإلى مشارف جبل الشيخ المطلة على دمشق.. وبذلك أصبح لها "رصيد" عسكري تفاوض عليه في المراحل المقبلة.

        وهكذا انتهى مجلس الأمن من عمله، وانتهت المعركة العسكرية في الميدان، وتتجسد في موكب هذه النهاية "عادة" قديمة لإسرائيل وللدول العربية، على السواء، إسرائيل تمزق وقف إطلاق النار على الدوام، والدول العربية تحترم وقف إطلاق النار، بأدب واحتشام، وطاعة ونظام.

        ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي برزت فيها هذه العادة من جانب إسرائيل بالذات فإن "حليمة تعود لعادتها القديمة" كما يقول المثل العربي المعروف.

        ففي حرب عام 1948 خرقت إسرائيل وقف إطلاق النار عدة مرات لعدة قرارات، نذكر بعضها على سبيل الاستدلال لا الحصر: 50/194854/194861/194862/1948..

        وفي حرب 1956 أثناء العدوان الثلاثي، خرقت إسرائيل وقف إطلاق النار عدة مرات لعدة قرارات نذكر منها: 997/1956-998/1956-999/1956-1102/1956-1120/1956-1124/1957.

        وفي حرب الأيام الستة اخترقت إسرائيل وقف إطلاق النار عدة مرات لعدة قرارات نذكر منها: 233/1967-234/1967-235/1967-236/1967.

        وفي حرب أكتوبر اخترقت إسرائيل وقف إطلاق النار عدة مرات لعدة قرارات نذكر منها: 238/1973-339/1973-340/1973.

        هذا هو سجل إسرائيل في خرق وقف إطلاق النار، على مدى ربع قرن ويزيد.. وهذه هي حليمة تعود دائما لعادتها القديمة..

        وبقي على الحكم العربي المعاصر، أن يتعلم من حليمة، عادتها القديمة* .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هل يدلنا الحكم العربي

على ورقة واحدة

 

        في ظهيرة السادس من أكتوبر بدأ القتال، وفي ظهيرة الخامس والعشرين من أكتوبر انتهى القتال.. وعاد الهدوء والسكينة إلى سيناء والجولان، ودق "وقف إطلاق النار" أعلامه البيضاء على جبل الشيخ الأشم، وعلى صحراء سيناء الميساء..

        ولكن ما أن انتهى القتال، حتى بدأ الجدال.. الجدال بين الحكم العربي والمواطن العربي.. الأول يملك كل وسائل الكلام، بالإذاعة، والصحافة، والاجتماعات والمؤتمرات.. والثاني وهو صاحب الوطن، أولا وأخيراً، لا يملك من ذلك إلا حرية الاستماع.. الاستماع إلى الحكم العربي، بإقناع وبغير إقناع..

        ولهذا فقد كان طبيعيا أن معركة الجدال بين المواطن وحاكمه، لم تكن متكافئة على الإطلاق، ومع هذا فقد مضى المواطنون يتساءلون ويتجادلون بعضهم مع بعض، كلما استطاعوا، أو حيثما وجدوا إلى ذلك سبيلا، في المقاهي، والنوادي، والجامعات، الميادين، حتى في الحدائق العامة، حين يتمدد المواطن على العشب الأخضر، تتحدث نفسه إلى نفسه.. فذلك مباح في الوطن العربي من المحيط إلى الخليج.. ولعل ذلك هو المباح الوحيد الأوحد.

        وكان هذا الجدال يثور حول سؤال كبير.. هو في الحقيقة سؤال مصير خطير.. وماذا بعد حرب أكتوبر.. فقد عرف المواطن العربي مجرى السياسة العربية بعد حرب الأيام الستة.. حرب الهزيمة النكراء.. وهو الآن يريد أن يعرف وماذا بعد الحرب المجيدة..

      وراح المواطن العربي يلتمس معرفة "الوقائع" فهي التي تحدد الجواب، ولكن "الوقائع" غير ميسورة  في أجهزة الإعلام  العربي بصورة كاملة شاملة، فهي تنشر ولكنها تارة تكون مشطورة، وتارة أخرى تكون مبتورةومرة  مقلوبة على رأسها، ومرة أخرى تكون مبطوحة على بطنها، ملقاة على ظهرها.  والحاكم يفسرها ويبررها كيفما يشاء.  فإن في فمه المذياع، وبيده المقلاع، المقلاع لمن  لا يعجبه المذياع،  ولا يخلو الأمر من بعض الاستثناءات عند العباد، في بعض البلاد.

      ومن أجل ذلك فقد ولى المواطن العربي عينيه وأذنيه إلى الإذاعات الأجنبية: إذاعة الأمم المتحدة، صوت أمريكا، الإذاعة البريطانية، وكذلك و إذاعة إسرائيل، فليس على المضطر إلا ركوبها، أو سماعها.

         ووضح المواطن العربي، بعد جهد وعناء، أن قرار مجلس الأمن الذي انتهت إليه حرب أكتوبر، وقبله الحكم العربي، ينص في فقرته الرئيسية على موقف سياسي واضح،  لا يحتاج إلى ايضاح.

      تلك الفقرة الرئيسية، تدعو الفرقاء المعنيين أن يبدأوا فورا، بعد وقف إطلاق النار، بتنفيذ قرار مجلس الأمن 242/1967 بجميع أجزائه

      ثم تأتى الفقرة الرئيسية الأخرى وتقول "يقرر مجلس الأمن بأنه يجب فورا وبالموازاة مع موقف إطلاق النار، أن تبدأ المفاوضات بين الفقراء المعنيين، تحت إشراف مناسب بقصد إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط".

      وقد حسب المواطن العربي أن حرب أكتوبر المجيدة، ستنقذه من القرار الشهير الشرير الذي يحمل رقم 242، فإذا به يرى نفسه قد عاد إلى عهد الهزيمة وقرار الهزيمة، وأصبح  لسان حاله يقول فر من الموت، وفي الموت وقع والموت هنا  ليس لفظا مجازيا،  فإن القضية ، التي تواجه  الأمة العربية في هذه الأيام هي قضية حياة أو موت.

      والقرار 242، أصبح المواطن العربي، يحفظه عن ظهر قلب، فقد ردده الإعلام العربي مرات ومرات يعجز عنها التعداد والإحصاء وأصبح يعرف أن القرار ، بصورة مختصرة، يفرض الصلح  مع إسرائيل على وطن، وحدود آمنة ومعترف بها، ولا يفرض الجلاء لكامل عن الأرض العربيةو أن الأمر هون بالنهاية برضاء إسرائيل. تجلو متى تشاء، وعن الأرض التي تشاء..

        تلك هي قناعة المواطن العربي رغما عن أن الحكم العربي قد ملأ الأثير العربي كله بأن القرار نصر مجيد وجلاء أكيد، وذبح لإسرائيل من الوريد إلى الوريد!!

        ومع الأسف فإن الواقع، العلمي القانوني السياسي الدولي، هو غير ذلك.. فإن النص الكامل لقرار مجلس الأمن هو غير ذلك، ولا "مجال للاجتهاد في مورد النص" كما قال فقهاؤنا العظام، تغمدهم الله بالرحمة والرضوان.

        وكما فعل الحكم العربي على مدى سبع سنوات، ليجرع المواطن العربي، السم الزعاف الكامن في القرار 242، فقد جاء الدور على القرار 338 ليجرعه المواطن العربي على أنه ينطوي على الحل الكامل لأزمة الشرق الأوسط، الحل الشريف العادل.

        وغني عن البيان، أن مجرد القراءة العادية للقرار 338، توضح بكل جلاء أن ما كان ناقصا في القرار 242، قد جاء القرار 338 ليكمله، وما كان مشكوكا فيه حول عبارات القرار 242 فقد حسمه مجلس الأمن بالقرار 338.

        مثلا، ثار جدل حول ما إذا كان القرار 242 ينص على المفاوضات بين العرب وإسرائيل، فقال العرب أن تعبير "المفاوضات" غير وارد في القرار، وأجابت إسرائيل أن القرار ينص على "حدود آمنة ومعترف بها" كيف يمكن تحديدها والاعتراف بها من غير مفاوضات.. فانقطع هذا الجدال بعد أن نص القرار الجديد 338 على "أن تبدأ المفاوضات بين الفرقاء المعنيين تحت إشراف مناسب".

        وكذلك فقد ثار الجدال حول ما إذا كان يجب عقد اتفاق سلام بين الفريقين، فأكد العرب أن القرار 242 لم ينص على "اتفاق سلام" بينما أكدت إسرائيل أن القرار نص على تحقيق "تسوية سلمية مقبولة" فكيف يمكن الوصول إلى ذلك من غير اتفاق.. اتفاق لا بد أن يأخذ صيغة العقد.. فانتهى هذا الجدال بعد أن صدر القرار الجديد 338 ودعا الفرقاء "إلى مفاوضات تستهدف إقامة سلام دائم وعادل في الشرق الأوسط" وذلك لا يتحقق إلا باتفاق "ملحق" به خرائط تبين الحدود، وملاحق تفصل التفاصيل.

      ثم أن القرار الجديد 338 قد دعا إلى تنفيذ القرار 242 بكل أجزائه وهو القرار الذي ولد على فراش الهزيمة العربية أيام حرب الأيام الستة، فيكف يقبل الحكم العربي المعاصر بعد الحرب المجيد، العودة إلى قرار من مخلفات الهزيمة العسكرية التي منيت بها الجيوش العربية وكانت ضحيتها لا سببها

      كانت هذه هي تساؤلات الحاكم العربي نفسه، لولا أنه في دست الحكم فكم وكم شهد الوطن العربي عددا من الوحدويين أصبحوا انفصاليين حين ارتقوا إلى سدة الحكم واستعذبوا حلاوته المريرة. ثم ما لبثوا أن عادوا يدعون إلى الوحدة، بعد ان قلبهم الانقلاب فأصبحوا مواطنين عاديين لا حاكمين.

      ومن أجل ذلك، نشط الحكم العربي ليدافع عن موقفه السياسي، محاولا جهده أن يقنع جماهير الأمة العربية أن الأمر على غير ما يظنون، وأن هناك قانونية وتاريخية تؤيد موقفه وأن هناك سوابق دولية رفيعة، أعلى من قمم  جبال هملايا، وكلها تثبت أن سلوك الحكم العربي، ، حلال وطني، ومباح قومي، ليس فيه تفريط بالقضية العربية، ولا تهاون بالمطالب القومية وبكلمات قليلات فإنه يرى أن التسوية السليمة مع إسرائيل  لا ضير ولا ضرر فيها إطلاقا، فالمفاوضات مع إسرائيل لا حرج فيها، وكذلك الاعتراف  بها وكذلك عقد  الصلح  معها وكذلك حدود آمنة لإسرائيل معترف بها وكذلك مرورها في قناة السويس وخليج العقبة وكذلك الالتزام بعدم الاعتداء عليها وتهديد أمنها ..وكذلك الشرعية التاريخية والقانونية  للوطن الإسرائيلي على تراب فلسطين كل ذلك  مباح، وعلى المواطن العربي أن يهتف ويصفق.

      ويبدأ الحكم العربي بالحديث عن الصلح مع إسرائيل متسائلا، وما المانع من الصلح مع إسرائيل أن كل الحروب قد انتهت إلى صلح   الحربان العالميتان الأولى والثانية  انتهيتا إلى صلح ، وعلى هذا الأساس عقدت معاهدات الصلح. وألمانيا وفرنسا  قامت بينهما حروب متعددة وانتهى الأمر إلى سلام، وهما الآن عضوان في المجموعة الأوروبية التي تعمل على إقامة دولة اتحادية تضم أوروبا الغربية كلها، أوروبا التي كان تاريخها على مدى قرون وأجيال تاريخ حروب طاحنة، ومذابح طائفية.. وإذن، لم لا يكون الصلح مع إسرائيل..

        ثم، هذه الحرب الهندية الباكستانية التي وقعت بينهما منذ بضع سنين، وكان من نتيجتها أن انهزمت الباكستان أمام الهند، ثم صفيت الحرب وآثارها، وتم الاتفاق بينهما، وهذه الحرب بين هذه الدول وتلك، إلى آخر قائمة الحروب الكبيرة والصغيرة.. وهل الحرب العربية الإسرائيلية استثناء من ذلك كله.. ذلك ما يردده الحكم العربي المعاصر في إذاعاته وتصريحاته..

        وأضف إلى ذلك، يقول الحكم العربي المعاصر، أن سوابق الصلح متوافرة في التاريخ العربي نفسه، فهذا الرسول عليه الصلاة والسلام عقد صلح الحديبية بينه وبين المشركين.. وهذا صلاح الدين الأيوبي عقد "صلح الرملة" بينه وبين الإفرنج، وهذا الظاهر بيبرس عقد الصلح مع الإفرنج، بل هذه الحروب الطويلة في عهد الجاهلية انتهت إلى وئام وسلام، وفي مقدمتها حرب البسوس، وحرب داحس والغبراء.

        وإذا كان هذا كذلك وهو كذلك، يستطرد الحكم العربي إلى القول متسائلا: وإذن فلماذا لا ينعقد الصلح بين العرب وإسرائيل، وهذا السؤال عليه طلاء المنطق مسنودا بالتكرار والإصرار.. ولكن أين موضع هذا السؤال من الحقيقة والحق.

        وجوابا على كل ذلك، لا بد أن نقرر بادئ ذي بدء، أن كل حرب لا بد لها من نهاية، وأن هذه النهاية لا بد أن تنتهي إلى صلح، مكتوبا كان أو غير مكتوب، هذه قاعدة عامة لا خلاف عليها ولا جدل فيها.. وكذلك كان شأن الحروب عبر التاريخ منذ أن اقتتل الناس بالسهام والنبال، وبالقذائف والصواريخ.. ولكن..

        ولكن هل عرف التاريخ الإنساني، في شتى أنواع الحروب، حربا قامت من أجل الوطن، وانتهت إلى صلح بين الغالب والمغلوب، حربا كان الخلاف فيها بين شعبين على الوطن بكامله، وكان جوهر الخلاف بينهما هو: هل هذا الوطن لهذا الشعب أما لذلك؟؟!!

      ولو استعان الحكم العربي المعاصر، بمجمع من المؤرخين، والأعداء والأصدقاء على السواء لينبشوا جوف التاريخ المدوَّن، أو حفائر الآثار والهياكل،‎ والمقابر لما وجدوا حادثة واحدة اختلف فيها قومان على وطن واحد، تحاربا ثم  تصالحا على الوطن. يتنازل فيه الشعب لذلك الشعب عن وطن آبائه وأجداده.

      إن الحروب التي قامت في أوروبا عبر التاريخ، كانت بين شعوب ودول، كل منها ثابت في أرضه مستقر في وطنه، وقد نشبت الحرب بينهما لأسباب كثيرة، ولم تكن حوزة الوطن هي موضع  الخلاف، وقد يقع العدوان، ويعقبه الاحتلال، ولكن في النهاية يعود الوطن إلى أصحابه فلا يتنازل صاحب الوطن عن وطنه، لدولة الاحتلال والعدوان.

      والواقع أن الحروب في أوروبا كانت في معظم الأحوال تنشب حول أطماع خارج أوروبا ، ولم تكن في أوروبا ذاتها، أن الحروب الإستعمارية التي شنتها أوروبا في أفريقيا وآسيا، لم تكن حروبا  من أجل حيازة "الوطن" ولكن من أجل حيازة "خيرات" الوطن وإخضاع شعبه، والتمكن من مواقعه الاستراتيجية.

      وذلك فإن تلك الحروب كلها قد انتهت إلى الصلح،  والصلح سيد الأحكام، وهذا سيد الكلام عند العرب، ولكن بهذا الصلح بقي كل شعب في وطنه، وكل دولة في مكانها، وحتى الحروب الاستعمارية انتهت إلى صلح مع الشعوب التي غلبت على أمرها، فحمل الاستعمار عصاه وارتحل، وقام الصلح على أساس بقاء كل شعب في وطنه وعلى أرضه وكان الغرض من معاهدات الصلح تصفية آثار الاحتلال، وتسوية مخلفات العدوان.

        وهذا يذكرنا بالحروب التحريرية التي بدأت منذ القرن الثامن عشر.. كلها حروب لتحرير الوطن من الاحتلال والاستعمار، وقد امتد النضال القومي أجيالا متعاقبة، انتهت بانتصار الشعوب، وانهيار الإمبراطوريات العظمى، الألمانية والبريطانية الافرنسية والإيطالية والبرتغالية والإسبانية.. وكانت النتيجة أن انبثقت من هذه الإمبراطوريات دول مستقلة قامت على أرضها في أوطانها.. ولعلها تزيد على مائة دولة،( من الماية والخمسة والأربعين دولة), الأعضاء في الأمم المتحدة، وقد كانت بالأمس القريب جزء من تلك الإمبراطوريات، وظفرت أخيرا باستقلالها وحريتها، وسيادتها القومية على وطنها.. على أرضها وترابها.

        كل ذلك كان جوهر الصلح.. تحرير الأرض والحفاظ على الوطن لأصحاب الوطن.. حتى "المعمرون" المستعمرون، الذين ولدوا في الأراضي المستعمرة، وبنوا فيها وزرعوا، عادوا إلى أوطانهم الأولى، وتركوا وطنهم الآسيوي والإفريقي إلى أصحابه الآسيويين والإفريقيين، وآخر الأمثال على ذلك، تحرير أنجولا بعد خمسمائة عام من الاحتلال البرتغالي، حين خرج ما يقرب من ربع مليون برتغالي إلى البرتغال، إلى الوطن الأول، ليكون خاتمة المطاف للاستعمار، والمستعمرين..

        ثم يخرج الحكم العربي إلى المثقفين العرب بموضوع الألزاس واللورين كمثل على اتفاق فرنسا وألمانيا بعد نزاعهما الطويل على هذه المنطقة، أهي ألمانية أم فرنسية، وقد فات الحكم العربي أن المثقفين العرب يعرفون هذه القضية ولا يمكن أن ينخدعوا بظواهرها.. إن إقليم الالزاس واللورين منطقة حدودية بين فرنسا وألمانيا وبلجيكا وسويسرا، وقد ضمت إلى ألمانيا بموجب معاهدة فرانكفورت عام 1871، ثم أعيدت إلى فرنسا بموجب معاهدة فرساي عام 1919، واحتلتها ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، 1940 1944، وأخيرا عادت إلى فرنسا بعد أن وضعت الحرب أوزارها.. وبسبب هذا الصراع الألماني الإفرنسي نشب الخلاف بين العلماء الألمان والافرنسيين حول موضوع مقومات "القومية"، وهل تحدد "قومية" أهل الألزاس واللورين على أساس اللغة، أم على أساس "المشيئة" إرادة الشعب في تقرير مصيره.. وكائنا ما كان الأمر، فإن الفارق الكبير بين قضية فلسطين وقضية الألزاس واللورين هو أن سكان الألزاس واللورين هم أهلها وأصحابها، وليسوا طارئين، ولا مهاجرين، ولا غزاة ولا محتلين.. فلا مجال للمقارنة بين القضيتين، إذا كان الحكم العربي يريد أن يتعلم حقائق التاريخ.

        وبعد أن يفرغ الحكم العربي الحاضر من الاستدلال بالسوابق الدولية، يستنفر أجهزة إعلامه للكلام عن السوابق العربية، ويتناول أول ما يتناول موضوع "صلح الحديبية" الذي عقده الرسول عليه السلام مع كفار قريش، ويتساءل صائحا بصوته الجهوري: أوليست سنة الرسول عليه السلام واجبة الاتباع وجديرة  بالاقتداء والاهتداء، فإن كل صاحب  الشريعة صالح الأعداء، فلم لا يقوم الصلح بيننا وبين إسرائيل ومن غير إدراك  لجوهر  المقارنة بين "صلح الحديبية" والصلح مع إسرائيل انطلق بعض أئمة المساجد يتحدثون عن فضائل صلح الحديبية وأثرها في تاريخ  الإسلام، وهي ذات دلالات عظيمة من غير شك، ولكن فات أولئك الأئمة والحكم العربي من فوقهم، أن، صلح الحديبية، كان اتفاقا بين المسلمين والمشركين، وكلهم من قريش، وكلهم من الجزيرة العربية، وطنهم واحد، وأرومتهم واحدة، والخلاف بينهم كان يقوم على العقيدة، لا على الوطن، إيمان أم كفر، ولا شيء غير ذلك ثم إن الخلاف في يوم الحديبية كان حول موضوع واحد هل يحج المسلمون في ذلك العام أم يؤجلونه، فتم "الصلح" على التأجيل . ورغما عن أن الاتفاق شاع اسمه " صلح الحديبية" فإن المراجع الإسلامية قد وصفته بأنه هدنة، في قولها "ثم كتبت الهدنة بين الطرفين  وفيها أنهما تهادنا عشر سنين في رأي أكثر كتاب السيرة وسنتين في قول الواقدي"  فأين هذا من قضية فلسطين وفلسطين موطن الإسراء والمعراج وبيت المقدس باق تحت الاحتلال الإسرائيلي، كائنة ما كانت شروط الصلح الموعود.

      ثم يستشهد الحكم المعاصر بصلاح الدين الأيوبي، مستغلا شهرته العالمية كبطل إسلامي كبير ويقولون أنه عقد مع الإفرنج "صلح الرملة" وليتهم رجعوا إلى التاريخ  ليعرفوا حقائق هذا "الصلح"  يوم لم يكن القانون الدولي مكتملا، ويوم لم يكن التفريق ظاهراً بين "الهدنة  الصلح"- ويكفي لو  أنهم قرأوا كتاب عماد الدين الأصفهاني الفتح القسي في الفتح القدسي- وزير صلاح الدين ورئيس ديوانه فقد عقد فصلا كاملا في كتابه، أسماه   فصل الهدنة ، شرح فيه شروط الهدنة بين الإفرنج وصلاح الدين.

وقال العماد الأصفهاني في ختام ذلك الفصل ".. فحضرت لإنشاء عقد الهدنة، وكتبت نسختها، وعينت مدتها، وبينت قضيتها لمدة ثلاث سنين وثمانية أشهر.. وعقدت هدنة عامة في البر والبحر، والسهل والوعر، في البدو والحضر" (1) فهل بعد هذا يلقي الحكم العربي تخاذله على عتبات صلاح الدين.

        والواقع أن ملوك المسلمين الأوائل، الأبطال الأشاوس، الذين حاربوا الإفرنج، كانوا حريصين كل الحرص على أن لا يقيموا في "صلح" معهم،  وأن يقتصروا على الهدنة إذا قضت الظروف بذلك، وهذا الظاهر بيبرس البطل الكبير الإسلامي عقد هدنة مع الإفرنج حدد وقتها بغاية الانضباط فجعل مدتها "عشر سنين، وعشرة أشهر وعشر ساعات.." (2)وهذه هي عبارة التاريخ بالنص المنصوص ننقله إلى الحكم العربي المعاصر لعله يتعلم ويتأدب..

        بعد ذلك، يأتي موضوع المفاوضات بين العرب وإسرائيل، وهنا يرفع الحكم العربي المعاصر صوته متسائلا ولم لا نتفاوض مع إسرائيل.. إن المفاوضات أسلوب دولي معروف منصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة.. وكل النزاعات الدولية تم حلها عن طريق المفاوضات أكثر من مرة , وفي جنيف بالذات وهذه مشحلة رودتيسيا بدأت المفاوضات.. هذه حرب فيتنام جرت بشأنها المفاوضات بشأنها في جنيف.. وهذه قضية الجزائر تمت المفاوضات حولها في "إيفيان" بفرنسا بين الجزائر وفرنسا.. وتلك أمثلة لا خلاف عليها، وكانت المفاوضات بين الفرقاء المعنيين طريق التسويات السياسية، ولكن السؤال الهام: ماذا كانت قاعدة المفاوضات في هذه القضايا السالفة الذكر.. فالقاعدة هي التي تحدد ما إذا كانت المفاوضات مقبولة أو مرفوضة.. إن القاعدة في تلك القضايا السالفة الذكر.. كانت على أساس الحفاظ على التراب الوطني بكامله، ولم يكن "الوطن" موضع خلاف أو جدال.

وهذه مشكلة روديسيا، وهي المشكلة المطروحة حاليا أمام مؤتمر جينف، ما هو محور المفاوضات بشأنها. المحور هو متى تنتقل السيادة الوطنية  إلى أيدي الكثرة الأفريقية ليس  محور المفاوضات ما إذا كان "الوطن " الروديسي هو وطن البيض أم وطن الإفريقيين، ولذلك فإن مثل هذا المؤتمر، وعلى هذا الأساس، مقبول من قبل الزعماء الإفريقيين، على اختلاف منظماتهم وقياداتهم أما بشأن القضية الفلسطينية في مؤتمر جينف، فإن قاعدة المفاوضات تقوم على أساس واضح وهو  أن إسرائيل دولة ذات سيادة   "على أرضها ووطنها" وهذه الأرض، حسب حدود  1967 تزيد عن ثمانين في الماية  من الوطن الفلسطيني.

      أما حسب حدود 1948 فإن مساحة إسرائيل تبلغ 54 في الماية من فلسطين، هذا مع العلم بأن كل الدلائل تشير إلى أن إسرائيل لن تجلو عن الضفة الغربية بكاملها، ولن تجلو عن بيت المقدس  درة الوطن العربي بأسره  فمن هو الفلسطيني ومن هو العربي  الذي يملك أو يستطيع أن يتنازل عن "الوطن" وأن يفاوض الغاصبين المحتلين على هذا الأساس على  كانت المفاوضات مباشرة أو غير مباشرة.

      والمواطن العربي لا ينسى أن مؤتمر القمة العربي في الخرطوم، لم يقرر عبثا أن القضية الفلسطينية لا تحتمل المفاوضات مع إسرائيل.. ولم يكن ذلك قرارا عاطفيا، ولكنه كان قراراً قوميا يقوم على أساس وطنية لا يمكن  التساهل فيها أو التنازل عنها.

      والقضايا التحررية في كل الوطن العربي كله، في مصر وسوريا والعراق ولبنان، ودول المغرب العربي، جرت المفاوضات حولها مع بريطانيا، أو فرنسا، أو إيطاليا أو إسبانيا ولم يكن الوطن هو موضوع المفاوضات، ولا حتى موضوع الاستقلال والسيادة والحرية. وإنما كان "التوقيت" هو موضوع المفاوضات، متى يتم الجلاء،  ومتى يمارس  الحكم الوطني السيادة الكاملة، ومتى تزول القواعد الأجنبية حتى أن الحزب الوطني في مصر، كان يعارض  مبدأ المفاوضات مع المحتل بأي شكل من الأشكال وكان   شعاره "لا مفاوضات إلا بعد الجلاء".

      وقد رفض الشعب الفلسطيني مبدأ المفاوضات، طيلة ثلاثين عاما، في عهد الانتداب البريطاني، كانت قائمة على أساس الاعتراف بوعد بلفور وصك الانتداب، والتسليم بالوجود اليهودي في فلسطين، وفي مؤتمر عدن الشهير، في عام 1939، رفض الوفد الفلسطيني ومعه الوفود العربية الاجتماع مع الوفد اليهودي.. لا لأن الاجتماع "بالإنسان اليهودي" أمر محرم.. ولكن لأن التجمع اليهودي السياسي في فلسطين هو تجمع احتلال استيطاني يستهدف إجلاء الشعب الفلسطيني، صاحب الحق الشرعي عن وطنه.. وفي مؤتمر لوزان لعام 1949 الذي عقد تحت إشراف لجنة التوفيق الدولية رفضت الوفود العربية الالتقاء بالوفد الإسرائيلي، لأن هذا الالتقاء يقوم على أساس التسليم بالوجود الشرعي لإسرائيل على "وطن" تمكنت من حيازته عدوانا واحتلالا..

        وفي عام 1954 قامت أمريكا بمحاولتها الشهيرة في الأمم المتحدة، لتقديم قرار يدعو إلى المفاوضات المباشرة بين الدول العربية وإسرائيل، وكانت معركة حامية سقط على إثرها الاقتراح الأمريكي، بمعاونة الدول الصديقة وبمساندة الاتحاد السوفييتي، وكانت تلك الدورة من الدورات الساخنة في تاريخ الأمم المتحدة.

        ولذلك فقد كان آية العجب، بعد هذه المسيرة الطويلة، أن يعلن الحكم العربي المعاصر أنه مستعد للمفاوضات مع إسرائيل، وصدق المثل العربي المعروف.. لكل زمان دولة ورجال.. ولكن ستزول الدولة ويزول الرجال، ويبقى التاريخ..

        ويبدو أن هذا المثل العربي لم يخف على الدكتور كيسنجر فقد قال في خطابه الوداعي الأخير، بعد أن حل محله الوزير الأمريكي الجديد المستر سايروس فانس "إن فرص النجاح لتسوية مشكلة الشرق تبدو في الأفق أكثر ترحيبا من أي وقت مضى ذلك لأن العناصر الراديكالية المتطرفة في الوطن العربي لم تعد ذات نفوذ.. وقد فات الدكتور كيسنجر، والكيسنجريين في الوطن العربي أن الأمة العربية بمواطنيها المائة وعشرين مليونا هم جميعهم من "العناصر الراديكالية المتطرفة"، وفي قضية فلسطين بالذات.

        ويتساءل الحكم العربي المعاصر، ولم لا نعترف بإسرائيل.. إنها عضو في الأمم المتحدة.. الأسرة الدولية تعترف بها، والعملاقان الكبيران معترفان بها هل نحن أعظم من هؤلاء جميعا أليست إسرائيل لا ينقص منها شيئاً والدول الأعضاء لا يملكون فلسطين فاعترافهم بإسرائيل أمرا واقعا، ولم لا نكون واقعيين، أما آن لنا أن نكون عقلاء موضوعيين، حضاريين إنسانيين.

      وكل هذا الكلام باطل الأباطيل حتى لو كان صادرا من الملوك والرؤساء،إن فلسطين ليست ملك الأمم المتحدة، فاعترافها بإسرائيل لا ينقص من أوطانهم شبرا واحدا والعملاقان الكبيران لا يضيرهما الاعتراف بإسرائيل، فليست فلسطين إحدى مقاطعاتهم، وهما يعترفان بها لأنها محور مؤامراتهم وأطماعهم ومصالحهم.

      أما نحن أما الاعتراف العربي، فمعناه بأن فلسطين هي الوطن التاريخي لليهود وأنهم يعودون إليه عن حق. وأنهم استردوها أرضا كنا نحن اغتصبناها  قبل ثلاثة عشر قرنا من الزمان هذا هو معنى الاعتراف العربي، فليس  له معنى سواه.. ومن أراد أن يعترف  فليعترف بشخصه سواء كان فلسطينيا أو عربيا، وليعترف باسمه  فقط دون أن يقرن اسم أبيه، فإن آباءنا  قد ذهبوا  إلى جوار ربهم دون أن يعترفوا

       "والاعتراف"، فصل كبير في القانون الدولي، وقد كتبت حوله مؤلفات وكائنا ما كان أمره فهو موضوع يتصل بسيادة الدولة

      تعترف هذه الدولة بتلك متى تشاء ولا تجبر على الاعتراف، فهو اختيار لا إجبار، ولكن الاعتراف بالغزو، والاحتلال، له عنوان واحد في القانون الدولي اسمه الاستسلام.. وهو نفس  الاسم في التعبير القومي

      والاحتلال، هو أمر واقع، لا يكتسب  شرعية مهما طال عليه الزمان فقد كانت الجزائر مقاطعة إفرنسية معترفا بها بهذه الصفة من قبل دول متعددة ومن منظمة حلف الأطلنطي.. وكذلك كان شأن كثير من المستعمرات كانت تعتبر جزءا من "الدولة الأم" الدولة المستعمرة.. ولكن سقطت كل هذه المفاهيم وارتفع مبدأ : لا شرعية للاحتلال ولا بقاء للعدوان.

      كذلك،  فإن "حالات التقسيم" لم يقبلها المجتمع الدولي رغما عن أنها أمر واقع في مناطق متعددة من العالم فإن ألمانيا الغربية ترفض الاعتراف بألمانيا الشرقية، وكذلك الحال بين كوريا الشمالية والجنوبية مع أن الذين يعيشون على جانبي الخطوط الفاصلة ينتمون إلى أمة واحدة.

فليس الشعب في ألمانيا الشرقية غازيا ولا محتلا.. إنه جزء من الشعب الألماني أوقعته تسوية الحرب العالمية الثانية تحت النفوذ الروسي، والخلاف بين الشرقية والغربية هو خلاف على نظام الحكم، وكلاهما ينتميان إلى الأمة الألمانية الواحدة، والوطن الألماني الواحد.

        وبعد "الاعتراف"، يخرج الحكم العربي المعاصر، من جعبته، موضوع التعايش السلمي، ويتساءل: أليس التعايش السلمي مبدءاً مقبولا في العالم الدولي.. ألم نوافق عليه في مؤتمر باندونج، ألم نؤيده في مؤتمرات دول عدم الانحياز.. وهل نتناقض مع أنفسنا ومع العالم أجمع ونتنكر لمبدأ التعايش السلمي، الذي هو شريعة هذا العصر في التعامل بين الدول كبيرها وصغيرها.. وإذا كان العملاقان الكبيران يسعيان إلى "سياسة الوفاق" بينهما تحقيقا للتعايش السلمي، فكيف نستطيع الهروب من هذا المبدأ العالمي.

        ولهذا الكلام "ظاهر" جميل، وباطن مخيف رهيب، إذا فهم على غير حقيقته.. تماما كالكلام عن "السلام" حينما يكون الخلاف بين الغاصب والمغصوب، والسارق والمسروق، والمعتدي والمعتدى عليه، فكيف يقوم السلام مع الاستعمار والعدوان والاحتلال.. إن كل الحركات التحررية في العالم هي حرب على هذا النوع من "السلام" وحينما يكون الهدف من "السلام" هو بقاء الاحتلال والعدوان، فذلك هو الاستسلام، والأحرف متقاربة بين اللفظين... ولكن المعنى بينهما بُعدَ الأرض عن السماء.

        والتعايش السلمي يمكن فهمه لو أردنا إرجاعه إلى لفظه الإنجليزي (Peaceful Co – existanee) فالترجمة الحرفية "الوجود المشترك السلمي" ويمكننا بهذه الترجمة أن نفهم المبدأ على حقيقته.. لا بد من وجود مشترك أولا ليكون سلميا.

        وهذا يفترض حتما أن يكون الوجود المشترك شرعيا حتى يكون سلميا.. فإذا لم يكن شرعيا في الأصل، فإنه سيكون سببا للثورة والحرب.. ذلك أن الوجود إذا كان عدوانيا احتلاليا سيكون سبباً للثورة والحرب، وهذا الوجود إذا كان عدوانيا احتلاليا استحال أن يكون شرعيا وبالتالي سلميا.. فلا سلام مع العدوان، ولا تعايش مع الاحتلال.. وإلا لكان الاستعمار نظاما مشروعا، يمكن التعايش السلمي معه، وباقيا إلى يومنا هذا.

        وفيتنام الشمالية والجنوبية أعظم مثل بطولي حتى في القرن العشرين، كان الشمال يرفض الاعتراف بالجنوب لأنه واقع تحت النفوذ الأمريكي.. ونشبت الحرب الفيتنامية تحت شعار التحرير والوحدة.. وتم التحرير وقامت الوحدة بين الشمال والجنوب، وانبعثت دولة فيتنام المنتصرة الموحدة، وكذلك فإن ألمانيا الغربية حريصة كل الحرص أن لا تبدر منها كلمة واحدة يشتم منها أنها تعترف بألمانيا الشرقية دولة منفصلة.. مع أن الاعتراف الدولي بها يكاد أن يكون عالميا.

        وحين تسقط كل هذه الأعذار والمعاذير، الصلح، والمفاوضات، والاعتراف، والتعايش السلمي، يلجأ الحكم العربي المعاصر إلى حصن آخر دفاعا عن موقفه، وهذا الحصن، يبدو في الظاهر، أنه عقلاني علماني، وموضوعي، ووطني كذلك.. فهو يتساءل ولم لا نأخذ بسياسة المراحل، سياسة خذ وطالب، ألم تأخذ بهذا المبدأ كل الشعوب المناضلة، الشعوب التي خاضت تجاربها المريرة في حركات التحرير في العالم.. بل ألم تأخذ الشعوب العربية كلها من غير استثناء بهذا المبدأ وهي تخوض معاركها التحريرية مع الاستعمار البريطاني والإفرنسي والإيطالي والإسباني.. ألم يكن هذا شأن الشعب في العراق، وفي سوريا، وفي الجزائر، وفي المغرب، وفي مصر، وفي السودان وأخيرا في تونس حيث قفزت البورقيبية كنظرية سياسية، للتعبير عن المرحلية كسياسة وطنية مقبولة، تقوم على أساس شعار "خذ وطالب".

        والمرحلية هذه تحت أسمائها المختلفة، لها كذلك ظاهر براق، يفتن القلوب، ويجتذب العقول، وهي في الواقع سياسة عاقلة ورشيدة في جوهرها.. ولكن المرحلية يجب أن لا تنهي القضية.. فالقضية لا تنتهي إلا بالمرحلة النهائية مرحلة التحرير والاستقلال ولكن المرحلة أية مرحلة حينما تنهي المراحل التالية تكون تصفية للقضية الوطنية.. وليست كلمة "التصفية" للتحقير والتنديد ولكنها وصف حقيقي، مرادف للفظ التعفية التعفية على القضية.

        ويزداد هذا المعنى وضوحا حينما تتذكر شعار "خذ وطالب" وهذا التعبير يحدد معالم المحلية.. لأنه يترك الباب مفتوحا للشعب أن "يأخذ" المعروض، ويطالب "بالباقي" ولكن إذا سلمنا بالباقي إلى العدو، لم يبق الباقي.. وذلك ما حدا بالزعيم الإفريقي في روديسيا حينما وصل إلى جنيف أن يقول للصحفيين.. "نحن ما جئنا إلى جنيف لنأخذ ولنعطي.. نحن نريد أن نأخذ وطننا لا أن نعطيه".

        وفي صدد القضية الفلسطينية بالذات فإن السياسة المرحلية مع إسرائيل، وتحت شعار "خذ وأعط" لها معنى واحد، ونتيجة واحدة.. هي أن "نأخذ" من إسرائيل ما "تعطيه" ونعطيها ما تريد أن نعطيها.. "والأخذ والعطاء" في جميع هذه الأحوال، هو على الوطن.. وحاشا لله أن يكون الوطن محل مساومة، وموضع أخذ وعطاء، ولا بأس أن نسعى لتحقيق مرحلة، ولكن مرحلة، لا تهدم المراحل التالية.

        ويخلص الحكم العربي من هذا كله إلى سؤال مستعار من فم إسرائيل وأنصارها، ليقول "ولكن ما هو الحل، هل تريدون أن نلقي اليهود بالبحر، كما كان "يردد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وأحمد الشقيري" وهذه عبارة جلالة الملك الحسن الثاني إلى جريدة الفيجارو الافرنسية في 22 نوفمبر 1976، ولكن من الذي قال أن عربيا قال إننا نريد إلقاء اليهود بالبحر.. هذه فرية زورتها الصهيونية على لسان قادة العرب جميعا، الوطنيين منهم والمفرطين.. ثم صدقتها بعض الأقلام والألسنة العربية، وأصبحت ترددها كلما طاب لها أن تبشر بالتسوية السلمية لأزمة الشرق الأوسط.

        وليس هنا مكان لتكذيب هذه الأرجوفة الصهيونية، وهي التي تشبه أكذوبة صهيونية أخرى بأن الشعب الفلسطيني باع وطنه وهرب.. ويكفي أن نعرِّف الذين لا يعرفون أن وفدا فلسطينيا في لندن قدم مذكرة إلى السير ونستون تشرشل في عام 1922 يطالب فيها بإقامة دولة ديمقراطية في فلسطين يكون فيها للمواطنين جميعا حقوق متكافئة، لا فرق بين مسلم ومسيحي ويهودي.. وحل الدولة الديمقراطية المطروح اليوم، كان مطروحا قبل خمسين عاما ويزيد.. ولكن الحكم العربي المعاصر يحسب أن النضال القومي قد بدأ بسيادته.. ولا يعرف مواقف المناضلين السابقين، "ومنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا".

        وتبقى في النهاية "أحجوجة" صغيرة يلقيها الحكم العربي في الهواء لعلها تعلق في ذهن الجماهير، وتتمثل في تساؤل تافه يقول، ولم كل هذا التهويل.. إن الصلح مع إسرائيل، لا يتعدى أن يكون ورقة نستطيع أن نمزقها في كل حين.. والقانون الدولي هو تاريخ معاهدات واتفاقات يمزق بعضها بعضا، وفي النهاية تمزقت كلها.. ويورد الحكم العربي شواهد وسوابق دولية تعد بالعشرات.. وهذه السوابق والشواهد، صحيحة كلها، بلا خلاف ولا جدال.. والمتاحف والمكتبات مملوءة بالاتفاقات البائدة، والمعاهدات الزائلة، ولكن يا أيها الحكم العربي..

        ولكن.. هل تدلنا على معاهدة واحدة.. واحدة فقط تنازل فيها الشعب عن وطنه..

        هنالك عشرات من المعاهدات بين الغالب والمغلوب، بل هنالك معاهدات استسلام المغلوب للغالب..

        ولكن هل يدلنا الحكم العربي على معاهدة واحدة، على ورقة واحدة، أعطى المغلوب فيها وطنه للغالب..

        وبعد، فهذا هو موقفنا من مؤتمر جنيف، وهذا هو ردنا على الذين يريدون أن يذهبوا إلى جنيف، لقد طالما طالبوا بالابتعاد عن الغوغائية، والسطحية، والعاطفية، والارتجالية، إلى الالتزام بالدراسة الموضوعية، والنظرة العلمية، وهذا كلام نستطيع أن نلتقي عليه إن كنتم صادقين..

        ها قد سردنا عليكم العلم نظرية وممارسة وتطبيقا.. فدونكم العلم..

        أما إذا كنتم تريدون الحكم وسدة الحكم، فدونكم التاريخ، إنه الآن يقرع بابكم كما قرعه على الذين من قبلكم.. سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا.

 

 

 

 

 

انسحب البترول من المعركة

دون أن تنسحب إسرائيل

 

        في السادس من أكتوبر من عام 1973 انطلقت الحرب العربية المجيدة، لتعبر قناة السويس، وتزيح الساتر الترابي، وتدمر خط بارليف على الجبهة المصرية، وفي نفس اليوم والساعة والدقيقة اخترقت القوات السورية الخطوط الدفاعية الإسرائيلية، وحطمت خط آلون على الجبهة السورية، ودهش العالم لتلك المبادرة العربية، الجريئة، البارعة، وتابعها الرأي العام بإعجاب وتقدير متطلعا إلى النتائج، فالأمور بخواتيمها، كما قال العرب الأقدمون، والحروب على رأس هذه الأمور.

        وبعد بضعة أيام انطلقت معركة أخرى، من مواقع متعددة في الوطن العربي الكبير، فاخترقت أرض العالم بأسره، متجاوزة الصحارى والقفار، والجبال والأنهار، والسدود والحدود.. ومن ثم نفذت إلى العواصم والحواضر، والقرى والدساكر، ودخلت إلى البيوت والمدارس، والمستشفيات والمصانع، والمطابخ والمزارع، والقطارات والطيارات والسيارات.. ووقع في هذه المعركة أسرى كثيرون، ملايين الملايين من البشر من كل جنس ولون، ومن كل عقيدة ومذهب، فتحكمت في حياتهم، ليلهم ونهارهم، من طعامهم إلى شرابهم، إلى كسائهم، ولم يسبق لمعركة عبر التاريخ أن كان لها هذا "الشمول" الشامل في حياة عوالم النبات والإنسان والحيوان على السواء.

        تلك كانت معركة البترول العربي، التي أطلقتها الأمة العربية في السابع عشر من شهر أكتوبر وقد نجت هي من شمولها، فلم تصبها من قريب أن بعيد، لأن بترولها في أرضها، وتحت أقدامها... وربما يحسب المواطن العربي أن الكلام عن معركة البترول يومذاك، هو إغراق في المبالغة، والخيال.. ذلك أنه عاش "حياته" البترولية في يسر كالعهد به منذ تفجر البترول من وطنه.

        ورفع المواطن العربي، رأسه شامخا إلى السماء، فقد بدأت هذه المعركة المنتظرة،التي كان يتطلع إليها منذ زمن طويل.. فقد كان الحديث عن سلاح البترول يتردد على ألسنة الجماهير وأقلام الكتاب والسنة الملوك والرؤساء، منذ أن أطلت كارثة فلسطين برأسها على الأمة العربية، في الأربعينات وما بعدها.

        وكانت الكارثة، كلما تفاقمت، تعاظم "الانتظار" للسلاح المنتظر، فإنه المهدي المنتظر، يهتدي الناس به يوم يأتي.. والبترول يوم يشرع سلاحه، يكون هو "المهدي" ليهدي العالم إلى الحق الذي ضاع من الأمة العربية، وإلى العدل الذي حرم منه الشعب الفلسطيني.

        ولقد قال العلماء أن البترول ظل مختزنا في جوف الأرض قرابة أربعين مليونا من السنين،عاش ساكنا هادئا تحت أقدام الإنسان.. ولكن المواطن العربي رأى فيه سلاحا جبارا منذ أربعين عاما، فأخذ يصيح في وجه الحكم العربي: يا أيها الملوك والرؤساء دونكم هذا العلاج.. إنه يشفي من المرض وينقذ من الفقر، ويحمي من الجهل، ودونكم هذا السلاح إنه يدفع الاستعمار وفيه الخلاص كل الخلاص من الصهيونية ومن إسرائيل.  ولكن الحكم العربي كان غافلا أو متغافلا فأبقى السلاح في غمده، أو في جيبه، إلا من تصريحات جوفاء يقصد بها التزلف إلى الجماهير وكفى، مستخدما بعض "صفائح" البترول، يروي بها أجهزة الإعلام، للتضليل والتدجيل.

        وجاء صيف عام 1946 لتقع أول مواجهة بترولية بين الأمة وحكامها.. ففي ذلك العام انعقد مؤتمر بلودان.. أجمل مصايف سوريا، لبحث القضية الفلسطينية، وكان خطرها أيسر مما هو الآن. فاتخذ الحكم العربي "المقررات السرية" الشهيرة.. العسكرية والاقتصادية، وكان في مقدمتها استخدام سلاح البترول.. واقتصر القرار العربي على "عدم إعطاء امتيازات جديدة للشركات" الأجنبية التي تساند دولها الحركة الصهيونية، أو توافق على إقامة دولة يهودية في فلسطين.." وكانت إسرائيل وقتئذ في "عام الحمل" لدى أمريكا وسائر الدول الاستعمارية الأخرى.

        وفي عام 1948 جاءت معركة التقسيم الشهيرة في الأمم المتحدة، والدور الرهيب الذي لعبته أمريكا في عهد الرئيس ترومان لحمل الأمم المتحدة على إصدار قرار التقسيم الذي انتهى بإقامة إسرائيل في قلب الوطن العربي، وتعالت صيحات الجماهير العربية في تلك الفترة مطالبة باستخدام سلاح البترول ضد الولايات المتحدة، فأصدر الحكم العربي تصريحات لاهبة كادت أن تحرق البترول... وحذر وزير الدفاع الأمريكي رئيسه ترومان من خطورة الموقف، ومضى ترومان في سياسته الصهيونية غير مبال بالتهديدات العربية، وقال كلمته المعروفة "هذا كلام فارغ"، فصدق ترومان، وخابت فراسة وزير الدفاع الأمريكي في الحكم العربي.. وقضى نحبه منتحرا تحت حملة الإرهاب الصهيوني.

        ومضت الولايات المتحدة في سياستها الموالية للصهيونية، ولم ينفذ الحكم العربي "القرار السري" بل ازدادت الامتيازات التي أعطتها الدول العربية للشركات الأمريكية البترولية، وتاريخ تلك الحقبة حافل بالدلائل القاطعة أن أمريكا كانت وراء انقلاب عسكري جرى في سوريا، وكان السبب هو البترول، ولا يتسع المجال لأكثر من هذه الإشارة العابرة.

        وعبرت سنوات وسنوات "والبترول" موضوع ساخن في الشرق والغرب على السواء، خاض فيه الكتاب السياسيون في كل أرجاء العالم وعرفوه "بالذهب الأسود" أو "مستعبد الشعوب"، وفي غمرة هذه العناوين انطلق شعار عربي، كتب على الجدران، وتصدر المقالات "بترول العرب للعرب".. وراح التاريخ ينتظر وينتظر ليرى متى يصبح هذا الشعار حقيقة صادقة، فيخرج البترول العربي من "خرج" الحاكم العربي، ويدخل "دخل" البترول العربي إلى بيت كل مواطن عربي*.

        وجاءت حرب الأيام الستة، ووقعت الهزيمة النكراء في الأمة العربية، وغضب سلاح النفط العربي لأمته العربية، فانسل من غمده بنفسه، لا بيد الحكم العربي، وتوقف ضخ البترول العربي استجابة للقضية العارمة التي أطلقتها الجماهير العربية، "بترول العرب لا يذهب لأعداء العرب".

        وانقطع البترول العربي، عن دولتي العدوان، بريطانيا وأمريكا، ومعهما أنصار إسرائيل، واهتز الاقتصاد العالمي، وهرول سفراء الدول الأجنبية إلى العواصم العربية واقفين على عتبات وزارات الخارجية العربية
يقدمون الدليل تلو الدليل على "حسن سلوكهم" مستنجدين عودة البترول إلى بلادهم..

        وفي ظل تلك الأزمة الطاحنة التي كادت أن تعصف بالاقتصاد العالمي، بسبب توقف البترول العربي، انعقد مؤتمر القمة العربي الرابع في الخرطوم وكان موضوع البترول على جدول الأعمال.. وكانت الجماهير العربية تتطلع أن يقرر مؤتمر القمة الاستمرار في قطع البترول عن دولتي العدوان، ووقف التعامل معهما، وسحب الأرصدة العربية من مؤسساتهما المالية، والانتفاع بها في التنمية العربية.

        وقد أجمع الخبراء العرب، يومئذ، وهم وزراء النفط والمال والسياسة في اجتماع عقدوه في بغداد أن هذه الإجراءات حاسمة ورادعة، وكفيلة بأن تحمل الدول العظمى، لتحمل بدورها، إسرائيل على الانسحاب من الأرض العربية.. من غير قيد ولا شرط.

        ولم يكن هذا التفكير خياليا أو عاطفيا، ولكنه كان علميا موضوعيا ومدروسا، وقد سبق للولايات المتحدة في عهد الرئيس أيزنهاور، أثناء العدوان الثلاثي على مصر أن أجبرت "الفرسان الثلاثة": إسرائيل وبريطانيا وفرنسا على الجلاء عن سيناء.. وقد تم ذلك فعلا خلال ثلاثة أشهر.. وكانت فرنسا وبريطانيا، يومئذ، على قوتهما المعروفة، وأكبر حليفين للولايات المتحدة.. وكان تدمير أنابيب البترول يومئذ، من أهم الأسباب التي دفعت الرئيس أيزنهاور إلى اتخاذ ذلك الموقف الحازم.

        ولكن الجو الروحي في مؤتمر الخرطوم، كانت تسوده رياح الهزيمة الوافدة من سيناء والجولان، فلم يملك الشجاعة ووضوح الرؤية ليشهر سلاح البترول، ودارت المساومات وراء الكواليس بين البتروليين وغير البتروليين من الملوك والرؤساء، وانتهى الأمر إلى اتفاق على "استئناف ضخ البترول العربي" فكان أسوأ قرار اتخذته القيادات العربية منذ عهد الاستقلال الوطني إلى يومنا هذا.

        ولو أن البترول العربي بقي في آباره، بضعة أسابيع أخرى، لانقض العالم بأسره بأسنانه وأظافره، على إسرائيل، واقتلعها من الأرض العربية، وألقى بها وراء خطوط الهدنة، إن لم يكن وراء ذلك بكثير.. ولكن ما حيلة الأمة العربية، وقد ابتلاها الله بهؤلاء الحكام أولا، وبإسرائيل ثانيا.

        وانفض مؤتمر الخرطوم، وتلاه مؤتمر خامس، والأرض العربية تئن تحت الاحتلال الإسرائيلي وبيت المقدس تندب أسواره ما يلقى على يد الاحتلال الإسرائيلي من المذلة والهوان.

        ولم ينقطع المفكرون العرب عن مناشدة الدول البترولية أن تستخدم سلاحها، بطريقة أو بأخرى لحمل إسرائيل على الجلاء عن الأرض العربية، فلم تعبأ بذلك، تاركة للسفير يارنج ممثل الأمم المتحدة أن يقنع  إسرائيل بالحسنى، وليس هذا فحسب بل إن المسؤولين البتروليين، وعلى مختلف المستويات ملأوا الصحف والإذاعات العربية بأن الخطأ كل الخطأ أن يستخدم البترول كسلاح سياسي، فالبترول في نظرهم، سلعة اقتصادية ويجب أن يظل في منأى عن السياسة، وقد غاب عن هؤلاء، أو تغابى هؤلاء، أن الولايات المتحدة تستخدم "القمح"، وهو مصدر الغذاء البريء، في مفاوضاتها مع العملاق الآخر، الاتحاد السوفييتي.. والمواطن العربي يعلم جيدا أن هجرة اليهود السوفييت كانت تدخل في صفقات القمح الأمريكي مع الاتحاد السوفييتي!!

        وفي السادس من أكتوبر انطلقت شرارة الحرب  العربية المجيدة، ومعها انطلقت آمال الأمة العربية، مهللة مكبرة، والعيون تتطلع إلى آبار البترول العربي، وفائض لهيبها يتصاعد إلى السماء ومضت  سبعة أيام  وهذا  العملاق العربي باسط ذراعيه وساقيه، يتمطى ويتثاءب، وكأنما هذه المعركة العربية، مسرحية سينمائية، وليس للمتفرجين عليها إلا دور التصفيق وكفى.

        وكان وزير البترول المصري، أول من أخذ المبادرة لإيقاظ العملاق النائم.. ففي اليوم التاسع من أكتوبر، أي بعد يومين من اندلاع المعركة وكانت أعلام النصر العربي  مشرعة، في ذلك الوقت، اقترح وزير البترول المصري دعوة منظمة الأوبك العربية، لاجتماع عاجل.. ولكن الاجتماع العاجل لم ينعقد إلا في السابع عشر من أكتوبر في الكويت، أي بعد ثمانية أيام بلياليها، وقعت  أثناءها تطورات كبرى في مسيرة  الحرب.

        وانعقد الاجتماع الأول في الكويت، وتلاه تسعة اجتماعات، أربعة في الكويت، واثنان في كل من فينا والقاهرة، واجتماع في طرابلس، وهذه المسيرة لهذا الاجتماعات تنبئ لأول وهلة، أن سلاح البترول يئن بين أيدي مصابة بالارتجاج، لم  تتعلم المثل العربي الشهير إذا ضربت فأوجع..

        وحين كان الاجتماع البترولي الأول منعقدا في  الكويت - 17 أكتوبر- بدا معروفا للقاصي والداني أن كفة الحرب صارت راجحة لجانب إسرائيل، وأن أمريكا قد أغرقت إسرائيل بكل أنواع الأسلحة، والأساطيل الأمريكية محتشدة في شواطئ البحر الأبيض المتوسط.

        ورغما عن خطورة الموقف العسكري في الجبهة، فقد كان  الموقف  البترولي في اجتماع الكويت، رجراجا كالزئبق لا تستطيع أن تمسكه بأناملك فقد برز في المؤتمر اتجاهان: الاتجاه الليبي العراقي الذي كان  يدعو إلى حظر النفط عن أمريكا وتأميم الشركات النفطية وسحب الأرصدة  العربية من البنوك الأجنبية.. والاتجاه الآخر الذي كان يقول بأتباع سياسة خفض الإنتاج(1). واستقر الأمر في النهاية على إصدار قرار لا بد من اقتباس نصه الحرفي، دفعا للتأويل والتفسير..

        يقول القرار: "بما أن الهدف المباشر للمعركة التي تدور رحاها حاليا هو تحرير الأرض العربية المحتلة،واستعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وفقا لقرارات الأمم المتحدة، وبما أن أمريكا هي المصدر الرئيسي الأول لقوة إسرائيل التي مكنتها من غطرستها واستمرارها في احتلال أراضينا.. لذلك فإن المجتمعين يقررون أن يتناقص الإنتاج البترولي بنسبة شهرية  متكررة  لا  تقل عن خمسة في الماية حتى تضغط المجموعة الدولية  على إسرائيل للتخلي عن أراضينا المحتلة.. وأن ينال أمريكا أكبر تخفيض، وأن يؤدي ذلك إلى قطع إمدادات أمريكا بالبترول من كل دولة عربية" وصدر القرار بالإجماع، باستثناء العراق الذي انسحب من الاجتماع، ولم يُوقع البيان..وكان قد اتخذ منفردا إجراءات أكثر شدة.

        وتعاقبت العواصم البترولية تعلن عن تنفيذها لهذا القرار، قرار خفض الإنتاج.. غير أن المواطن العربي، كان يرى أن سيف البترول قد استخدم وخزا ولكزا، لا ضربا ولا طعنا.. ومع هذا فقد اطمأن بعض  الشيء لأن إمدادات البترول قد توقفت  عن العدو اللدود.. الولايات المتحدة أو إسرائيل الكبرى، بالتسمية التي كنت استخدمها في الأمم المتحدة..

        أما البتروليون العرب، غير الرسميين، وهم كفاءات ممتازة من العلماء، فقد رأوا أن "خفض الإنتاج يدخل في إطار المصالح الذاتية للدول العربية المصدرة للنفط.. وأن هذه  الدول قد بحثت هذا الإجراء عدة مرات وذلك بالنسبة لتدني قيمة أرصدتها المكدسة في البنوك الغربية، لتدني قيمة العملات الأجنبية.. وأنه خير للدول العربية أن يبقى بترولها في باطن الأرض من أن يكون أرقاما في البنوك الأجنبية، تتدنى يوما بعد يوم" كان هذا هو الرأي الاقتصادي العلمي، قبل معركة أكتوبر بزمان.

        وصدر وقف إطلاق النار في الخامس والعشرين من شهر أكتوبر واستمر سلاح النفط يطلق النار ولو على تلك الصورة الرخوة اللينة، يضرب ولا يرجع، رغما عن أن الولايات المتحدة لم تكن تلقي بالا إلى الموقف العربي، فالرئيس الأمريكي نيكسون طلب إلى مجلس الكونغرس الأمريكي أن يمد إسرائيل فورا بمساعدة تصل إلى  مبلغ 2200 مليون دولار، وفورا قرر الكونجرس الموافقة على الطلب..

        وكان طبيعيا أن تتخذ واشنطن  هذا الموقف من الدول العربية، فالسوابق العرفية تشير إلى ذلك، وهذا ما حدا بمساعد وزير الخارجية الأمريكية جوزف سيسكو أن يقول  "لقد سبق أن سمعنا  مثل هذه التهديدات لكن المعلومات التي لدينا من العواصم العربية لا تؤيد ذلك"!!

        ومضى على حرب أكتوبر شهر بكامله، دون أن يرى المواطن أي بادرة من جانب أمريكا تنبئ عن قرب جلاء القوات الإسرائيلية  عن الأرض العربية المحتلة، فإن قرار مجلس  الأمن رقم 338  قد استخدم لفظة "فورا" حينما تحدث عن الجلاء الإسرائيلي عن الأرض العربية "فوراً" بقيت في مقبرة الأمم المتحدة جثة هامدة.

        ولم يسع وزراء البترول العرب إلا أن يجتمعوا في الخامس من نوفمبر 1973 في الكويت، ليصدروا قرارا جديدا ينص على "خفض  الإنتاج بنسبة خمسة وعشرين في المائة" وذلك حتى جلاء القوات الإسرائيلية عن جميع الأراضي العربية المحتلة واستعادة الحقوق الوطنية  للشعب الفلسطيني والاستمرار في الحظر الكامل على شحنات النفط إلى  أمريكا وهولندا.

        وفي تلك الحقبة انعقد مؤتمر القمة العربي في الجزائر (26/11/1973) بعد شهر واحد من وقف إطلاق النار، وقرر في جملة ما قرر: "الاستمرار في استخدام النفط سلاحا في المعركة  في ضوء قرارات  وزراء النفط العرب،  وربط  رفع حظر تصدير النفط لأية دولة  بالتزامها بتأييد القضية العربية العادلة" ورغما عن عدم الوضوح الكافي في هذا القرار، فقد تجرعه المواطن العربي، شيء خير من لا شيء...

        واجتمع وزراء البترول العرب للمرة الثالثة في الكويت في اليوم الثامن من شهر ديسمبر، فأصدروا قرارا ثالثا "بتخفيض الإنتاج بنسبة خمسة في الماية.. والاستمرار في حظرالبترول عن الولايات المتحدة، وأنه إذا تم التوصل إلى اتفاق إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة  وفق برنامج زمني توقعه إسرائيل وتضمن تنفيذه الولايات المتحدة فإن الحظر  على تصدير النفط إلى أمريكا سيرفع.. وبمجرد الاتفاق على برنامج زمني للانسحاب من الأراضي العربية المحتلة يجتمع وزراء النفط العرب لوضع برنامج زمني للعودة التدريجية إلى معدلات الإنتاج التي كانت سارية المفعول.. بشكل يوازي الانسحاب المذكور".

        ورغما عن أن هذا القرار يشكل تراجعا واضحا عن القرارين السابقين اللذين اشترطا الانسحاب الإسرائيلي الكامل واستعادة الحقوق الوطنية الفلسطينية، فقد رضي المواطن العربي بالجدول الزمني على مضض.. ولتحاول الدول العربية "السياسة الإيجابية" هذه المرة.

        وأقدم وزراء البترول العرب على تراجع آخر.. فقد عقدوا اجتماعا رابعا في الكويت في 25 ديسمبر، قرروا فيه هذه المرة "زيادة الإنتاج بنسبة عشرة في المائة" مع استمرار الحظر على الولايات المتحدة وهولندا وبهذا تخلت الدول العربية عن خفض الإنتاج في هذا الشهر، دون أن يتم الانسحاب الإسرائيلي  كما تم الاتفاق في القرار الأول ، ودون الوصول إلى اتفاق على الانسحاب، أو جدول زمني عن الانسحاب، كما جاء في القرار الثالث.. وقد برر وزير البترول السعودي هذا التراجع "أن نظرة  الرأي العام الأمريكي إلى النزاع العربي الإسرائيلي قد تغيرت، وأن عددا من أعضاء الكونجرس قد اتخذ مواقف موضوعية تجاه النزاع العربي الإسرائيلي" (1) وقد رحبت الدول الغربية والولايات المتحدة بالقرار العربي بزيادة الإنتاج.. وهكذا ربح العرب كلمات الترحيب من جانب أمريكا، وربحت إسرائيل دوام الاحتلال، والانتفاع بخيرات الأرض العربية المحتلة.

        ثم اجتمع وزراء النفط العرب مرة خامسة 9/12/1973 - وأعلنوا أنه "إذا تم التوصل إلى اتفاق حول الانسحاب الإسرائيلي من كل الأراضي العربية المحتلة، وفي مقدمتها مدينة القدس، بموجب جدول زمني موقع من إسرائيل وتضمن الولايات المتحدة تنفيذه فإن الحظر على تصدير النفط إلى الولايات المتحدة سيرفع فور بدء تنفيذ الجدول الزمني للانسحاب.." والجديد في هذا القرار أنه أشار إلى الجلاء عن بيت المقدس بالتحديد وبصورة خاصة.

        وكان المواطن العربي فريسة مخاوفه، في تلك الحقبة، فقد كان وزير الخارجية الأمريكية الدكتور كيسنجر يمارس هوايته في "سياسة المكوك" من عاصمة عربية إلى أخرى، والتصريحات تندلع من المدافع الدبلوماسية، من هذا الفريق أو ذاك، دون أن يدري المواطن العربي مصير هذه المعركة البترولية، وأين سترسو في نهاية المطاف.

        ومن هذه التصريحات ما ذكرته المصادر الأمريكية، من أن الملك فيصل المغفور له قال للدكتور كيسنجر "أن على أمريكا أن لا تنتظر شتاء قاسيا واحدا وإنما يمكن أن تنتظر وقف إمدادات البترول العربي حتى عام 1980، إذا لم تغير سياستها.. وأن البترول العربي لن يعود إلى ما كان عليه إلا إذا عادت الأراضي العربية المحتلة ومعها القدس إلى العرب، وأن الولايات المتحدة قد أخطأت في الحكم على تصميم ووحدة الدول العربية المنتجة للبترول في تحركهم ضد الغرب".

        ومن جهة ثانية، فقد اغتنم الرئيس الأمريكي ووزير خارجيته الدكتور كيسنجر فرصة انعقاد الأمم المتحدة في دورتها العادية في ذلك العام فراحا يدينان القرارات البترولية العربية، وكأن الأمة العربية في قفص الاتهام، وأخذا يهددان ويتوعدان الدول العربية، ويعتبران الإجراءات البترولية العربية مسئولة عن الأزمة الاقتصادية العالمية  وأصدر الدكتور  كيسنجر بيانا رسميا  (21/11/1973) حذر فيه "بقيام الولايات المتحدة بإجراءات مضادة إذا استمرت حرب النفط العربية" وفي اليوم التالي  رد وزير النفط السعودي قائلا:" إذا ما لجأت أمريكا إلى التدخل العسكري فإن بلاده ستعمد إلى تفجير عدد من آبار نفطها".

      وانعقد مؤتمر القمة العربي في الجزائر بعد خمسة أيام من التهديد الأمريكي، فعقب عليه  الرئيس الجزائري السيد بومدين بصفته رئيسا للمؤتمر قائلا :" تهديد أمريكا باحتلال منابع النفط العربي كلام فارغ هل يريدون وضع دبابة على كل متر مربع  من العالم العربي.. لقد قلت  عندما تحدثوا  عن الوحدات الأمريكية الخاصة التي تتدرب في الصحراء استعدادا لاحتلال منابع النفط العربي أن هذا يكلفنا فدائيين لنسف آبار البترول وستكون كارثة للغرب، كارثة كبرى" و استمرت التصريحات الأمريكية والعربية على هذا المنوال، والمواطن العربي لا يستطيع أن يميز الزبد من الخيار!!
     المهم أن المواطن العربي كان يتابع الآثار الخطيرة التي كان يعانيها العالم في حرب البترول، رغما عن أنه كان يرى أن "غرفة العمليات العربية" لهذه الحرب، كانت ضعيفة العمليات، بعيدة عن الحزم الصارم، فالحرب هي الحرب لا تتأرجح ولا تترحرج.. ورأى المواطن العربي الآثار الإيجابية  لمعركة البترول واضحة بارزة والأمثال كثيرة،  ولا بد من الوقوف أمامها حتى نرى كيف أن سيف البترول قد امتدت إلى مشارق الأرض ومغاربها حقيقة ولا مجازا.

       في إيطاليا-أصدرت الحكومة قرارا بغلق محطات البنزين من السبت ظهرا إلى صباح الاثنين.  وجرى  تخفيض توزيع المازوت واستهلاك الكهرباء، في المصانع والبيوت الشوارع، وأصبحت  البلاد تعيش حالة من الاختناق البترولي، وأذاع رئيس الوزراء كلمة على الشعب قال فيها :إن على إيطاليا أن تستعد لمواجهة شتاء صعب، وألا تتعلق بالأوهام، وأعلنت شركة فيات للسيارات أن صادراتها قد انخفضت بنسبة 35 في الماية.

      وفي هولندا: صدر قانون يمنع استخدام السيارات الخاصة أيام الأحد، ويتعرض لعقوبة الحبس ست سنوات، ودفع غرامة مالية قدرها أربعة آلاف دولار.. وتم تحديد كمية البنزين لكل سيارة بـ 15 لتر.. وخفضت مصانع السيارات الهولندية أيام العمل إلى أربعة في الأسبوع وخفضت درجة التدفئة في البيوت، ومنعت الإضاءة الزائدة، في جميع أنحاء البلاد.. وحذر رئيس الوزراء في إذاعة على الشعب من مستقبل اقتصادي مظلم.

        وفي بريطانيا: أعلنت الحكومة برنامجا للتقشف قريبا من برنامج الحرب، وأطلقت الصحف البريطانية على الميزانية العامة التي أصدرتها الحكومة اسم "ميزانية الظلام".. وجرى تخفيض أيام العمل إلى ثلاثة في الأسبوع.. وتوقفت برامج التلفزيون إلى الساعة العاشرة والنصف، وصدرت الأوامر بإطفاء أنوار المحلات العامة، وإلغاء الزينات التي جرت العادة على إقامتها في أيام عيد الميلاد.. وأعلنت شركات السيارات عن تعرضها لخفض نصف مليون سيارة عن مبيعاتها خلال 1974، وقيدت الحكومة استخدام الكهرباء ووقود التدفئة في المباني العامة والمنازل.. وصدرت التعليمات بخفض الإضاءة في الشوارع بنسبة 50 في الماية.. وفي 13 ديسمبر وجه رئيس الوزراء البريطاني حديثا إلى الشعب قال فيه: إن بريطانيا تواجه أقسى عيد ميلاد تشهده منذ الحرب العالمية الثانية، وقالت صحيفة التايمز: إن عشرة ملايين عامل مهددون بالتعطل عن العمل.

وفي ألمانيا الغربية: تعطل العمل في مصانع نور الشهيرة الموجودة في كولونيا، كما أعلنت مصانع أوبل أنها خفضت أيام العمل.. وأعلن مستشار ألمانيا أن نقص البترول العربي سوف يحد من نمو الاقتصاد الألماني إلى درجة الصفر، وقررت الحكومة أن تقوم الشركات باستخدام الفحم بنسبة 50 في المائة.. وكان أثر ذلك على الإنتاج الألماني فادحا.

        وفي الدانمارك: أصدرت وزارة الدفاع بيانا أعلنت فيه إلغاء المناورات العسكرية التي كان مقررا أن يجريها حلف الأطلنطي في الدانمارك في المدة من 1-16 ديسمبر 1973 بسبب نقص البترول.

        وفي فرنسا: ألغي سباق كارلو للسيارات، وكان مقررا اقامته في عام 1974 وأعلنت شركة ستروين للسيارات الإفرنسية إغلاق مصانع تجميع السيارات التابعة لها لمدة أحد عشر يوما بسبب انخفاض الإقبال على شراء السيارات.. وأمضى 36 ألف عامل في الشركة هذه الفترة في بيوتهم بلا عمل وأطفأت الأنوار التي كانت مسلطة على قوس النصر في باريس ابتداء من الساعة العاشرة مساء.. وتوقف التليفزيون  ابتداء من الحادية عشرة مساء،  وخفضت التدفئة في البيوت، وصدرت القرارات بخفض الإضاءة في واجهات المحال والمكاتب ليلا وأصبحت مدينة النور هي مدينة الظلام.

      وفي اليابان: كان الموقف أشد خطورة وقسوة، فاليابان تستورد 99 في الماية من البترول من الخارج، ولذلك فقد صدرت الأوامر إلى كل الصناعات بأن تخفض استهلاكها  للوقود والكهرباء بنسبة عشر في الماية. وأرسلت الحكومة وفدا كبيرا برياسة رئيس وزرائها للطواف على البلاد العربية، وعرض عدة مشروعات مغرية بالمساعدات المالية وعشرات المشروعات المشتركة.

      وفي أمريكا: وهنا العدو- الأكبر وجه الرئيس نيكسون خطابا إلى الشعب الأمريكي في السابع من نوفمبر قال فيه أن أمريكا تستخدم يوميا من البترول العربي ما قيمته ثلاثة ملايين برميل يوميا وإن ذلك سيؤدي إلى أخطر أزمة تشهدها أمريكا منذ الحرب العالمية الثانية، وطلب الرئيس الأمريكي إعطاءه سلطات واسعة لمواجهة الأزمة.. وقد ترتب على هذه الأزمة أن انخفضت درجة الحرارة للتدفئة في المباني الحكومية والمحال التجارية والمدارس والمنازل إلى 19 درجة مئوية، وألغيت مشروعات الزينة للأنوار الكهربائية التي كان مقررا إقامتها لمناسبة عيد الميلاد.. وبدأت  الاضطرابات الكبيرة في البورصة المالية في نيويورك.. وصدر الأمر بسريان التوقيت الصيفي لإطالة ساعات النهار وفي صناعة البناء تم تسريح  25 ألف عامل.. في صناعة الصلب ثم طرد30 ألف عامل، وطرد كثيرون من شركات الطيران،وأعلنت شركات البلاستيك أن نقص الوقود سبب لها إنهاء عمل مليون وستماية ألف عامل وأعلنت وزارة العمل الأمريكي أن 200 ألف فصلوا من وظائفهم خلال شهر نوفمبر وحده وقدر أن يصل عدد  المتعطلين عن العمل في أمريكا  نحو عشرة ملايين أي ما يساوي 12 في الماية من القوة العاملة في البلاد..وأمر  الرئيس نيكسون بإغلاق محطات البنزين أيام الأحد  وأعلنت شركة جنرال موتورز للسيارات عن خفض إنتاجها بنسبة 32 في الماية عن شهر ديسمبر، وإغلاق 16 مصنعا من مصانعها الأربعة وعشرين في أنحاء البلاد.. واتخذت إجراءات إغلاق عدد من القواعد والمنشآت البحرية التي لأمريكا على سواحل الأطلنطي، وكذلك صدرت الأوامر بتقييد طلعات أسراب الطائرات الحربية.

        وهذه نماذج صغيرة وموجزة، للآثار الكبرى التي بدأ "منجل" البترول يحصدها على ساحة العالم بأسره، وكانت هذه المعركة بذاتها كافية لأن يكتشف المواطن العربي ومعه المواطن العالمي، ما معنى البترول وما معنى خفض إنتاج البترول، ناهيك عن قطعه بصورة كلية.

        ووضح كذلك أن البترول في هذا العالم، أشبه ما يكون بالدورة الدموية في الجسد، هو مصدر الحياة.. فإذا توقف توقفت الحياة.. وعاد العالم إلى البدائية الأولى، وأنَّى له أن يستطيع ذلك بعد أن بلغ مرحلة الحضارة المتقدمة في الحياة.. وبعد أن أصبح البترول ينتج أربعة آلاف مادة من البتروكيمياوئيات: البلاستيك بأنواعه، المنظفات الصناعية، المطاط، وألياف الصوف, والنايلون الصناعية، والمبيدات الحشرية، والمفرقعات وكيماويات العطور.. و.. وآخرها البروتين البترولي الذي أصبح يستخدم كغذاء للحيوان.. ولا يستبعد أن يستخدم كغذاء للإنسان، حين يتقدم العلم ويصبح البترول للإنسان هو الكساء والغذاء والدواء.

        وإذا كان قد قيل بأن تاريخ الشرق الأوسط سيكتب بالبترول.. فإنه صحيح كذلك أن الشرق الأوسط يستطيع أن يكتب تاريخ العالم بالبترول.. ما بقي البترول في جوف الأرض العربية.

        ذلك هو سلاح البترول.. وتلك هي بعض آثار معركة البترول على ساحة العالم بأسره.. وحين كانت الأمة العربية تجني تلك الآثار والثمار سقط سيف البترول على الأرض، وعاد السيف إلى غمده، وانسحب البترول من المعركة قبل أن تنسحب إسرائيل من الأرض العربية المحتلة.

        وكان ذلك في اليوم التاسع عشر من شهر آذار من عام 1974، وهو يوم يجب أن لا تنساه الأمة العربية.. وأن لا تغتفره الأمة العربية للحكم العربي المعاصر.

        في ذلك اليوم أفاق العالم العربي مذهولا، والعالم الآخر مسرورا، حين كانت الإذاعات ووكالات الأنباء تعلن القرار العربي الذي أصدره وزراء البترول العرب برفع الحظر البترولي، وإعادة الأمور إلى سابق عهدها وكأن شيئا ما كان وللموضوع حكاية حزينة مشينة لا بد أن تروى للمواطن العربي.

      وكما تقول العجائز كان يا ما كان كان هنالك الدكتور كيسنجر  يطوف عددا من العواصم العربية، يغريها ويخدعها بأن أمريكا ستبذل قصارى جهدها لتحقيق تسوية سلمية لأزمة الشرق الأوسط، تماما كوعود الحلفاء للعرب في الحرب العالمية الأولى وأنه "ينصح" الحكومات العربية بالإقلاع عن حظر  البترول، حتى يستطيع  أن يفلح في مهمته.

      وهكذا كان، فقد اجتمع وزراء البترول العرب في طرابلس في 13 مارس 1974 وكانت نصائح كيسنجر معششة في جو الاجتماع ذلك أن  الدول العربية باستثناء ليبيا والعراق قد أخذت تجنح إلى وقف حظر البترول تحت ستار من المعاذير الواهية والمبررات التافهة، واشتد الجدال وطال، وبلغ درجة جادة من العنف، فارتأى المؤتمرون أن يؤجلوا  الاجتماع بضعة أيام وأن يعقدوه في فينا بعيدا عن الوطن العربي.

      وانعقد الاجتماع المرتقب في يومي السابع عشر والثامن عشر من شهر مارس وانتهى بإصدار قرار "تاريخي" يجب أن تقام له مناحة غضب في كل عام  حدادا على العقل العربي الذي انحدر إلى الهاوية، وعلى الأريحية العربية التي سقطت إلى الحضيض، وعلى الضمير العربي الذي تهاوى  إلى القاع،  وكل  ذلك ينصرف إلى الحكم العربي المعاصر، فإن الأمة العربية، بحمد الله سليمة العقل، عامرة الأريحية، متكاملة الضمير والوجدان

      وعد أعلن ذلك القرار "التاريخي" وقف إجراءات الردع البترولية بعد ديباجة يتجسد فيها أسلوب  الدكتور كيسنجر في معالجاته السياسية،ولا أجد دليلا أقطع وأفظع من عبارة الديباجة نفسها، وهي تقول بالنص "درس الوزراء  بتعمق نتائج الإجراءات البترولية العربية بغية تقييمها على ضوء الهدف الأساسي منها ، وهو لفت نظر العالم إلى القضية العربية وخاصة المسئولين في الدول الغربية والرأي العام فيها، وذلك من أجل خلق الجو الملائم المؤدي لتحقيق الجلاء الشامل من جيمع الأراضي العربية المحتلة.. وفي مقدمتها القدس واستعادة الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني وتجدر الإشارة في هذا العدد إلى ما يصدر من مختلف الأوساط المسئولة بالولايات المتحدة، بشكل متفاوت عن ضرورة اتخاذ سياسة أمريكية أكثر توازنا في الشرق الأوسط وتجاه العالم العربي.. ويبدو من خلال الأحداث أن السياسة الأمريكية أصبحت تتسم منذ وقت قريب باتجاه جديد نحو النزاع العربي الإسرائيلي، وهو اتجاه لو تأكد وأمكن تثبيته، فسوف يؤدي إلى أن تتخذ أمريكا موقفا أكثر تمشيا مع مبادئ الحق والعدالة تجاه الأراضي العربية المحتلة وحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة"، وبعد هذه الديباجة أعلن المؤتمرون أنهم يقررون "رفع حظر تصدير البترول عن الولايات المتحدة الأمريكية على أن يعاد النظر في هذا القرار في اجتماع يعقده وزراء البترول العرب في القاهرة في أول يونيو 1974"!!

        وواضح أن هذا القرار مرق ومارق معا.. أنه مرق فإن صياغته لا تنم عن استقامة اللغة العربية، فهي أقرب إلى الصياغة الإنجليزية، المعروفة بالتواءاتها ورخاوتها، وإنه مارق لأنه يخالف مخالفة صريحة جميع القرارات السابقة التي أصدرها وزراء البترول أنفسهم وأعلنوا فيها بصورة قاطعة جازمة استمرار إجراءات الخفض إلى أن يتم جلاء إسرائيل عن الأرض العربية، والضفة الغربية وقطاع غزة وبيت المقدس في المقدمة، ولم تتحدث القرارات من قريب أو بعيد، عن "لفت نظر العالم.. وخلق الجو الملائم.. وعن سياسة أمريكية أكثر توازنا".. إلى آخر تلك العبارات الواردة في الديباجة التي تبدو فيها اللهجة الأمريكية أسلوبا وهروبا.

        وقد فجع العالم العربي وهو يستمع إلى إذاعات الملوك والرؤساء وهي تردد قرار وزراء البترول العرب، ففي الأمس القريب كان الموقف البترولي العربي، حاسما واضحا، بأن العودة عن إجراءات البترول مرهونة بالانسحاب الإسرائيلي.. الانسحاب الفعلي عن جميع الأراضي العربية المحتلة.

        ومع هذا فقد بقي هناك بصيص من الأمل في أن يراجع الملوك والرؤساء موقفهم بعد عشرة أسابيع (في أول يونيو) وهو الموعد الذي حدده وزراء البترول العرب لإعادة النظر في القرار.. وكان الظن، وبعض الظن إثم، أن تكون تلك المدة فترة اختبار للسياسة الأمريكية لعلها.. لعلها تحمل إسرائيل على الجلاء  الكامل عن الأراضي العربية المحتلة.

        وانقضت المدة دون أن يبدو من جانب إسرائيل أية إشارة بالانسحاب ولو قيد أنملة، ودون أن تبدو في الولايات المتحدة أية رغبة في حمل إسرائيل على الانسحاب، وانعقد مؤتمر وزراء البترول العرب، فكانوا صادقين فيما وعدوا..

        لقد عقدوا اجتماعهم في أول يونيو وفي القاهرة، كما قرروا، فكانوا صادقين حقا في الالتقاء في الزمان والمكان كما اتفقوا، وكانوا صادقين حقا في أنهم تباحثوا وتداولوا وأصدروا قرارا كما وعدوا.. وكان قرارا حزينا مشينا، ولا يليق بهذه الصفحات أن تحتويه أو تشير إليه.. ولكن الأمانة للتاريخ تفرض أن نقتبسه بعبارته الكاملة إثباتا لتفاهته الكاملة.. وقال القرار ما يلي:

        "اجتمع وزراء البترول العرب، في يوم السبت الموافق 1 حزيران 1974ن وأعادوا النظر في التطورات التي حدثت في الشرق الأوسط بعد اجتماعاتهم في طرابلس في 14 آذار، وفي فينا في 17-18 آذار وخلال اجتماعهم، لم يجد الوزراء من الضروري أن يتخذوا قرارا جديدا، واتفقوا أن يجتمعوا مرة أخرى في 10 تموز 1974"!!

        وهكذا فإن وزراء البترول قد أصدروا قرارا بأنه "ليس من الضروري أن يتخذوا قرارا" رغما عن أن الاحتلال الإسرائيلي استمر قائما وقاعدا على الأرض العربية، ورغما عن أن إسرائيل تصاعدت تصريحاتها بأنها لن تنسحب إلا بعد توقيع اتفاقية الصلح، وبعد شروط أخرى، أشهر من أن تذكر.

        وظل الأمل الباهت يراود المواطن العربي في أن الاجتماع المرتجى في 10 تموز 1974 سيعيد النظر في الموقف، فكان أشبه بأمل إبليس في الجنة، كما تقول عجائزنا المباركات.

        وانعقد الاجتماع في 10 تموز كما كان مقررا، وأعاد الوزراء العرب النظر في الموقف.. وكان قرارهم بإلغاء الحظر عن هولندا وذلك من أجل "العلاقات التي يرغب في إقامتها مع الأسرة الأوروبية"..

        وقد حرص الوزراء في قرارهم هذا أن يذكروا التاريخ الهجري "الموافق 20 جمادى الثاني سنة 1394 بعد الهجرة" فالسياسة البترولية ملتزمة، بحمد الله، بتعاليم الإسلام كلها، إزاء الأرض العربية المحتلة، وبيت المقدس في المقدمة، ولم يبق إلا الالتزام بالتاريخ الهجري، كمالا وتماما..

        وكان ذلك آخر اجتماع لوزراء البترول العرب، ومضت بعده الأيام والشهور والأعوام، وإسرائيل تعلن في كل يوم أنها باقية في الأرض العربية حتى تستسلم الدول العربية للشروط الإسرائيلية استسلاما خاليا من أية شروط.. وليس هذا فحسب بل إن سرائيل ظلت ماضية في إقامة المستوطنات في الجولان وسيناء والضفة الغربية بالأموال الأمريكية، وظلت تتلقى الأسلحة الأميركية المتطورة بأموال أميركية ,وظلت تستقبل الهجرة اليهودية بالأموال الأمريكية، والأموال الأمريكية هذه هي أموال عربية في الكثير من مصادرها، بل هي أموال بترولية.

        وها قد دخل الاحتلال الإسرائيلي عامه العاشر بعد حرب الأيام الستة، وعامه الرابع بعد حرب أكتوبر دون أن تعيد الدول العربية النظر في الإجراءات البترولية.. والسبب في ذلك واضح وصريح، معلن ومنشور على رؤوس الأشهاد..

        السبب أن وزراء البترول العرب اتفقوا أن يصدروا قرارا بأن لا يصدروا قرارا..

        وهكذا انسحب البترول العربي من المعركة.. دون أن تنسحب إسرائيل.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

 

إسرائيل هذه لا سلام معها ولا كلام..

                    من النصر إلى الهزيمة فورا..

 

        كان ذلك هو الأمر الصادر من مجلس الأمن، أعلى سلطة دولية في العالم، بالعودة إلى الوراء.. إلى سبع سنوات خلت.. بالعودة من النصر المجيد إلى الهزيمة النكراء.. بالعودة من حرب أكتوبر الظافرة إلى حرب يونيو الخاسرة.

        وكان ذلك بالتحديد في الثاني والعشرين من شهر أكتوبر من عام 1973، حينما أصدر مجلس الأمن قراره الشهير الخطير رقم 338 يدعو الفرقاء "إلى تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 242 لعام 1967 بجميع أجزائه.. وأن تبدأ المفاوضات بين الأطراف المعنيين تحت الإشراف الملائم، بقصد إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط".

        وكانت كلمة "فورا" تتصدر هذا القرار.. أن ينفذ القرار 242 فورا.. وأن تبدأ المفاوضات فورا.. وأن يتم الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية فورا.

        وفي تبسيط سهل المنال والمقال، فإن معنى هذا القرار أن نعود من النصر إلى الهزيمة فورا.. وأن نبدأ المفاوضات مع العدو المحتل فورا.. وأن نعقد الصلح مع إسرائيل فورا.. هكذا وبجرة قلم، فورا.

        وكلمة "فورا" أو ما يقابلها بالإنجليزية (Immediately) ليس لها إلا معنى واحد.. أن فورا معناها فورا.. يعني سريعا من غير إبطاء ولا تأخير..

      وقد فرح الحكم العربي المعاصر بلفظة "فورا" ظنا منه أنها تعني الانسحاب فورا.. دون أن يبالي بالمعاني الفاحشة الواردة في القرارين، التي تنص على الاعتراف، والصلح، والحدود الآمنة، وحرية الملاحة.. وغير ذلك من الأمور التي تؤدي إلى إهدار القضية العربية، وتصفية القضية الفلسطينية.

      وراح الحكم العربي المعاصر يدق الطبول، ويضرب الصنوج، ويقرع الدفوف ابتهاجا بمؤتمر جنيف، ويلح على انعقاده فورا طمعا في أن تنسحب إسرائيل من الأرض العربية.. فورا دون أن يدري أن لفظة فورا قد تعني في  التعامل الدولي أعواما بعدها أعوام، وخاصة إذا كان الطرف الآخر في التعامل هو إسرائيل.

      وبدأت إسرائيل تتباطأ، وتتلكأ، بصدد مؤتمر جنيف.. حتى ينعقد، وبدأ الدكتور كيسنجر طواف "المكوك" في حواضر الشرق الأوسط، وكل همه أن يناشد إسرائيل ويقنعها بفوائد جنيف وضرورة مشاركة جميع الفرقاء المعنيين، وبدأت إسرائيل تناور وتداور، وتختلق المعاذير،..

      وترددت إسرائيل في حضور المؤتمر أولاً , بسبب خلافات داخل الحكومة الإٍسرائيلية البعض يوافقون والآخرون لا يوافقون وقد شغلت الأحزاب والصحف الإٍسرائيلية في هذا الخلاف منذ أن توقف إطلاق النار في الخامس والعشرين من شهر أكتوبر 1973 وترددت إسرائيل ، ثانيا، في تحديد موعد لانعقاد مؤتمر جنيف فوافقت "مبدئيا" على منتصف شهر ديسمبر موعدا لانعقاد المؤتمر في جنيف.. ثم تأجل إلى الثامن عشر من ديسمبر، وتأجل هذا الموعد إلى الواحد والعشرين من شهر ديسمبر ولم يكن وراء هذه التأجيلات إلا مماطلات إسرائيلية، لا مبرر لها ولا موجب،إلا العقدة الإسرائيلية، وهي أعقد من ذنب الضب كما يقول العرب

      واعترضت إسرائيل، ثالثا، في أن يكون لأوروبا أي دور في المؤتمر وأعلنت أنها لا توافق على إشراك فرنسا وبريطانيا في أعماله، مع أنهما من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، وكانا من أكبر أنصار إسرائيل.

      وأصرت إسرائيل، رابعا، أن يكون دور الأمم المتحدة في مؤتمر جنيف محدودا إلى أبعد الحدود، وأن يكون دور الأمين العام للأمم المتحدة "رمزيا" حتى يكون المؤتمر تحت إشراف الدولتين العظميين.. في حساب إسرائيل أن الأمم المتحدة أصبحت أكثريتها الحاضرة مؤيدة لوجهة النظر العربية.

        وأكدت إسرائيل، خامسا، أنها لن تحضر مؤتمر جنيف إلا إذا كان "مؤتمر سلام" فعلا، وليس اجتماعا لتنفيذ قرارات مجلس الأمن.. والغرض من هذا التخصيص أن يتوج تنفيذ قرار مجلس الأمن، بمعاهدة صلح، عنوانا وشكلا وموضوعا..

        واشترطت إسرائيل، سادسا، أن تعلن سوريا قائمة بأسماء الأسرى الإسرائيليين المحتجزين عندها قبل انعقاد المؤتمر.. وموضوع الأسرى الإسرائيليين كان الشغل الشاغل لدى الجماهير الإسرائيلية، والمتتبع لتصريحات زعماء إسرائيل، وحالة الفزع والهلع التي كانت تعيشها إسرائيل في تلك الحقبة يدرك تماما أن مجرد وجود أسرى إسرائيليين هو أكبر نقطة ضعف معنوية في إسرائيل لدى الجيش والجمهور على السواء، وخاصة لدى عائلات الأسرى أنفسهم.

        وكان كيسنجر يستمع إلى هذه الشكاوي الإسرائيلية بسرور بالغ، فقد رأى فيها فرصته الذهبية، فهو يحب هذا النوع من المشاكل ليبرز دوره "العبقري" في حلها، وخاصة أنها ليست مشاكل رئيسية ، وراح يكثر زياراته إلى تل أبيب واتصالاته بقادة إسرائيل يقنعهم بمؤتمر جنيف، من حيث المبدأ والموعد.. وانطلقت وكالات الأنباء في ذيل الدكتور كيسنجر، تتحدث عن "عظائم" الأمور وتبالغ في تفخيمها وتضخيمها للدبلوماسي الأمريكي، وكيف استطاع الوزير الخطير، والساحر الكبير، أن يقنع إسرائيل بحضور المؤتمر وكان ذلك في السابع عشر من شهر ديسمبر فقد أعلن الدكتور كيسنجر النبأ المثير بأن إسرائيل قد وافقت على حضور مؤتمر جنيف .. كما أعلن أبا ايبان وزير الخارجية الإسرائيلي، في نفس الوقت، ومن المطار، حين كان يودع الوزير الأمريكي، قائلا: "لقد توصلنا إلى اتفاق على إجراءات المؤتمر وصلاحياته، وقد كلفتني رئيسة الوزراء جولدا ماير أن أحضر المؤتمر..".

        وسارع الوفدان المصري والأردني إلى جنيف تحدوهما لفظة "فورا" الواردة في قرار مجلس الأمن  338، وهما يحسبان أن المؤتمر سينتهي إلى انسحاب إسرائيل عن الأراضي العربية المحتلة، وما إن وصلا إلى جنيف حتى بدأت  الاجتماعات في الفنادق، وفي كواليس مقر الأمم المتحدة في جنيف للبحث في إجراءات عقد المؤتمر.

       وثارت مشكلة عربية عربية حول تنظيم مائدة الاجتماعات ، واشغلت هذه المشكلة المستر فالدهايم سكرتير عام الأمم المتحدة، والوافدين الأمريكي والروسي بصفتهما رئيسين للمؤتمر، ومضى ليلتان والبحث دائر بين الوفود للوصول إلى تسوية لهذه المشكلة قبل الدخول في تسوية أزمة الشرق الأوسط!

      وكانت هذه المشكلة تتعلق بترتيب الجلوس على مائدة المؤتمر فالترتيب  الأبجدي حسب نظام الأمم المتحدة كان يقضي بأن يجلس الوفد المصري إلى جوار الوفد الإسرائيلي.. ورفض وزير خارجية مصر هذا الترتيب، واقترح أن يجلس الوفد الأردني إلى جانب الوفد الإسرائيلي  ولكن رئيس وزراء الأردن رفض هذا الاقتراح بدوره وراح مستشارو المستر فالدهايم يبحثون عن مخرج لهذه الأزمة التي لم يستطع الدكتور كيسنجر أن يجد لها حلا، رغما عن سفره "المكوكي" بين فنادق الوفود، لإقناع هذا الفريق أو ذاك!!

      ولكن رجال البروتوكول التابعين للأمم المتحدة وجدوا الحل أخيرا، فقد نظموا قاعدة الاجتماع على سبعة موائد، تبدأ من المستر  فالدهايم مائدة الصدر، وعلى يمينه مائدة الوفد المصري، وعن يساره مائدة الوفد الإسرائيلي، وعلى يمين الوفد المصري، وعن يساره  مائدة الوفد الأمريكي  ويليه مائدة الوفد الأردني وعلى يسار الوفد الإسرائيلي مائدة الوفد الروسي ثم مائدة خالية خصصت للوفد السوري الغائب.. وكانت سوريا قد أعلنت في 18 ديسمبر أنها قررت عدم الاشتراك في المؤتمر لأن إسرائيل تعمل على تحويل المؤتمر إلى ميدان للمناورات.

      وكان هذا الجلوس البروتوكولي هو السبب في تأخير المؤتمر عن الموعد المقرر، قرابة ثلاثة أرباع الساعة ولكن هذه "الأزمة الصغيرة" كانت نذيراً مبكراً إلى الدول العربية بعيد الدلالة هؤلاء الذين رفضوا أن تأخذ الصحافة العالمية صورهم وهم يجلسون بجوار إسرائيل كيف سيتعايشون بجوار حسن مع إسرائيل كما يريد مؤتمر جنيف.. وكما يريد القرار الصادر من مجلس الأمن 242 لعام 1967 ومن بعده القرار 338 لعام 1973.

        وما انتهت هذه المشكلة الجانبية حتى انعقد المؤتمر على هذه الهيئة السباعية، وسط الأنوار الباهرة التي سلط عدساتها المصورون والصحافيون ورجال التلفزيون من كل أنحاء العالم، وهم يحسبون أنهم يصورون مؤتمرا تاريخيا سيكون له ما بعده في تاريخ الشرق الأوسط بل في تاريخ العالم بأسره.. ودون أن يدروا أن تلك الجلسة ستكون يتيمة.. وأن أعواما عديدة ستمر على المؤتمر قبل أن يستأنف جلساته.. إذا كان مقررا له الانعقاد.. أو مقررا له النجاح إذا انعقد.

        وألقى السكرتير العام كلمة الافتتاح بصفته الرئيس الفخري للمؤتمر وكانت كلمته مملوءة بتوقعات لم تقع، وتمنيات لم تتحقق، فقد أعرب عن "سروره بافتتاح هذا المؤتمر التاريخي.. وأن مقر الأمم المتحدة قد آوى العديد من الاجتماعات التاريخية ولكن لم يكن من هذه الاجتماعات مثل هذه الأهمية الهائلة، التي يمثلها مؤتمر السلام عن الشرق الأوسط المنعقد هنا وأن مجلس الأمن قد عبر عن الأمل في أن يحقق المؤتمر تقدما سريعا تجاه إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط".

        ثم أبرز المستر فالدهايم في كلمته الإطار الذي ينعقد مؤتمر جنيف من خلاله فقال "إن أساس هذا الاجتماع يقوم على قرار مجلس الأمن رقم 338 الذي طالب الأطراف بالبدء فورا في تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 242 بكافة بنوده"، وكأنما أراد المستر فالدهايم أن يفند تصريحات الدول العربية التي دأبت على التوكيد بمناسبة وبغير مناسبة، أن مؤتمر جنيف سيبحث "جوهر القضية الفلسطينية".. و"تحقيق الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني". وقرارات مجلس الأمن ليس فيها جوهر القضية الفلسطينية ولا قشورها، ولا تتحدث عن الحقوق المشروعة ولا غير المشروعة للشعب الفلسطيني.

        ثم ختم المستر فالدهايم كلمته بالتمني على المشتركين في المؤتمر بالانتفاع بهذه "الفرصة لبناء أساس لسلام دائم في المنطقة، فهذه فرصة قد لا تتكرر قبل زمن طويل، وأتمنى للمؤتمر النجاح في تحقيق مهمته النبيلة" ولو أن حجاب الغيب قد سقط عن بصيرة المستر فالدهايم أو لو أنه يعرف إسرائيل كما نعرفها.. لقال "إن هذه جلسة قد لا تتكرر قبل زمن طويل" كما أثبت هذا الزمن الطويل..

        وأعقبه المستر جروميكو وزير خارجية الاتحاد السوفييتي في الكلام، ومن مصادفات القدر الغريب أن جروميكو قد رافق القضية الفلسطينية في الأمم المتحدة منذ نشأتها في عام 1947، فخاض غمارها باندفاع منقطع النظير في الدفاع عن اليهود، وحقهم في الاستقلال الوطني وإنشاء دولة يهودية، والمواطن العربي حين يقرأ خطبه النارية في تأييد القضية اليهودية والتنديد بالحكومات العربية حين دخلت الحرب في فلسطين في عام 1948، ليصاب بنوبة من الذهول، ويعجب كيف يجد المستر جروميكو الشجاعة في نفسه لأن يحضر مؤتمر جنيف للاشتراك في بحث القضية الفلسطينية، وهو شخصيا بالذات، بالإضافة إلى حكومة ستالين يومذاك، له دور بارز في إنشاء إسرائيل، وما جر ذلك من الويلات على العالم العربي، وعلى الأمن والسلام الدوليين في العالم أجمع.

        ولذلك كان عجيبا أن يفتتح المستر جروميكو كلمته بقوله "إن الاتحاد السوفييتي يشعر بارتياح عميق وهو يرحب بهذا المؤتمر الذي ينعقد لبحث تسوية سياسية لمشكلة دولية تعد من أكثر المشاكل حدة، وعلى مدى ربع قرن من الزمان كانت دائما مصدرا للتوتر، لم يقتصر على منطقة الشرق الأوسط فحسب بل فاق بكثير حدود هذه المنطقة" وقد فات الوزير الروسي أن الاتحاد السوفييتي كان له دور كبير في خلق هذه المشكلة، وجعلها سببا من أسباب التوتر في المنطقة وفي العالم أجمع.

        ثم يمضي المستر جروميكو في الحديث ببراءة تامة عن تاريخ هذه المشكلة مشيرا إلى حرب الأيام الستة، وكيف "أنها عرضت مصير العالم إلى الخطر، ثم إلى حرب أكتوبر، عندما اتسمت التحركات العسكرية بطابع العنف الأقصى، وإن كانت لم تستمر طويلا" والقارئ لهذا الكلام لا يدري إذا كان المستر جروميكو فرحا أم آسفا لأن الحرب لم تستمر طويلا.. ففي الحالتين فإن الاتحاد السوفييتي مسؤولا أولا وأخيرا عن هذه الحرب قصرا وطولا، وبالتالي فرحا وحزنا..

        وبالبراءة نفسها يقترح المستر جروميكو السبيل لإزالة هذا التوتر، فيقول "ومما لا مجال للشك فيه هو أنه إذا لم نبادر لاقتلاع الجذور الأساسية للتوتر السائد في الشرق الأوسط فإنه يمكن في أي لحظة أن يقع اشتباك دموي آخر في المنطقة" وهذه مقولة صحيحة، ومسلمة لا جدال فيها.. ويبدو لأول وهلة أن المستر جروميكو قد وضع يده على موضع الداء، حين يدعو إلى اقتلاع الجذور الأساسية للتوتر.. وأنه يكاد أن يقترح إزالة إسرائيل من الوجود في الشرق الأوسط باعتبار أنها هي مجموعة الجذور الأساسية للشرق الأوسط.

        ولكن المستر جروميكو لا يسير مع مقولته هذه، فما هي إلا بضعة أسطر من خطابه حتى يعود إلى القول "من الضروري ضمان الاعتراف بسيادة ووحدة تراب والاستقلال السياسي لجميع دول الشرق الأوسط واحترامها، وكذلك يحق لهذه الدول في أن تحيا في سلام، وهذا الحق ينطبق أيضا على إسرائيل" وهو بهذه الإشارة الواضحة للوجود الشرعي لإسرائيل قد أبقى جذور المشكلة في موضوعها.. إنه لا يدعو إلى اقتلاعها ولكنه يؤكد بقاءها في الأرض لتحيا وتنمو وتزدهر.

        وفي براءة أخرى يمضي الوزير جروميكو ويقرر مبدأ آخر يقول فيه "إن الاتحاد السوفييتي يؤمن إيمانا راسخا بضرورة تطبيق مبدأ أساسي ومعتمد في العلاقات الدولية، دون أي تحريف، ونقصد هنا مبدأ عدم قبول الحصول على أراض بالالتجاء إلى الحرب" ولكنه يعود لينقض هذه المقولة حين يقول "إن أي مستند يعتمده هذا المؤتمر يجب أن يتضمن التزامات واضحة ومحددة وخاصة لعملية انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي المحتلة في عام 1967" والاتحاد السوفييتي يعلم قبل غيره، أن خطوط 1967 هي عدوان محض وصلت إليها إسرائيل بالعدوان المتواصل على مدى عشرين عاما.. وأن هنالك خمسة آلاف كيلو متر مربع من الوطن الفلسطيني تقع بين خطوط 1947 التي وضعتها الأمم المتحدة، وخطوط 1967 التي وضعها العدوان الإسرائيلي، وهذه الرقعة من المساحة المذكورة كانت الأمم المتحدة قد خصصتها كجزء من الدولة العربية المقترحة فكيف جاز للاتحاد السوفيتي أن يعتبرها جزءاً من حدود إسرائيل يتوجب على الفريق العربي احترامها والاعتراف بها.

      ولكن الذنب الأول في هذا الأمر يقع على الدول العربية الراضية بهذه التوصية على هذا الأساس، ولا يقع على كاهل الاتحاد السوفيتي وحده.. ومن أجل ذلك فإن المستر جروميكو قد أشار إلى ذلك في خطابه ووضع المسئولية حيث يجب أن تكون أولا، فقال في كلامه" وقد اصبح من الواضح الآن للجميع بأن الدول العربية لن ترضى أبدى بضياع الأراضي التي أخذت منها في عام 1967 .. ولا جدوى من التفكير أنه في الإمكان الاحتفاظ بهذه الأراضي المحتلة بالقوة وأن  جيران إسرائيل من العرب قد أبدوا استعدادهم للتفاوض من أجل تسوية قائمة على أساس القرارات المعروفة التي أصدرها مجلس الأمن " وكأنه المستر جروميكو أراد أن يقول لليساريين العرب حين يجادلون الاتحاد السوفيتي بشأن القضية الفلسطينية: أن العرب لا يريدون أكثر من ذلك، والاتحاد السوفيتي لا يمكن عربيا أكثر من العرب أنفسهم.

      وختم المستر جروميكو خطابه بعبارات متعددة ومتنوعة تشير إلى أن تسوية أزمة الشرق الأوسط يجب أن تتم في إطار اتفاق سلام كامل له قوة القانون فهو يقول "ونحن نرى الاتفاقيات حول هذه التسوية ستجسد في شكل مستندات مناسبة تكون ذات مضمون واف وأن تلزم جميع الأطراف التي توقع عليها  وأن تكون لهذه المستندات  قوة القانون وأن الالتزامات التي تتحملها الأطراف بحكم القانون الدولي هي أفضل ضمان للأمن  المتبادل وذلك عن طريق التنفيذ الدقيق لهذه المعاهدات والاتفاقات المبرمة بينها وليت عرب التسوية ومن معه من بعض الفلسطينيين يفهمون هذه الكلام جيدا، وهو صادر من دولة صديقة، ومن وزير مسئول يقول عن الاتحاد السوفيتي بأنه "جد متفهم لموقف الدول العربية فوقف بجانبها"!!

      وكائنا ما كان الأمر فليس من حقنا أن نعيب على الاتحاد السوفيتي بصدد سياستة في الشرق الأوسط وبصدد قضية فلسطين بالذات إذ لا ينبغي أن يغيب عن بالنا لدقيقة واحدة أن الاتحاد السوفيتي كدولة عظمى له نظرته الاستراتيجية الكبرى في العالم وفي الشرق الأوسط بالذات، وهو لا يخفي ذلك، فيكفي أن نقرأ في ختام خطابه عبارة واضحة التعبير حين يقول "ويجب علينا أن نتصور مدى التحسن الذي سيطرأ على المناخ الدولي بسبب إنهاء الصراع في الشرق الأوسط.. فذلك سيكون له تأثير مفيد على الأوضاع في حوض البحر الأبيض المتوسط وأوروبا وآسيا بل في العالم بأجمعه" ومن هنا فإن الاتحاد السوفييتي ينظر إلى مشكلتنا لا بمنظارنا، ولكن بمنظاره هو، في إطار الوفاق الدولي، وكجزء من مشاكله الكبرى مع الولايات المتحدة، العملاق الآخر في هذا العالم الدولي.

        وجاء دور العملاق الآخر فألقى الدكتور كيسنجر خطابا حافلا بالمعاني المدمِرة للقضية العربية ومعها القضية الفلسطينية، مستخدما ظاهر العلم والمنطق، في تأييد منطلقاته السياسية، وهذه المعاني الكيسنجرية قد تبدو بريئة طاهرة إذا قيلت بشأن أية قضية دولية، ولكنها حين تستخدم في قضية الشرق الأوسط وفي قضية فلسطين بالذات فإنها تعني دمار القضية من جذورها العميقة، وبقاء أغصانها وفروعها فوق الأرض لتجف وتجف، ثم تصبح هشيما تذروه الرياح.

        وفي هجمة ضارية مغلقة بالحرير أطلق الدكتور كيسنجر عياراته في عباراته فقال بعد المقدمة "يجب أن تتوفر لنا جميعا الحكمة لاغتنام هذه اللحظة من أجل القضاء على قيود الماضي ونخلق أخيرا أملا جديدا للمستقبل" وقيود الماضي، هي مقومات النضال العربي، والقضية العربية، ومعها القضية الفلسطينية.. وهذا ما يريد الدكتور كيسنجر القضاء عليه بالحكمة.. "وبالموعظة الحسنة"، إذا لزم الأمر.

        ويطلق الدكتور كيسنجر بعد ذلك قنبلة قاتلة حين يقول "وهناك قول عربي.. اللي فات مات" يعني أن الماضي قد مات ؟ ولقد ردد القول العربي باللغة العربية ليكون كلامه في غاية الوضوح.. ورغما عن وضوح هذا القول بذاته، فقد فسره بعبارة بسيطة أن ما مضى قد مات.. وهو يعني بذلك أن القضية الفلسطينية بمفهومها العربي قد ماتت.. وأن مهمة هذا المؤتمر هو إصدار شهادة بوفاة القضية ولا يبقى سوى الجنازة وإجراءات الدفن، وكل ذلك سيكون مكتوبا في اتفاق الصلح الذي سينتهي إليه مؤتمر جنيف.

        ويمضي الدكتور كيسنجر بعد ذلك ليطلب إلى أصحاب القضية العربية، ومعها القضية الفلسطينية قائلا، "دعونا نقرر اليوم هنا أننا سنتغلب على ميراث الكراهية".. والحديث عن الكراهية منصرف إلى الأمة العربية فهي التي تكره إسرائيل بسبب احتلالها لفلسطين، وبسبب أطماعها العدوانية والتوسيعية المعروفة.. وهذه كراهية شرعية مشروعة لأنها هي الحافز القومي النبيل لخوض معركة التحرير.. وكراهية الاستعمار هي التي حفزت شعوب الأرض على مقاومة الاستعمار وتحرير الأوطان ولكن الدكتور  كيسنجر يدعوا إلى التخلي عن كراهية  العرب لإسرائيل لأن ذلك هو مفتاح الحل به يتم انفتاح القلوب على الصلح والسلام والتعايش : ويغني الفريقان معزوفة اللي فات مات.

      ثم يعود الدكتور كيسنجر ليؤكد هذه المعاني مرة ثانية، ولكن هذه المرة من  زاوية  الدول العربية التي تغيرت مواقفها من القضية فيقول :" إن النزاع لم يعد ينظر إليه كلية بعبارات المطلقات غير القابلة للتوافق، فإن الأيدلوجيات الملتهبة التي سادت في الماضي قد حل محلها، ولو جزئيا، اعتراف بأن كافة الشعوب المعينة تستحق  فترة سلام طويلة" والمعنى البسيط لكلام الدكتور كيسنجر بإنهاء عبارات "تحريرية فلسطين" و "فلسطين عربية" و"إسرائيل عدوانية توسعية محتلة" وأن ما يماثلها من الأيدلوجيات الملتهبة لم يعد لها مكان عند الأمة العربية وقد حل محلها معان أخرى تشير إلى السلام والتعايش والجوار الحسن.

      وليس هذا فحسب، بل أراد الدكتور كيسنجر أن يستغل مناسبة هذا المؤتمر الدولي ليعلن من منبره وعلى مسمع من الاتحاد السوفيتي أن  أمريكا قد استعادت نفوذها  في الشرق الأوسط وأنها لا تكتفي باستعادة مكانتها لدى أصدقاءها السابقين وإنما  تطمع بتحويل الأعداء إلى الاصدقاء، وهذا ما يفسر قوله "لقد أرسلني الرئيس ينكسون هنا لأنة عمل  مدة خمس سنوات على بناء هيكل جديد لسلام الدولي، تزداد فيه ثقة الروابط مع الأصدقاء القدامى وتحل صداقات جديدة وبناءة محل عدم الثقة والمواجهة مع الأعداء".

      وانتقل بعد ذلك إلى الحديث عن تصوره للسلام المرتقب، فلخص الموقف ببضع كلمات مليئة بالمعاول لهدم القضية العربية في أهم أعمدتها، فهو يقول "ويجب أن يشمل اتفاق السلام ضمن ما يشمل على العناصر التالية: الانسحاب بحدود معترف بها، ترتيبات أمن مثل مناطق منزوعة السلاح، ضمانات، تسوية المصالح المشروعة للفلسطينيين، والاعتراف بأن القدس تضم أماكن تعد مقدسة من قبل ثلاثة أديان كبرى".

        وهذا التلخيص الملخص للدكتور كيسنجر ينطوي، بكل هدوء وبراءة، على تأييد كامل للموقف الإسرائيلي، فهو لم يقل بالانسحاب الكامل، كما يطلب العرب، ولم يتحدث عن قضية فلسطين ولا عن الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، كما يحلو للحكم العربي أن يتحدث، ولكنه جعل الانسحاب إلى حدود تريدها إسرائيل ويعترف بها العرب، وذلك ما تريده إسرائيل تماما.

        ولكن أبشع ما في هذا التلخيص الذي طرحه كيسنجر أنه لم يتحدث عن "القدس" فهذه عنده عاصمة إسرائيل. ولكنه تحدث عن الأماكن المقدسة للأديان الثلاثة.. وإسرائيل منذ احتلالها لبيت المقدس، وهي تعلن أنها مستعدة لاحترام الأماكن المقدسة والسماح للجميع بحق الزيارة والعبادة.. وهكذا فإن كيسنجر يردد الموقف الإسرائيلي ولكن بصياغة كيسنجرية لا بعبارات إسرائيلية.

        وحتى لا يكون هنالك أي شك لدى الوفود العربية، فقد ذهب الدكتور كيسنجر إلى أبعد من ذلك في توكيد هذه المعاني فمضى يقول "ولسوف يتطلب السلام ربط ضرورة الانسحاب بمتطلبات الأمن، ومطالب الضمانات بتمتع كل الأطراف بالسيادة "وهذه الكلمات هي تلخيص لصفحات كلها تأخذ بوجهة النظر الإسرائيلية".

        ومرة أخرى، حتى لا يكون هنالك شك لدى العرب والفلسطينيين معا، فقد تحدث الدكتور كيسنجر بكل نعومة وأناقة، عن مشكلة اللاجئين والنازحين والمشردين، أن فأعلن عليهم أن يظلوا نازحين ومشردين، فقد قال في تضاعيف رؤيته للتسوية السلمية "ينبغي ربط آمال الذين أبعدوا بالحقائق القائمة الآن" وهذا هو المنطق الإسرائيلي، بالتمام والكمال، حين ترفض إسرائيل عودة اللاجئين إلى ديارهم، بحجة أن أوضاع البلاد قد تغيرت، وقد حل مليونا يهودي محل مليوني عربي.. ولم تعد الحقائق القائمة تسمح بعودة اللاجئين..

        ثم راح الدكتور كيسنجر يؤكد الالتزام بالنظرة الواقعية لأزمة الشرق الأوسط، فقد تابع حديثه قائلا "إننا نؤمن بضرورة وجود مفاوضات واقعية بين الأطراف.. وعلى عاتق الأطراف تقع المسؤولية الأساسية"..

وفي هذه الكلمات الأخيرة، برَّأ الدكتور كيسنجر الولايات المتحدة من المسؤولية الأساسية ومن دورها الأساسي في خلق المشكلة ابتداء وانتهاء.. وحشر الدول العربية في زنزانة المفاوضات، فلا إفراج ولا انفراج إلا باتفاقية صلح.. ولا انسحاب إلا بالاستسلام "للسلام".

        ثم راح كيسنجر يتكلم بلغة الواعظ في قدس الأقداس، البريء من الآثام والأدناس، وهو يقول "إن وراء هذا المؤتمر حربا جاءت بالحزن والألم، حربا كلفت الجانبين كثيرا، ولم تؤد إلى نصر أو هزيمة" وكادت جدران القاعة أن تضج بالاستنكار والاحتجاج على هذا الكلام، ذلك أن أمريكا هي المسؤول الأول عبر ثلاثين عاما عن الآلام والأحزان التي حلت بالجميع على السواء.. وأنه لولا أمريكا لما حل التقتيل والتدمير، ولكانت بلاد السلام آمنة ناعمة بالسلام.

        ثم إن الدكتور كيسنجر يعزي إسرائيل عن هزيمتها، ويهوّن على العرب نصرهم المجيد، فيقول للعرب إن الحرب لم تؤد إلى نصر.. ويقول لإسرائيل إن الحرب لم تؤد إلى هزيمة.. وهكذا جمع هذه المعاني في عبارة ماكرة.. وإذا كان العرب لم ينتصروا وإسرائيل لم تهزم.. فذلك في الحساب النهائي نصر لإسرائيل..

        وفي نفس الأسلوب فإن الدكتور كيسنجر يعترف أن للعرب حقا، وأن لإسرائيل حقا، حين يقول "إن المآسي الكبرى في التاريخ لا تقع عندما يجابه الخطأ الصواب، ولكن حينما تكون المواجهة بين صوابين، ومشكلة الشرق الأوسط لها نفس هذه الطبيعة فهناك عدالة لدى كل جانب" والمهم في هذه المعادلة الكيسنجرية أن إسرائيل، وهي على باطل، قد خرجت بصواب.. ولو بنصف صواب.. أليس هذا كسبا كبيرا لإسرائيل، وخسرانا كبيرا للعرب.

        ولم يسع الدكتور كيسنجر في ختام خطابه إلا أن يخلع رداءه الأمريكي وجلده الألماني، ليعود يهوديا من الرأس إلى أخمص القدمين، فقد استمع إليه العالم وهو يقول "لقد كان حكيما يهوديا يعبر عن الإنسانية جمعاء هو الذي عرض المشكلة بأسلوب صحيح قائلا: "إذا لم أكن مؤيدا لنفسي فمن الذي يؤيدني، ولكن إذا كنت مؤيدا لنفسي وحدي فمن أنا؟!".

        إنها عبارة خلابة جذابة، لها موسيقى رائعة، ولكن.. ولكن أين كانت هذه المعزوفة الرائعة في 1917 حينما أصدرت بريطانيا وعد بلفور، وفي 1922 حينما أصدرت عصبة الأمم صك الانتداب على فلسطين، وفي الأعوام الثلاثين حينما تدفقت الهجرة اليهودية على فلسطين، وفي عام 1947 حينما اقترفت أمريكا جنايتها بفرض التقسيم، وفي الأعوام الثلاثين التالية حينما أمدت أمريكا إسرائيل بالمال والسلاح لتشرد شعبا آمنا عن وطنه، وتشن حرب "الثلاثين عاما" كما أسماها الدكتور كيسنجر نفسه..

        وكلام الدكتور كيسنجر هذا، يدخل اليوم عامه الخامس بعد انعقاد الجلسة اليتيمة لمؤتمر جنيف.. وجاء عهد الإدارة الجديدة برئاسة السيد جيمي كارتر، "وطرب" عرب التسوية على تصريحات الرئيس الجديد بأنه ملتزم في سياسته بالأخلاقيات والمبادئ الدينية، ولكن ما لبث أن أعلن السيد جيمي كارتر بعد ذلك (10/3/1977) أن طريق التسوية شاق وطويل وممل، وأن الوصول إلى اتفاق سلام يحتاج على الأغلب إلى ثماني سنوات.. ومعنى ذلك بقاء الاحتلال الإسرائيلي على الأراضي العربية مدة تقرب من عشرين عاما.. هذه هي حصيلة سياسة الرئيس فورد ووزيره كيسنجر، ومعه الرئيس كارتر ووزيره فانس، والأعوام القادمة ستحمل إلى الحكم العربي المعاصر مواقف ومواقف من السياسة الأمريكية، لعلها تنقل السياسة العربية من المهادنة، إلى المواجهة..

        والواقع أن من يتابع مواقف الإدارة الأمريكية الجديدة لا بد له أن يستخلص بأن السياسة الأمريكية في عام 1977 هي امتداد للسياسة الكيسنجرية في عام 1973 كما شرحها الدكتور كيسنجر نفسه في مؤتمر جنيف.

        وفي خضم هذه المعميات والرموز والطلاسم التي حشرها الدكتور كيسنجر في غاية من المبهمات الدولية كان الدور قد وقع على الوفد المصري أن يلقي بيانه السياسي، ولو أن هذه الموقف كان في حقبة سابقة بين الخمسينات والستينات لكان الوفد المصري قادرا أن يكيل للدكتور كيسنجر الصاع صاعين، وأن يمسح الأرض بمقولاته كلها.. ولكن السياسة العربية الحاضرة قد دخلت في تجربة جديدة بعد حرب أكتوبر تسعى من ورائها أن تتودد لأمريكا لعلها تحمل إسرائيل على الانسحاب من الأرض العربية.

        ومن أجل ذلك التزم الوفد المصري بقراءة البيان السياسي المكتوب في القاهرة دون أن يشير إلى خطاب الدكتور كيسنجر من قريب أو من بعيد وكان حافلا  "بالمقاتل، والرامي يصيب حيثما رمى.. ولهذا  فقد مر خطاب كيسنجر من غير جواب، وخاصة ترديده  للمثل العربي "اللي فات مات"، وهذه الكلمات تحتمل الرد على مدى ساعات .. فإن الذي فات مات ليست هي الحقائق القديمة والمعاصرة للوجود  الفلسطيني في  فلسطين، بل الأساطير الغارقة في الخرافات عن الوجود اليهودي في فلسطين، قبل ثلاثة آلاف عام، فهذه يصدق عليها اللي فات مات..

      ومع هذا ورغما عن أن خطاب الوزير المصري يستلهم القرار 242 الصادر من مجلس الأمن، وهو القرار الذي فصلنا مخاطره القومية، فإن ذلك الخطاب لم يخلُ من معان قومية أصيلة حين قال "لا حاجة للإشارة إلى الأحداث المفجعة التي اجتاحت المنطقة عندما حُرِمَ"  الفلسطينيون من حقوقهم الوطنية وطردوا بالقوة من أرضهم تلك الأرض التي ننتمي إليها نحن وإياهم حتى قيام الساعة". وكانت هذه خبر إشارة في الخطاب وكذلك إشارته إلى أن إسرائيل هي "الإسفين الذي غرس بالعنف وباسم الدين في ربوعهم-العرب-بغية السيطرة والاستغلال وممارسة العنصرية". 

      وفي إطار موقف مصر من قرار مجلس الأمن رقم 242 فقد كان خير ما قاله الوزير المصري وهو يسرد شروط التسوية السلمية إشارته إلى "تحرير مدينة القدس العربية ورفض أي موقف من شأنه المساس بالسيادة العربية الكاملة على المدينة المقدسة.. وأن العالم العربي لن يتقبل أن تظل القدس مدينة السلام تحت نير الاحتلال".

        ثم ألقى رئيس وزراء الأردن خطابه، وابتدأه بمقدمة مثيرة للعجب، ذلك أنه بدلا من أن يستلهم شيئا من كنوز التراث الإسلامي العربي ليجعله فاتحة كلامه، كما فعل الوزير الأمريكي باستشهاده بكلمات الحكيم اليهودي فقد تكلم الرئيس الأردني هكذا "قد يكون من المناسب ونحن قادمون إلى مؤتمر السلام، أن يفيد ترديد كلمات الشاعر رابيندرانات طاغور: أعطني الوفاء الأكبر في الحب، هذه هي صلاتي، وفاء الحياة في الموت، والنصر في الهزيمة، والقوة المختبئة في ضعف الجمال"، وهذا اقتباس لا صلة له بالموضوع.. ويبدو أن الذين كتبوا هذه الخطاب لرئيس وزراء الأردن لا يعرفون قولا عربيا أو إسلاميا جديرا بهذه المناسبة، وتلك هي البلية.

        ولكن خطاب رئيس وزراء الأردن قد تضمن إيجازا حسنا للمشكلة الفلسطينية من أساسها مع عرض لموضوع اللاجئين وإشارة موفقة إلى "أن إسرائيل لا تشاركنا بيئتنا.. ودخيلة غريبة على وطننا" ثم انتهى إلى تلخيص المطالب العربية الرسمية مؤكدا حق العودة للاجئين وعروبة بيت المقدس.. ولكن ما جدوى ذلك، والموقف العربي اختار لنفسه منذ البداية أن يسجن حركته السياسية والدبلوماسية في زنزانة صغيرة، تلك هي قرار مجلس الأمن رقم 242.. وإنها لتذكرنا بالزنزانات التي كان يسجن فيها شبابنا في فلسطين في عهد الانتداب البريطاني، ليس لها نوافذ ولا منافذ.

        وبهذه الخطب الخمسة: السكرتير العام، الاتحاد السوفييتي، الولايات المتحدة، الوفد المصري، الوفد الأردني، انتهت الجلسة الأولى لمؤتمر جنيف، وتأجل الاجتماع إلى جلسة ثانية تعقد في المساء، يتكلم فيها أبا إيبان وزير خارجية العدو.. لتكون الجلسة له وحده ولحسابه، وليكون مؤتمر جنيف له "من بابه" كما يقول العامة في بلادنا.

        ولن أحاول أن أتعرض لخطاب الوزير الإسرائيلي في ذيل هذا الفصل، إنه جدير بفصل جديد، إن أجهزة الإعلام العربية الرسمية قد حجبت هذا الخطاب عن المواطن العربي، وإننا لنتساءل هل أراد الحكم العربي المعاصر أن يهون من أمر إسرائيل.. هل أراد أن يجهل المواطن العربي بحقيقة إسرائيل وأهدافها القريبة والبعيدة.

        إن الخطاب جد خطير.. وعلى كل مواطن عربي أن يعرفه معرفة عميقة..

        إن الخطاب صورة حية مجسمة لإسرائيل، فكرها العميق، عقيدتها العنيدة، أهدافها الطاغية، عدوانها الضاري، غطرستها الشرسة، كل ذلك يكشف عنه وزيرها الفاهم وخطيبها العالم، وذلك يزيد الخطاب خطرا على خطر.. فتعال معي أيها المواطن العربي نتعلم ونتفهم.

        ولو أن الوفود العربية يملكون زمام أمرهم، ما وسعهم بعد هذا الخطاب أن يبقوا في جنيف ساعة أخرى.. ولعادوا إلى عواصمهم ليصيحوا في الشوارع والساحات.

        إسرائيل هذه، لا حياة معها، ولا سلام، ولا كلام..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                       

 

 إسرائيل في جنيف..

ماذا قالت وماذا أرادت؟

 

        في الجلسة الأولى لمؤتمر جنيف، وبالتحديد في اليوم الواحد والعشرين من شهر ديسمبر من عام 1973، أنشبت إسرائيل، كما تفعل القطة تماما، مخلبين بارزين من مخالبها الحادة الانتهازية والاستغلالية، وكشفت من جديد، وعلى صعيد عالمي، الحقيقة الأصيلة المتمثلة في الحركة الصهيونية ووليدتها إسرائيل، طبيعة، وعقيدة، ومنهجا وحياة وهدفا ووجودا..

        وكل هذه الخصائص الخلقية لا تخضع للتعديل أو التبديل، ولا للتهذيب والتلطيف، ولا سبيل للخلاص منها، إلا بالخلاص من الكيان الذي يحتويها، والهيكل الذي يؤويها.

        وقد تجلى كل ذل في الخطاب الذي ألقاه الوزير الإسرائيلي أبا إيبان في عشية الجلسة الأولى لافتتاح مؤتمر جنيف.. ولم يكن ذلك الخطاب عفويا ارتجاليا أملته حماسة الساعة واندفاعة المناسبة، ولكنه كان خطابا مكتوبا مدروسا، أعده عدو عالم فاهم، وإذا كان شعار إعرف عدوك ينبغي أن يعلقه كل مواطن عربي قلادة في عنقه من المهد إلى اللحد.. فلنجعل هذا الشعار "إعرف عدوك العالم الفاهم".. ومن هنا كان هذا الفصل مكرسا للمواطن العربي ليعرف عدوه معرفة العلم والفهم، وبهذا تصبح مواقفنا الوطنية أشد رسوخا وأصلب عودا.

        يبدأ الوزير الإسرائيلي، أول ما يبدأ، مهللا مستبشرا بانعقاد مؤتمر جنيف، بمجرد انعقاده، ذلك أن أحدا من أوسع الحالمين خيالا، لم يكن يخطر بباله عبر السبعين عاما التي مضت على قيام الصهيونية كحركة فاعلة، أن ينعقد اجتماع دولي بين العرب وإسرائيل يستهدف إقامة سلام دائم بينهما، سلام يستهدف التسليم بوطن عربي لشعب يهودي..

ولقد كان هذا الحلم ضخما بعيد المنال، لم يكن اليهود أنفسهم يتوقعون أن يقع.. ومن هنا كان الوزير الإسرائيلي أمام مفاجأة هبطت من السماء فلم يستطع أن يكتم ذهوله أمامها، فلم يتمالك إلا أن يبدأ خطابه بها قائلا "لم يحدث أبدا حتى الآن أن انعقد أي مؤتمر للسلام بين الدول العربية وإسرائيل، وبدلا من ذلك شجرت بينهما حروب كثيرة ذهب ضحيتها الآلاف من الأرواح، في منطقة عاشت في ألم مبرح طويل، ولكن الفرصة جاءت اليوم أخيرا"!!

        والواقع أن هذه "الفرصة" التي تحدث عنها الوزير الإسرائيلي لم تكن تخطر ببال عربي أو يهودي.. حتى أولئك الذين ذهبوا صرعى قضية فلسطين من أمثال الملك عبد الله بن الحسين ملك المملكة الأردنية الهاشمية، ونوري باشا السعيد حاكم العراق المعروف، لم يكونا يتصوران أنه سوف يأتي يوم يلتقي فيه الوزراء العرب والإسرائيليون تحت سقف واحد، وتحت علم الأمم المتحدة، وتحت رياسة العملاقين الكبيرين، من أجل توقيع معاهدة صلح بين الدول العربية وإسرائيل.. وأن تكون صفقة هذا الصلح، هي فلسطين، الموطن العربي منذ فجر التاريخ..

        ولم يكن الوزير الإسرائيلي مبالغا في قولته ولا مغاليا في فرحته، حين أعلن من ذلك المنبر العالمي وعلى مسمع من مئات الصحفيين "أن الفرصة جاءت أخيرا" فقد بذل اليهود والصهاينة خلال سبعين عاما جهودا مضنية ليلتقوا مع مسؤول فلسطيني أو عربي واحد للتفاهم والتصالح والتعايش، فلم يفلحوا أبدا.

        لقد حاولوا ذلك زمن الدولة العثمانية مع نواب العرب والفلسطينيين في مجلس المبعوثان في الأستانة، في عهد هرتسل فذهبت جهودهم أدراج الرياح..

        ثم حاولوا ذلك في عهد الانتداب البريطاني مع رجال فلسطين والعروبة في مناسبات متعددة في العواصم الغربية، وتحت ضغوط دولية فباءوا بالفشل ولم يظفروا بطائل أو نائل..

        وحاولوا في عام 1939 في مؤتمر لندن الشهير الذي انعقد في قصر سانت جيمس وحضره حكماء العرب يومذاك أمثال "علي ماهر باشا (مصر)، والأمير فيصل الملك (السعودية)، ونوري باشا السعيد (العراق)، وتوفيق أبو الهدى باشا (الأردن).. وأشاح العرب بوجههم، ولم يستطع الوفد اليهودي برياسة الدكتور حاييم وايزمن أن يلتقي مع أي من الوفود العربية... ولم تكن إسرائيل قد قامت يومئذ.

        وفي غضون ثلاثين عاما بعد قيام إسرائيل، بذلت جهود جبارة من قبل الوسيط الدولي برنادوت، ولجنة التوفيق الدولية، وأخيرا السفير يارنج لعقد اجتماع يلتقي فيه العرب واليهود ليتحدثوا، ويتفاهموا، ويتفقوا.. إذا أمكن الاتفاق بالنهاية.. ولكن هذه الجهود كان نصيبها الإخفاق، رغما عن أنه كان وراءها مساع دولية مكثفة على رأسها الولايات المتحدة.

        ولم يتقاعس اليهود والصهيونيون عن طلب الوساطة الحميدة من الشخصيات العالمية المعروفة بصداقتها للأمة العربية، مثل الرئيس نهرو _ والرئيس تيتو  والرئيس سوكارنو، فقد اتصلت إسرائيل بهؤلاء الرؤساء الكبار وغيرهم، متوسلة إليهم أن يحملوا أصدقاءهم العرب على الالتقاء بالقادة العرب، في أي مكان وفي أي زمان.. ولكن أحدا من قادة العرب لم يرض أن يسجل عليه التاريخ هذا الإثم القومي الكبير الخطير.

        وهذه هي الخلفية الموجزة التي دفعت الوزير الإسرائيلي أن يتحدث بصوت عال عن بهجته وفجأته، أمام هذا الحدث المثير.. "أمام الفرصة التي جاءت أخيرا".. جاءت أخيرا بعد سبعين عاما.. ومن موقع هذه "الفرصة" راح الوزير الإسرائيلي يتحدث عن الهدف من مؤتمر جنيف، حتى تكون الأمور واضحة عند الأمة العربية وعند العالم أجمع.. فلا يكون هناك لبس ولا إبهام.. فمضى يقول: "إن الغرض المتفق عليه من هذا المؤتمر هو التفاوض من أجل السلام بين دول اتسمت العلاقات بينها بمظاهر عداوة ضارية، تفجرت المرة بعد المرة في حروب متتالية، وليس الهجوم الأخير الذي شنته ضدنا مصر وسوريا في 6 أكتوبر إلا الحلقة الأخيرة من سلسلة عنف تمتد مباشرة إلى حياة إسرائيل كدولة حديثة".

        وفي هذه الكلمات القليلات طرح الوزير الإسرائيلي عدة أمور منها: المفاوضات، والسلام، وإسرائيل الدولة، وكلها أمور ظلت الدول العربية ترفضها على الدوام.. فجاء الوزير الإسرائيلي ليعلنها بصراحة كاملة، وليعلن على مسمع من الأمة العربية ووفودها في جنيف أنها الغرض المتفق عليه هدفا للمؤتمر..

 

ولم يكن رجل الشارع العربي وحده هو الذي كان يرفض هذه المقولات الإسرائيلية، بل إن قادة العرب قد رفضوها، حتى أولئك الذين لقوا مصرعهم من أجل القضية الفلسطينية، حقا أو باطلا.. وحتى أولئك الذين وقعت الانقلابات الثورية على رؤوسهم منذ أول انقلاب عربي في بغداد في عام 1933.. بل حتى مؤتمر القمة العربي في الخرطوم الذي انعقد في خريف 1967 بعد هزيمة الأيام الستة، كل هؤلاء وأولئك قد أعلنوا المرة بعد المرة، أن لا تفاوض ولا تعايش ولا سلام، ولا صلح مع إسرائيل.

ومن هنا جاءت توكيدات الوزير الإسرائيلي، أن الصراع العربي الإسرائيلي يدخل عهدا جديدا "يلغي الطرف العربي فيه كل التزاماته القومية، وكل مواقفه الوطنية.. وآية العجب في ذلك أن يتم ذلك بعد حرب أكتوبر، وهي حرب مهما قيل في خلفياتها وحوافزها إلا أنها معركة مجيدة حقا، تخطيطا وتنفيذا، ونزلت في التاريخ العسكري كمفخرة كبرى للمقاتل العربي، بطولة وبسالة، وبراعة وتفوقا.

ولا يتردد الوزير الإسرائيلي أن يخاطب الوفود العربية بصراحة.. ووقاحة معا، بلهجة الغالب يملي كلمته على المغلوب، فهو ينتقل بعد ذلك إلى القول بكل صلف أنه "إذا أردنا لهذا المؤتمر أن يبلغ هدفه فإن عليه أن يحدث انقلابا في خط سير التاريخ الحديث".. وما معنى هذا الانقلاب؟؟

معنى هذا الانقلاب الذي يدعو إليه الوزير الإسرائيلي، هو انقلاب في الفكر القومي العربي.. من الرفض إلى القبول، من النضال إلى الاستسلام، ومن هدف التحرير إلى الصلح مع العدو الدخيل، المحتل المستوطن، حتى يصبح "الاستيطان" الاستعماري، هو الوطن الشرعي..

ولقد كانت أول خطوة في هذا الانقلاب.. هو اللقاء العربي اليهودي في مؤتمر جنيف، مؤتمر اسمه الدولي "مؤتمر السلام".. وهذا هو حرف الألف في أبجدية السلام، إذا كان مقدرا لهذا المؤتمر أن يحقق أهدافه.. وإذا جرؤ الحكم العربي المعاصر على توقيع اتفاق السلام.

ثم ينتقل الوزير الإسرائيلي بعد هذه المقدمات إلى تحليل طبيعة النزاع العربي الإسرائيلي، ويهوي إلى قاع سحيق، كان من الممكن أن يقضي عليه لو كان في الوفود العربية من يرغب أو يقدر الرد عليه.. ويمضي الوزير الإسرائيلي ليقول.. وهو يجأر بالشكوى المريرة "لا يوجد أي شيء يمكن أن يشبه النزاع العربي الإسرائيلي.. إن أزمة الشرق الأوسط لها سبب واحد: حق إسرائيل في السلام، والأمن، والسيادة، والتجارة، والصداقة الدولية، والتنمية الاقتصادية وحريتها في الملاحة.. وإن حقها الفعلي في أن تعيش قد أُنكِر عليها بالقوة طوال خمسة وعشرين عاما.. إننا لم نر أي نزاع آخر قام على الرفض بالاعتراف وبهذا الشكل المطلق، ليس بحقوق دولة في السيادة فحسب، بل أيضا بشرعية الأمة التي تمثلها"..

        وهذا الكلام الذي يقوله الوزير اليهودي عن الموقف العربي إزاء إسرائيل ويطالب بانقلابه، هو وصف دقيق وصحيح، يمثل الذروة في البلاغة والفصاحة، وخاصة حين يقرؤه المواطن العربي بأصله الإنجليزي، وهو يغنينا عن عرض الموقف العربي من إسرائيل.. حتى لكأنه ينطق بلساننا، ويعرض شكوانا..

        ولكن أحدا في المؤتمر لم يسأل الوزير اليهودي: ولماذا هذا الموقف الدولي العربي، الفذ الغريب العجيب، الشاذ النشاز.. إن العرب قوم ذوو حضارة عريقة، وثقافة عريضة، وإنسانية سمحاء، وهم يتعاملون مع جميع دول الأرض حسب القواعد الدولية المألوفة.. فلماذا هذا الاستثناء الفاحش ضد إسرائيل.. إن العيب ليس في الفكر العربي.. إن العيب كل العيب هو في الوجود الإسرائيلي؛ الوجود العدواني.. إنه العدوان على الوطن.. على أرض الآباء والأجداد.. إنه تشريد الشعب من وطنه واغتيال حقه الوطني في السيادة على أرضه..

        وإنه لصحيح حقا، "أنه لا يوجد شيء يشبه النزاع العربي الإسرائيلي" كما يقول الوزير الإسرائيلي، لأنه لا يوجد مشكلة أخرى مماثلة على وجه الأرض، قام فيها "شعب" بهجمة استيطانية على وطن شعب آخر.. وأقام فيه دولة أجنبية لتحل محل "دولة عربية" كان من المؤكد أن تقوم لولا هذه الغزوة اليهودية.

        ومن أجل ذلك فإنه من حق الأمة العربية، دفاعا عن وطنها، أن تكافح هذه الغزوة الهمجية وأن تحارب "الدولة" التي تمثلها، إنها حرب مشروعة، حرب تحريرية مقدسة.. تعطي الحق كل الحق بأن تمنع عن "العدو" الاعتراف والأمن والسلام، إلى آخر الشكاوي التي ألقى بها الوزير الإسرائيلي في وجه الوفود العربية، وهي أجدر ما تكون بأن ترد إلى الوجه الإسرائيلي.

        ثم يتحدث الوزير الإسرائيلي بالتحديد، وبألم ومرارة، عن "قطع أعضاء الجنود الإسرائيليين في ساحة القتال وقتل وتعذيب الأسرى الإسرائيليين.. والمعاملة الهمجية التي مارستها سوريا ضد الإسرائيليين.. والعدوان اللا إنساني الذي شاهدناه في العام الماضي في ميونيخ.. عندما تم تقييد يد وقدم رياضيين في حمى عالم الأولمبياد، وأطلق عليهم الرصاص بكل هدوء في الرأس واحدا بعد الآخر، والكل ينتظر دوره.. وكل ذلك يمتد جذوره من الإصرارعلى الرفض في أن يكون لإسرائيل مكانها في التاريخ والقانون الذي ينظم حقوق الدول"، وهو يشير بذلك إلى الأحداث التي أذاعتها صحف العالم في حينها.

        ومن المحزن حقا، أن هذا الكلام لم يجد عليه ردا في مؤتمر جنيف، من الوفود العربية، وترك للجدران أن تتحدث عن فظائع الإرهاب اليهودي منذ فجر التاريخ، حينما هجم العبرانيون قبل ثلاثة آلاف عام على مدينة أريحا العربية، وقتلوا أهلها رجالا ونساء وأطفالا، ودمروا منازلها، وتركوها قفرا يبابا، وعالما خرابا، والتوراة مليئة بالأحداث الرهيبة التي تلت هذه المذبحة البشعة في معظم أرجاء فلسطين.

        وقد تجدد سجل الإرهاب اليهودي هذا، بأسلحة أكثر تطورا، وفنون أشد فتكا، عبر ثلاثين عاما في عهد الانتداب البريطاني، وثلاثين عاما أخرى بعد قيام إسرائيل مما يؤلف كتبا ترتجف صفحاتها بالهول الأكبر.. ولكن ذروة الإرهاب، في أشد أشكاله الوحشية، وصوره الهمجية هو التشريد من الوطن بمقدساته ومرابعه ومغانيه، وأين حادثة ميونيخ، ومعاملة الأسرى، من الاغتيال الجماعي للوجود القومي للأمة، ومصادرة سيادتها وحريتها واستقلالها، والعبث بطموحاتها وآمالها الوطنية.

        ومن الحديث عن الإرهاب، يقفز الوزير الإسرائيلي إلى قضية القومية العربية مناشدا الأمة العربية أن تكتفي بما بيدها من أقطار وثروات، وتترك فلسطين لإسرائيل، ثم يؤكد "أن إسرائيل لا تعارض أهداف القومية العربية، وتعتبر أن نجاحها قد تحقق في قيام 19حكومة تمثل مساحة قدرها 12 مليون كيلو متر مربع، وتضع مائة مليون من العرب يحيون تحت لواء رايتهم، وتحت إمرتهم موارد ضخمة.. والسؤال الذي بقي هل تتكيف القومية العربية بالحق المتواضع لدولة أخرى في الشرق الأوسط في أن تحيا في أمن في موطنها الوحيد وهو موطنها الأصلي".. هكذا بكل صفاقة وبساطة حتى كأن الأمة العربية هي الوحيدة في هذا العالم التي تملك أقطارا واسعة، وخيرات ضخمة، ويتعين عليها لهذه الأسباب أن تتنازل عن "قلبها" لأنها تمتلك أعضاء كثيرة في جسدها.

        والوزير الإسرائيلي يشير إلى هذا "القلب" ولكن من زاوية أخرى.. أنه يعتبر أن إسرائيل تاريخا وتراثا ووجودا هي "قلب الشرق الأوسط، والشرق الأوسط يسقط بصورة تلقائية إذا أفرغ من قلبه".. وهنا يتحدث الوزير الإسرائيلي من قمة الطغيان والاستعلاء، موجها حديثه هذا إلى الزعماء والسياسيين والمفكرين في العالم العربي "أن يلفظوا النظرية الخاطئة القائلة بأن إسرائيل غريبة على الشرق الأوسط فإنها جزء عضوي من تركيبه وذاكرته، فلنشطب إسرائيل وكل ما أنبتته من تاريخ في الشرق الأوسط، وسنكون قد أفرغنا من هذا التاريخ كل ما هو قلبه" ومعنى هذا الصلف المتعالي أن الشرق الأوسط إذا خلا من إسرائيل سقط صريعا على الأرض، هيكلا من غير قلب ولا روح.

        ولا يكتفي الوزير الإسرائيلي بذلك، بل إنه يذهب إلى حد القول أن "القومية الإسرائيلية الحديثة قد نبتت منها معظم العناصر الأخرى في تاريخ الشرق الأوسط" بل يمضي إلى أبعد من ذلك حين يقول، بخيلاء واستعلاء "إن الجذور التاريخية والدينية والقومية لإسرائيل تؤلف العنصر الأول من التاريخ الثقافي للإنسانية"!!

        ولو كان المجال يتسع للرد على هذه الدعاوى العريضة الكاذبة، لحشدنا طائفة كبرى من أقوال المؤرخين، وعلى رأسهم غوستاف لوبون، يؤكدون أن اليهود قوم من البرابرة المتوحشين، من غير ثقافة ولا تراث، وأنهم نسبوا لأنفسهم تراث الأقوام الأخرى وحضارتها دون أن يضيفوا إليها شيئا.. وأنهم لا يُعدْون أن يكونوا جماعات من الرعاة الرحل، يحل الخراب والدمار حيث يحلون ويرتحلون.

        وبعد أن فرغ الوزير الإسرائيلي من الكلام عن المنطلقات الفكرية الإسرائيلية، انتقل إلى الحديث عن السلام وكيف تريده إسرائيل، وهذا ما ينبغي للمواطن العربي أن يعيه تماما، ليعرف إلى أين تسير الدبلوماسية العربية بالقضية العربية.

        ويتحدث الوزير الإسرائيلي عن مفهوم السلام ومقتضياته ومتطلباته حديثا مركزا، منتقلا من التعميم إلى التخصيص فيعلن بادئ ذي بدء "أن السلام يجب أن يخلق حقيقة إنسانية جديدة.. فإن الدول التي تحيا في سلام لا يمكن أن تفصل فيها حدود مستقلة بإحكام.. إن الضمان الأساسي لاتفاقية سلام يكمن في خلق مشاركة في المصالح الإقليمية تكون على قدر من القوة، وتعدد التفاعل، والمنافع المتبادلة، والاتصالات الإنسانية، بحيث يبتعد كل احتمال لقيام أحداث غير متوقعة في المستقبل" وهذه الصورة الزاهية التي يقدمها الوزير الإسرائيلي عن السلام بين العرب وإسرائيل، تكاد أن تكون نفس الصورة القائمة بين الدول العربية بعضها مع بعض.. بل أحسن منها لأن العلاقة فيما بين الدول العربية ليست حسنة إلى هذا القدر، ولا هي بمستوى الصورة التي يطرحها الوزير الإسرائيلي.. فالعلاقات بين الحكام العرب، لا الأمة العربية، تسودها المشاحنات من حين إلى حين، حتى تصل إلى درجة القطيعة والمقاطعة، بل والحشد المسلح، ناهيك عن السباب عبر الأثير.. والإقتتال والإغتيال.

        ويستشهد الوزير الإسرائيلي بنموذج العلاقات القائمة بين دول أوروبا الغربية، فيقول "علينا أن نكفر عن الخمسة وعشرين عاما من الانشقاق بالعمل معا منذ الآن في سبيل إقامة علاقات تعاون بيننا شبيهة بتلك التي خلقتها دول أوروبا بعد قرون من الحرب" وهذا يقضي بالنتيجة أن تصبح إسرائيل، انطلاقا من هذا المفهوم، عضوا في الجامعة العربية تساهم في جميع نشاطاتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية!!

        وليس هذا الاستنتاج متعسفا، عن السلام كما تفهمه إسرائيل، فإن الوزير الإسرائيلي يمضي في القول "إن تصورنا للسلام يجب أن يكون مشروع دول ذات سيادة: الدول العربية وإسرائيل، تتعاون في سبيل تحقيق أهداف إقليمية أوسع، وأن مقياس السلام هو أن يقود الشعوب وليس الحكومات فقط، إلى تبادل خلاَّق بينها".. وهذا التصور يفترض أن تقدم وفود من البرلمانات العربية والمجالس الشعبية لزيارة "بيت المقدس عاصمة إسرائيل الخالدة" وأن يقوم ممثلو الأحزاب الإسرائيلية بزيارة للعواصم العربية، وعقد مؤتمرات صحفية يجري فيها الحديث عن المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة.. ويشرب فيها الأحباب مختلف الأنخاب!!

        وبعد ذلك فإن الوزير الإسرائيلي يسرد المواضيع التي يجب أن تتضمنها معاهدات السلام فيقول "إن على معاهدات السلام التي نرغب في التفاوض بشأنها وإبرامها، أن تتضمن ما يؤدي إلى القضاء الدائم على كل صور العداوة والمقاطعة والحصار.. وأن تتضمن عدم الالتجاء إلى القوة في علاقاتنا، الواحد منا مع الآخر.. مع الاعتراف القانوني دون أي لبس، واحترام استقلال كل طرف، ووحدة التراب الوطني والسيادة الإقليمية، وتحريم أي عمل عدواني وإرهابي، وأن نعلن بشكل قاطع النهاية الدائمة للنزاع.. والالتزام بعدم عرقلة حركة السفن والطائرات.. وفي إطار السلام يصبح من الطبيعي بالنسبة لإسرائيل والدول العربية أن تشارك معا في منظمات التنمية الإقليمية".. وامتدادا لهذا المنطق تصبح إسرائيل عضوا في جامعة الدول العربية ومؤسساتها المتعددة، بعد أن يتم تعديل ميثاق جامعة الدول العربية ليصبح ميثاق جامعة الدول "الشرق أوسطية"..

        ويطلب الوزير الإسرائيلي إلى الأمة العربي بالانتقال إلى عهد جديد، حتى في المجال الثقافي، فهو يقول "إن المطلوب هو إحداث تغير في المواقف.. إن النزاعات الماضية قد أثارت في ذهن أجيال متتالية من شعوبنا صورة مشوهة، الواحد عن الآخر، ولذلك يتعين أن تكون لنا برامج تعليمية جديدة لاستبعاد الصور التي تلقن تبرير المواقف العدائية" وبهذا يصبح أطفالنا وأطفالهم على سرر متقابلين، متحابين متعانقين، ويتعلم الطلبة العرب جغرافية إسرائيل، بدلا من جغرافية فلسطين، وتاريخ الهيكل بدلا من المسجد الأقصى..

        ثم يعالج الوزير الإسرائيلي موضوع "الحدود" فيقول "إن معاهدة السلام يجب أن تتضمن اتفاقية حول الحدود.. إنه لا يمكن التفكير في الرجوع إلى خطوط 1967.. ولكننا مستعدون لقبول حل وسط إقليمي.. وبالنسبة لإسرائيل فإن المشكلة الأساسية في محادثات السلام إنما هي خاصة في الأمن.. إننا الدولة الوحيدة التي عاشت طوال خمسة وعشرين عاما دون أن يمر شهر واحد من السلام.. ولهذا يجب احترام اهتمامنا القومي بضمان البقاء الفردي والجماعي" وجميع هذه المقولات الإسرائيلية لا تحتمل النقاش، فإنها سرعان ما تنهار حتى أمام المنطق الدولي.. حتى أمام القرار 242 الذي لا يتحدث عن حل إقليمي وسط.. فضلا عن أن اتخاذ موقف صلب، لا تفكير فيه بالرجوع إلى خطوط 1967 معناه نسف المؤتمر من أساسه حسب المفهوم الدولي.. أما معناه القومي فيفرض أن تنسحب الوفود العربية من المؤتمر، لولا أنها أصبحت تائهة في غابة هذه التجربة الخطرة التي أقدمت عليها بالموافقة على حضور مؤتمر جنيف، وعلى أساس القرار 242.

ثم إن موضوع الأمن الإسرائيلي الذي تلح عليه، دائما وأبدا، هو تماما كإلحاح الناهب والسالب، في طلب الأمان.. فمن الذي دعا الناهب إلى النهب، والسالب إلى السلب، حتى يطلب الأمان.. إن إسرائيل هي الغازية المعتدية أصلا، وهي اقحمت وجودها في الوطن العربي، فهي المسؤولة عن العداء العربي الذي يحدق بها.. وهي تطالب بالأمن من هذا العداء، وهي السبب الأول والأخير لهذا العداء.

        لقد اعتدت إسرائيل على الوطن العربي.. وهي تطلب المزيد من الأرض لتكون لها حدود آمنة.. ولا نعرف دولة في العالم تطالب جاراتها ببعض أراضيها لتجعل منها حدودا آمنة.. إلا إذا كانت تلك الدولة معتدية في الأصل.. وكاد المريب أن يقول خذوني.. ويكاد القاتل أن يقول اقتلوني..

        ولكن الدول العربية هي التي شجعت إسرائيل على هذا الطغيان في سرد المطالب العاتية، واحدا بعد الآخر، ولا تلومن إلا نفسها فهي التي رضيت بإسرائيل وبحدودها السابقة وبحدود جديدة، هي الحدود الآمنة، حسب تعبير قرار مجلس الأمن.

        وحينما أعلن الرئيس الأمريكي الجديد في مؤتمره الصحفي (11/3/1977) ضرورة وجود حدود سياسية لإسرائيل، وحدود أخرى قابلة للدفاع عن إسرائيل، والحدود هذه كلها في الأرض الفلسطينية والعربية، اعترض عرب التسوية على تصريحات الرئيس كارتر، وقد فاتهم أنهم هم الذين وافقوا على كل المفاهيم والمعاني عن الحدود الآمنة، فإنها واردة بالنص في قرار مجلس الأمن الذي أعلنوا قبوله.. وعليهم أن يتحملوا نتائج سياستهم، ورحم الله عجائزنا الطيبات الذين كانوا يقولون، من يلاعب القط يجب أن يتحمل خرابيشه.

        ثم إن الدول العربية ومعها الأمم المتحدة، فاتها أن خطوط 1967 ليست حدودا لإسرائيل تحت أية وثيقة دولية.. إن حدود القرار الذي صدر بإنشاء دولة يهودية قد "وهب" إسرائيل ظلما وعدوانا 54 في المائة من وطن الشعب الفلسطيني.. أما خطوط 1967 فهي نتيجة اعتداءات وتوسعات إسرائيلية متواصلة عبر عشرين عاما، مضيفة بذلك ما يزيد على خمس الوطن الفلسطيني، وهي تريد الآن مزيدا من الوطن الفلسطيني ليكون حدودا آمنة.. ثم تتكرم بالنهاية أنها تقبل حلا وسطا، وهي بذلك تقايض أرضنا بأرضنا، وتساوم على وطننا بوطننا، فأين ذلك في المفهوم الدولي والقومي معا..

        ومن الحدود الآمنة ينتقل الوزير الإسرائيلي إلى معالجة قضية اللاجئين.. وهي أكبر مأساة في المشكلة، وإذا بالوزير الإسرائيلي الذي كان "يحلق" قبل فترة في الحديث عن القيم الإنسانية، نراه يهوى بهذه القضية الإنسانية، فضلا عن جوانبها القومية إلى سحيق العدم.. وتدفعه القحة أن يهزأ بالدول العربية، وهو يقول "إن الوصول إلى سلام سيتيح تسوية مشكلة اللاجئين، في إطار عمل إقليمي مشترك وبدعم معونة دولية.. إننا نعجب من أن الدول التي فاقت مكاسبها البترولية 15 مليار من الدولارات كل سنة لم تستطع في نفس الوقت تسوية هذه المشكلة بروح من الأخوة والتضامن" وهو بهذا الكلام يقرر أن لا عودة للاجئين إلى وطنهم، وأن على الدول العربية أن تعمل على توطينهم بأموال عربية، وفي الوطن العربي، وانسجاما مع التضامن وروح الأخوة العربية!!

        ويوجه الوزير الإسرائيلي بعد ذلك، سخرية أخرى إلى الدول العربية، يدعوهم إلى الاقتداء بما فعلته إسرائيل مع إخوانهم اليهود، فيقول "إن مئات الألوف من اللاجئين اليهود القادمين من الدول العربية والإسلامية، بسبب غزو إسرائيل عام 1947 1948 قد استقبلتهم إسرائيل، وأصبحوا أيضا مواطنين بكامل حقوقهم، وارتفعوا إلى درجة الكرامة الإنسانية.. وبالنسبة للتعويض فإننا سنقدم اقتراحا بشأن الأراضي التي تركها اللاجئون (الفلسطينيون) في إطار مناقشة عامة حول الممتلكات المتروكة من قبل الذين (اليهود) تركوا دولا في الشرق الأوسط بحثا عن حياة جديدة"، وهو هنا لا يكتفي بإنكار حق اللاجئين بالعودة إلى وطنهم وديارهم كما قررت ذلك الأمم المتحدة في عديد من القرارات، وإنما يهيئ "لأكل" ثمن أراضيهم بأسلوب التقايض بممتلكات اليهود في البلاد العربية.. واليهود قادرون أن يقدموا كشف حساب يجعل الدول العربية مدينة لإسرائيل في النهاية.. وهم بارعون في هذه الصناعة التي تجعل الدائن مدينا!

        وبعد أن "يجهز" الوزير الإسرائيلي على قضية اللاجئين، يتجه نحو قضية بيت المقدس، وهنا فإنه يتحدث بصراحة وصرامة، وهو لا يستخدم إلا الكلمات ذات المعنى الواحد، ليستمع لها العالمان العربي والإسلامي، ولا شان لنا بالعالم المسيحي فإن دوله هي التي كانت السبب في هذه الكارثة على فلسطين، وطنا وشعبا ومقدسات.. وهو يقول: "إن القدس، عاصمة إسرائيل وهي الآن موحدة إلى الأبد.. والأماكن المقدسة يمكن أن توضع تحت إدارة من يعتبرونها مقدسة وإننا نأمل في الوصول إلى اتفاقات تتعلق بحرية الزيارة والحج إلى هذه الأماكن"، وقضية بيت المقدس، كانت تكفي وحدها أن تعلن الوفود العربية الانسحاب من المؤتمر وعدم العودة إلا حين تسحب إسرائيل كلامها هذا.. ولكن الوفود العربية نسيت أنها في الحادي والعشرين من شهر ديسمبر عام 1973 بعد حرب أكتوبرالمجيدة ، وحسبوا أنهم في يونيو 1967 في هزيمة حرب الأيام الستة، الهزيمة النكراء..

        هكذا تناول الوزير الإسرائيلي أزمة الشرق الأوسط ومعها مشكلة فلسطين، وبالتحديد اتفاق الصلح، الانسحاب، الحدود الآمنة، اللاجئين، القدس، التعويضات.. ثم مال بعد ذلك إلى توجيه حديثه إلى الأردن بالذات.. فإلى هذا القطر تتجه الأطماع التالية للحركة الصهيونية، وهو يشير إليها من طرف خفي حين يقول "إن مفاوضاتنا مع الأردن تستهدف تحديد الحدود التي يقبلها البلدان، وذلك لضمان التعايش بين الدولتين اللتين تمثلان الإقليم الأصلي الذي كان فلسطين والذي وضع تحت الانتداب، وهما إسرائيل والدولة العربية المجاورة" وهو هنا يقصد أن يثبت في محضر الجلسة أن فلسطين وهي الوطن التاريخي للشعب اليهودي تمتد حدودها لتشمل المملكة الأردنية الهاشمية بكاملها!!

        وبهذا التحفظ فإنه يخاطب الأردن قائلا: "إن الحدود والجسور مفتوحة اليوم، والعرب في الضفة الغربية والشرقية من الأردن يدخلون إسرائيل ويخرجون منها بحرية ودون قيود.. وفي إطار تسوية سلام علينا أن نحافظ ونعمل على تمتين هذه الاتصالات الإنسانية.. إن السيادات السياسية لا تنفي التعاون الاقتصادي والاجتماعي على أوسع نطاق، وهل نبالغ في الأمر إذا كنا نؤمن بإقامة جماعة من الدول ذات سيادة في الشرق الأوسط، تكون حدودها مفتوحة وتكون لها منظمات إقليمية تعمل على التعاون، وتكون لها ارتباطات بالدول الأخرى لصالح إقامة بناء إقليمي مشترك.." وفي عبارة مبسطة فإن إسرائيل تتطلع من مؤتمر جنيف أن تحقق الرغبة التي أعلنتها السيدة جولدا ماير رئيسة الوزراء السابقة، من أنها تتمنى أن تذهب إلى خان الخليلي في القاهرة تشتري ما تشاء من تحفه اللطيفة ومعروضاته الظريفة، ولا يستبعد أن تتمنى بعد ذلك أن تذهب إلى سوق الحميدية في دمشق لتنعم بمآكله الشهية وأقمشته البهية!!

        تلك هي مقتبسات من خطاب الوزير الإسرائيلي في جنيف، لم تنشره صحف الملوك والرؤساء، حتى يظل المواطن العربي جاهلا بقصده، وأهدافه، جاهلا بالسلام الذي ينطوي عليه مؤتمر جنيف، وفي النهاية، جاهلا بالمسيرة السياسية التي يقودها الحكم العربي المعاصر!!

        ولكن المواطن العربي يعرف كل شيء، ولا يخفى عليه شيء.. وكما يقول المثل العامي.. إنه يعرفها على "الطاير" ورجل الشارع يعرف الخبر اليقين.. من غير تعليم  ولا تلقين..

        المواطن العربي، عرف كل ذلك، قبل أن يصل مؤتمر جنيف، إلى نهايته المرتقبة.. فقد تأجلت جلسة المساء التي خطب فيها الوزير الإسرائيلي، إلى اليوم التالي، ليستأنف المؤتمر أعماله.

        ولكن المؤتمر لم يستأنف شيئا، فقد عقدت الجلسة مقفلة في الساعة الحادية من صباح يوم السبت 22 ديسمبر، ولم تتجاوز عشرين دقيقة، أصدر كورت فالدهايم في ختامها بيانا رسميا قال فيه "بعد المناقشات الرسمية وغير الرسمية توصل المؤتمر إلى اتفاق في الرأي على التأجيل.. وسوف ينعقد المؤتمر على مستوى وزراء الخارجية في جنيف إذا اقتضت التطورات ذلك.."

        ودخل العام الخامس على تلك الدورة اليتيمة لمؤتمر جنيف دون أن ينعقد، لأنه على ما يبدو من صيغة البيان، "ما اقتضت التطورات ذلك"!!

        وكان الكاسب الوحيد هي إسرائيل فقد استمرت في احتلال الأرض العربية وإقامة المستعمرات والمستوطنات حتى قاربت الستين  في الجولان وسيناء والضفة الغربية.

        ومع إسرائيل كسب آخرون، من أصحاب المنازل في جنيف، فقد استأجرت الوفود العربية عددا من المساكن لتكون مكاتب ومساكن للوفود، وتعاقدوا لمدة عام.. فمضى العام وبقيت المساكن من غير ساكنين، وضاعت الفرصة على الدبلوماسيين المساكين..

        وبعد فهذا هو مفهوم السلام الإسرائيلي كما طرحته إسرائيل في مؤتمر جنيف في ديسمبر سنة 1973 وقد مر على ذلك أربع سنوات، جاء بعدها الرئيس الأمريكي الجديد جيمي كارتر، ليلتقي معه رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين (9/3/1977) وليصرح بعد انتهاء المقابلة أن الرئيس الأمريكي كارتر هو أول رئيس أمريكي يكاد مفهوم السلام عنده أن ينطبق على مفهوم إسرائيل.

        وعاد الرئيس الأمريكي كارتر، بعد أسبوعين من ذلك التصريح ليعلن في اجتماع جماهيري في مدينة كلينتون بولاية ماساشوتس موقفه من الحل السلمي لأزمة الشرق الأوسط، وكأنه يعيد تلاوة خطاب الوزير الإسرائيلي إيبان الذي ألقاه في جنيف قبل ثلاثة أعوام..

        وقال الرئيس الأمريكي بالنص "إنني أعتقد أن إنشاء دولة إسرائيل يعد من أروع الإنجازات التي حققتها أمم العالم على الإطلاق ولذلك فإن أهم متطلبات سلام دائم هو اعتراف جيران إسرائيل بها وبحق إسرائيل بالوجود الدائم وبسلام، وهذا يعني أنه خلال عدة شهور أو سنوات يجب أن تُفتح حدود إسرائيل مع سوريا ولبنان والأردن ومصر للسفر والسياحة والتبادل الثقافي والتجارة، حتى تستطيع الشعوب نفسها بصرف النظر عمن يكون القادة في الدول أن تشكل فهما متبادلا، وإدراكا لهدف مشترك، وهو تجنب الحروب المتكررة.. وهذه هي المتطلبات من أجل السلام"!!

        وكلام الرئيس كارتر هذا، يثبت مرة أخرى، لمن يطلب المزيد من جديد، أن السلام الأمريكي هو السلام الإسرائيلي: الكلمة بالكلمة، والمعنى بالمعنى.. بفارق واحد..

        هذا الفارق الواحد، أن الرئيس الأمريكي قد لخص في دقيقتين اثنتين، ما قاله الوزير الإسرائيلي في ساعتين..

        ولكن الدبلوماسية العربية، ما تزال غارقة في الأوهام وأضغاث الأحلام، ويا ويح الأمة العربية من الدبلوماسية العربية..

 

 

 

 

 



(1) جلسة رقم 1346 تاريخ 3 يونيو 1967.

(1) قرار رقم 233/1967 وثائق مجلس الأمن.

 

* لمزيد من الإيضاح يرجع إلى الخطاب  في محضر مجلس الأمن بتاريخ 6 يونيو 1967 الجلسة رقم 1348.

(1) محضر مجلس الأمن رقم 1348 بتاريخ 6 يونيو 1967.

(1)  محاضر مجلس الأمن، جلسة 1352 ، تاريخ 9 يونيو 1967،ص13.

(1) للمزيد من التفاصيل راجع محضر الجلسة 1355 بتاريخ 10/6/1967.

 

(1) القرار 236/1967 الصادر من مجلس الأمن بتاريخ 11 حزيران.

(1) انظر: أحمد الشقيري،أربعون عاما في الحياة العربية والدولية.

(1) محضر الجلسة 1351 بتاريخ 8 /6/ 1967.

(1)انظر: أحمد الشقيري، الهزيمة الكبرى مع الملوك والرؤساء،ج2، ص 30 وما بعدها .

(2)انظر: أحمد الشقيري، أربعون عاما في الحياة العربية والدولية.

(1) الفقرة العشرون من خطاب الرئيس كوسيجن في الجلسة 1526 تاريخ 19 /6/ 1967.

 

(1) الفقرة 45-46 من الخطاب في المرجع السابق.

(2) المرجع نفسه، الفقرة 26 من الخطاب.

(1) فقرة 88 من محضر الجلسة 1526 تاريخ 19 /6/1967.

(1) تقرير هيئة الرقابة الدولية.

(1) القرار رقم 240/1967.

(1) )  في تفاصيل مؤتمر الخرطوم ،انظر:أحمد الشقيري: الهزيمة الكبرى مع الملوك
و
الرؤساء ، ج2.

(1) محضر الجلسة 1366، ص4.

(1) محضر الجلسة 1369 ، ص 5 .

(1) وثائق الجمعية العامة- الدورة الثانية والعشرون، الوثيقة رقم 16، فقرة 43.

(2) محضر الجلسة 1377 ، ص 17.

(1) المرجع نفسه، ص 7.

(1) المرجع نفسه، ص 5.

(1) محضر الجلسة 1381 ،ص 1 .

(1) محضر الجلسة 1381 ، ص 6 .

(1) محضر مجلس الأمن رقم 1382، تاريخ 22 نوفمبر 1967.

(1) محضر مجلس الأمن 1373 ،ص 25 .

(1) في تفصيل ذلك انظر: أحمد الشقيري، أربعون عاما في الحياة العربية والدولية.

 

(1) القرار رقم 2253، الدورة الاستئنافية الطارئة-5  ، تاريخ 4 يوليو 1967.

(1) القرار رقم 1254 (نفس الدورة ) تاريخ 14 يوليو 1967.

(1) في تفاصيل مؤتمر الخرطوم انظر:أحمد الشقيري، الهزيمة الكبرى مع الملوك والرؤساء.

(1) تقرير الأمين العام إلى مجلس الأمن رقم 10929 ، بتاريخ 18/5/1973.

 

(1)نص القرار رقم 2628 ، بتاريخ 4 نوفمبر 1970.

(1) النص الكامل لمشروع القرار في الوثيقة 10974/5 ،تاريخ 24 يوليو 1973.

 

(1) جلسة مجلس الأمن 414 ، ص 10.

(1) منظمة التحرير الفلسطينية، الحرب العربية الإسرائيلية الرابعة، ص 108.

(2) المصدر السابق،ص106.

(1) مجلة تايم ، تاريخ 29/10/1973.

(1) رويتر ،10/10/1973.

(1) مجلة Aviation Week ، 22/10/1973.

(1) مجلة تايم، 29/10/1973.

(2) جريدة الهرالدتريبيون، 18/10/1973.

(1) مجلة تايم، 5/11/1973.

(1) المصدر نفسه.

*  اعتمدت في كتابه هذا الفصل والفصل السابق على المراجع الآتية:

- جولدا ماير، ترجمة حياتي ، بالإنجليزية .

- الحرب العربية الإسرائيلية الرابعة ، مركز الأبحاث ، منظمة التحرير الفلسطينية .

- اللواء حسن البدري (بالمشاركة)، حرب رمضان.

  زئيف شيف "المراسل العسكري لجريدة هآرتس الإسرائيلية زلزال أكتوبر (مترجم).

* اعتمدت في كتابة هذا الفصل على محاضر مجلس الأمن في التواريخ المشار إليها.

(1) العماد الأصفهاني، الفتح، ص ص (603 608).

(2) صبح الأعشى، ج 14، ص ص(31 39).

* الخرج بالعامية: هو الجراب الذي يحمله المسافر على الدابة في رحلاته.

(1) منظمة التحرير الفلسطينية، الحرب العربية الإسرائيلية الرابعة ، ص 476  .

(1) جريدة النهار، بيروت، 26/12/1973.